نبض العراق

استفتاء كردستان يدقّ طبول الحرب حول كركوك

p
بقلم
بإختصار
كلّما اقترب موعد إجراء استفتاء كردستان، تتصاعد لغة التهديد ما بين فصائل مسلّحة شيعيّة مقرّبة إلى إيران وقوّات البيشمركة الكرديّة حول مدينة كركوك الغنيّة بالنفط.

مع اقتراب موعد إجراء الاستفتاء حول استقلال المناطق الكرديّة عن العراق، تتصاعد التهديدات والتحذيرات من جهات شبه عسكريّة عراقيّة قريبة من إيران، تواجهها تصريحات كرديّة حول اللجوء إلى السلاح، الأمر الذي ينبئ بدخول العراق في دوّامة عنف جديدة، حتّى قبل طرد "داعش" من كلّ المناطق العراقيّة.

وهدّد الناطق العسكريّ لكتائب "الإمام عليّ" أيّوب فالح الملقّب بأبي عزرائيل في 3 أيلول/سبتمبر بالهجوم على كركوك في حال ضمّ المدينة إلى الإقليم أو الدولة الكرديّة المزمع تأسيسها. وإنّ كتائب "الإمام عليّ" هي فصيل شيعيّ مسلّح مدعوم من إيران وقريب جدّاً من رئيس الوزراء العراقيّ السابق نوري المالكيّ.

ولمّح أبو عزرائيل إلى وجود ضوء أخضر إيرانيّ للهجوم على كركوك، في حال تقرّر انفصالها عن العراق، حينما قال: "إنّ كركوك عراقيّة، أتت تعليمات خاصّة، خصوصاً حول كركوك. والله العظيم لا نعطي كركوك لو تنزف دماء العراقيّين كلّها". وأكّد أنّه يطلق هذه التصريحات بصفته الناطق العسكريّ لكتائب "الإمام عليّ" ومسؤول المجاميع الخاصّة في الفصيل.

من جهته، رجّح الأمين العام لمنظّمة "بدر" المقرّبة إلى إيران هادي العامريّ اللجوء إلى السلاح في حال مضيّ الجهات الكرديّة في مشاريعها الانفصاليّة، وقال في مقابلة مع قناة "روداو" الكرديّة في 4 أيلول/سبتمبر: "سنذهب إلى السلاح، إذا أقمنا نظام أقاليم على أساس عرقيّ أو طائفيّ".

وتبدي إيران معارضة شديدة لمشاريع استقلال الإقليم، من ضمنها الاستفتاء المزمع إجراؤه في 25 أيلول/سبتمبر الحاليّ، وتعارض خصوصاً مشاركة كركوك في هذا الاستفتاء، إذ اعتبر المتحدّث باسم الخارجيّة الإيرانيّة بهرام قاسمي في 30 آب/أغسطس قرار مشاركة محافظة كركوك باستفتاء إقليم كردستان أمراً خطيراً واستفزازيّاً، مؤكّداً أنّ إيران لا تطيق إيجاد أيّ تغيير في حدود الدول المجاورة.

من جهته، قال الخبير في شؤون العلاقات الدوليّة بجامعة "لوند" السويديّة ميثم بهروش في اتّصال هاتفيّ مع "المونيتور": "نظراً لتاريخ مشاكل إيران مع الكرد (في داخل إيران وخارجها) سوف لن تتحمّل ولادة دولة كرديّة على حدودها، خصوصاً أنّها من المحتمل أن تكون دولة قريبة من عدوّها الرئيسيّ إسرائيل".

أضاف ميثم بهروش الذي يتابع السياسة الخارجيّة الإيرانيّة عن كثب: "أستبعد التدخّل العسكريّ المباشر من قبل إيران في هذه القضيّة، ولكن من المرجّح أن تستخدم إيران الجماعات المسلّحة الشيعيّة ضدّ الإقليم".

من جانب آخر، وفي تصعيد واضح ضدّ الإستفتاء صوّت مجلس النوّاب العراقيّ في 12 أيلول/سبتمبر على قرار يطالب فيه الحكومة العراقيّة بتحمّل "مسؤوليّتها في الحفاظ على وحدة العراق واتّخاذ كافة التدابير والقرارات التي تضمن الحفاظ على وحدة العراق". ولم تشارك الكتل البرلمانيّة الكرديّة في التصويت على هذا القرار.

وتأخذ الجهات الكرديّة هذه التهديدات على محمل الجدّ، لا سيّما أنّ القياديّ في قوّات البيشمركة وعضو المكتب السياسيّ للإتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ محمود سنكاوي حذّر في 8 أيلول/سبتمبر من شنّ هجوم على كركوك في يوم الاستفتاء، مطالباً الجهات الكرديّة بأخذ الحيطة والحذر.

بدوره، أبدى رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني في مقابلة تلفزيونيّة نشرت في 9 أيلول/سبتمبر استعداد الكرد للجوء إلى السلاح في حال حاولت جهات الدخول إلى كركوك بالقوّة.

ورأت جهات كرديّة في تحشيد القوّات العراقيّة على أطراف مدينة الحويجة استعداداً لتحريرها من "داعش"، خطراً على كركوك. وتقع الحويجة جنوب غرب كركوك بحوالى 50 كيلومتراً. وسوف تقترب القوّات العراقيّة من مدينة كركوك بعد تحرير الحويجة، إذ أكّد رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي في مؤتمره الصحافيّ الأسبوعيّ بـ6 أيلول/سبتمبر أنّ تحرير الحويجة سوف يكون في يدّ القوّات العراقيّة، من دون مشاركة القوّات الكرديّة. وبمعنى آخر، لن تتقدّم قوّات البيشمركة من مواضعها الحاليّة، بل إنّ القوّات العراقيّة ستتحرّك صوب مواضع هذه القوّات.

وتحسّباً لهذه التطوّرات، عمدت السلطات الكرديّة على نشر المزيد من القوّات العسكريّة في محافظة كركوك، بحسب الضابط في قوّات البيشمركة الرائد إسلام الزيباري، وهذا ما أكّده أيضاً الصحافيّ الحربيّ الكرديّ ربين روجبياني لـ"المونيتور".

وأكّد إسلام الزيباري في اتصال مع "المونيتور" عدم قدرة الفصائل الشيعيّة على السيطرة على كركوك، إذ قال: "تعتبر كركوك مدينة مقدّسة للكرد. ولهذا، اهتمّت السلطات في كردستان بها كثيراً. وهناك قوّات كبيرة بأسلحة متطوّرة في كركوك، ناهيك عن الإرادة القويّة لقوّات البيشمركة مقارنة بقوّات الحشد الشعبيّ غير المنضوية تحت قيادة واحدة وولاء واحد".

أضاف: "من الصعب عليهم السيطرة على كركوك، فالموقع الجغرافيّ لكركوك وأطرافها في صالح قوّات البيشمركة، ونحن في حالة الدفاع، وهم سيكونون في حالة الهجوم".

وأيّد هذا الرأي حسن الحجّاج، وهو مدير خليّة الخبراء التكتيكيّة، التي تعنى بالقضايا العسكريّة والأمنيّة في العراق، إذ قال في اتّصال مع "المونيتور": "تتمركز في كركوك وحدات من قوّات البيشمركة تدرّبت تدريباً عالياً على يدّ القوّات الأميركيّة والألمانيّة وتتمتّع بتسليح جيّد، ولديها أسلحة متوسّطة وثقيلة فعّالة، إذ تمتلك رشّاشات ثقيلة وصواريخ مضادّة للدبّابات حديثة، رغم قدم دبّاباتها".

ولكن هذا لا يعني ألاّ تستطيع فصائل الحشد المقرّبة إلى إيران تهديد كركوك. وفي هذا السياق، أضاف حسن الحجّاج: "هذه الفصائل تمتلك الأسلحة نفسها، ولكن بعدد أقلّ من البيشمركة. ولهذا، لا يبدو أنّها تمتلك القوّة الكافية للسيطرة على مدينة كركوك، خصوصاً أنّ البيشمركة تتمتّع بقاعدة شعبيّة في هذه المدينة، ولكن تستطيع هذه الفصائل أن توجّه ضربات مؤثّرة ضدّ البيشمركة في مناطق مثل طوز خورماتو، حيث ليس للبيشمركة السيطرة التامّة، وأيضاً لدى قوّات الحشد الشعبيّ شعبيّة بين تركمان الشيعة في هذه المناطق".

وقد دخلت خلال السنوات الماضية فصائل شيعيّة في صدامات مسلّحة مع البيشمركة بمدينة طوز خورماتو، التي تقع جنوب كركوك. ويبدو أنّ تضارب المصالح والأهداف قد يجعل من الحلفاء ضدّ "داعش" يوجّهون فوهات بنادقهم صوب بعضهم البعض، لكي لا ينعم العراق بفترة من السلام بعد عقود طويلة من الحروب والأزمات المدمّرة.

حمدي ملك باحث في جامعة كيل البريطانية ونشرت له العديد من الدراسات والمقالات ذات الصلة باشأن العراقي.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X