نبض تركية

فنانون عالميون يستكشفون الشرق الأوسط المجزأ في اسطنبول

p
بقلم
بإختصار
يدور معرض الفن المعاصر بينالي اسطنبول لعام 2017 حول مفهوم "الجار الطيب" في عالم يرزح تحت وطأة الحروب والقمع والانقسام.

يُظهر المشهد الأول على الشاشة صبيًا يقلّد تحليق الطائرات وثم يتظاهر بأنه مسلح ويبحث عن قرية، ويرمي قنابل يدوية ويدمر هدفاً برشقات نارية من مدفع رشاش. إنه محمد، صبي أصم وأبكم يبلغ من العمر 13 عامًا، من كوباني، شمال سوريا. هرب محمد من كوباني بعد وقت قصير من استيلاء مقاتلي الدولة الإسلامية عليها في كانون الثاني / يناير 2015.

في شريط الفيديو القصير الذي أعده الفنان إركان أوزجان، وهو فنان كردي تركي من ديار بكر، يستخدم محمد جسده للتعبير عن العنف الذي شهده. يُخبر محمد قصته ويختم بحركة يد سريعة تشير إلى قطع الرأس خطفت أنفاس العشرات من الأشخاص في القاعة المظلمة الذين تابعوا شريط الفيديو بتلهف شديد. وفيما يستعد الجمهور لمغادرة القاعة قال أحد الشباب: "قد يكون الجار الطيب هو مجرد شخص لا يقتلك".

ويُعتبر هذا الفيلم القصير الذي يحمل عنوان "بلاد العجائب" من أكثر الأعمال السياسية في معرض بينالي اسطنبول الخامس عشر، وهو معرض فني معاصر يقام كل سنتين في اسطنبول. ويتناول المعرض هذا العام مفهوم "الجار الطيب"، وهو مفهوم قد يكون بسيطاً ظاهرياً غير أنه يحمل في طياته الكثير من الإنفعالات والحساسيات في منطقة ينقسم فيها الجيران بحسب الأيديولوجيا والعرق والدين والسياسة.

في المؤتمر الصحفي الافتتاحي لمعرض بينالي اسطنبول في 12 أيلول/ سبتمبر قال مايكل إلمغرين من الثنائي الإسكندينافي الشهير مايكل المغرين وإنجار دراجسيت، وهما قيمان على المعرض: "منذ أن اخترنا هذا العنوان، لم تشهد تركيا فقط محاولة انقلاب، بل شهد العالم تداعيات الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة بعد وعده ببناء جدار حدودي بين الاتحاد الولايات المتحدة والمكسيك." وأضاف: "قد تبدو عبارة "الجار الطيب" مبتذلة ولكنها تنطوي على العديد من القضايا، كما لو أنها كانت تنتهي بعلامة استفهام ".

يتزامن معرض 2017 بينالي اسطنبول مع معرض إسطنبول للفن المعاصر وإفتتاح معرض خزف الفنان الصيني آي ويوي في متحف صاقب صابونجي. ومن المتوقع أن يوفر هذا الحدث زخماً كبيراً طال انتظاره لقطاع السياحة فى اسطنبول، إذ يُعد أكبر حدث ثقافي منذ محاولة الانقلاب العام الماضى والاستفتاء بشأن التحول من النظام البرلماني الحالي الى النظام الرئاسي الأمر الذي أعطى الرئيس رجب طيب اردوغان المزيد من السلطة. فجأة، أصبحت المناطق البرجوازية البوهيمية في كاراكوي وتونيل تعجّ بالفنانين العالميين وأصحاب المعارض ومديري المتاحف والصحفيين الثقافيين ومحبي الفن.

وعلى الرغم من جاذبية قطاع السياحة في تركيا، غير أن السياسة ألقت بظلالها المظلمة على معرض بينالي اسطنبول، الذي يمتد من 16 أيلول/ سبتمبر إلى 12 تشرين الثاني/ نوفمبر في ستة مواقع في وسط المدينة. يتضمن المعرض أعمالاً لـ 56 فنان من 32 بلد تُجسد صعوبات إيجاد الجار الطيب، لا سيما في عالم اليوم الذي يعاني من الحروب والدمار والقمع والتلوث والهجرة والأنظمة الشمولية.

العمل الفني لـكانديجر فورتون من تسع أزواج من سيقان الرجال المقطوعة مصنوعة من الجصي ومرتبة جنبًا إلى جنب في حمام، 19 آب/ أغسطس 2017، الصورة من جمعية إسطنبول للثقافة والفنون (IKSV).

وتطرح ملصقات [دعائية للمعرض] تم توزيعها حول المدينة أسئلة حول مفهوم الجار الطيب. وتسأل إحدى هذه الملصقات: "هل الجار الطيب هو الغريب هو الذي يتركك بمفردك؟"، في إشارة مبطّنة إلى كاميرات المراقبة التي وزّعتها الفنانة التركية بوركاك بينغول التركية، وهي من أكثر الأعمال التي تم تصويرها في معرض بينالي اسطنبول. ويُسلط عمل بينغول "فولوير" (أي المتابع) الضوء على ثقافة التتبع العالمية ويتكون من كاميرات مصنوعة من الخزف الأبيض مزينة بالورود تم تركيبها في عشرين موقع. ويدور في تركيا اليوم نقاش ما إذا كان الجار الطيب هو في الواقع الذي لا يتدخل في شؤون غيره على خلفية ثقافة الوشاية. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى عناوين الصحف الأخيرة بشأن رجل اشتكى من جاره للشرطة لارتدائه السراويل القصيرة في أنقرة، العاصمة .

وتقول بينغول لـ "المونيتور" على هامش المعرض: "إن الكاميرات عبارة عن أجهزة ذات اتجاهين. لسنا مراقبين فحسب، بل نراقب الآخرين أيضاً بما في ذلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي".

أما في إسطنبول مودرن، أو متحف إسطنبول للفنون الحديثة فيتألف عمل فني من تسع أزواج من سيقان الرجال المقطوعة مصنوعة من الجصي ومرتبة جنبًا إلى جنب في الحمام. ويتم ترتيب كل ساقين في وضعية متباعدة للدلالة على وضعية "مانسبريد"، وهي وضعية جلوس مخزية للرجال تسمح لهم بإحتلال مساحة أكبر من المساحة المخصصة لهم. ويعود هذا العمل الفني لـكانديجر فورتون، وهي فنانة تركية، أرادت من خلاله تمثيل حالة تركيا وجيرانها. وقد تم إضافت يد وضعت على ساق من بين السيقان المعروضة، في وضعية توحي بالعدوانية أو الحزم، وكأن هذا المجسم هو الذكر المتسلط. ويربط العديد من الأتراك هذه الوضعية بأردوغان، الذي قال مؤخرًا أنه إذا كان هناك أي بلطجة، فهو من سيقوم بذلك.

تقع الجداريات المتساقطة للفنانة المغربية لطيفة إشاخش على بعد خطوات قليلة. ويُظهر ما تبقى من الجداريات أشخاص يتظاهرون، في إشارة واضحة إلى احتجاجات ميدان غيزي عام 2013 وكيف تلاشت روح المقاومة في نهاية المطاف. كانت إيشاخش قد سبق وأعدّت جدارية مماثلة حول ميدان التحرير. ويشير المرشدين السياحيين الشباب إلى الجدارية على أنها "تتمة لأعمال الفنانة حول ميدان التحرير"، في حين يوضح المرشد في معرض بينالي أن العمل الفني بعنوان "الحشود تتلاشى" هو تجسيد لميدان جيزي.

وتطغى في معرض بينالي الأعمال التي تجسد تدمير المنازل وترحيل الجيران في الشرق الأوسط. تُظهر لوحات الفنان العراقي محمود عبيدي بعنوان "انشروا الحرب، لا الحب" أجزاء منفصلة من الجسم تُذكر بالمخلوق الخيالي فرانكشتاين الذي صنعه بائع عاديات من بقايا جثث ضحايا التفجيرات في رواية أحمد سعداوي بعنوان "فرانكشتاين في بغداد". تُظهر الرسومات الكبيرة الأجسام المشوهة والمفككة، والمباني المعزولة، والأشجار والأشكال الهندسية المتنوعة. حتى من دون معرفة عنوان العمل أو جنسية الفنان، يرى الزائر التشرذم والدمار بشكل واضح في الرسومات، والتي تذكر إلى حد ما بلوحة "غرنيكا" لبيكاسو.

وتتضمن أعمال عبيدي الأخرى "مشروع المنزل المضغوط" وهو سلسلة من ثمانية كتب ذات غلاف معدني تحتوي على بعض رسوماته، ومقتطفات من الصحف، ورسائل. وقال عبيدي لـ"المونيتور": "هذا ما حملته معي، بمثابة موطني". هرب العبيدي من العراق عام 1991 خلال الحرب بجواز سفر مزيف، ليهيم في العالم كالرحالة.

في "كتاب القصص" المندرج في معرض بينالي والذي يروي حكايات شخصية عن عبيدي، يقول هذا الأخير: "في عام 2003، اندلعت الحرب في جميع أنحاء العراق للمرة الرابعة. أدركت حينها أنني لن أعود يوماً إلى وطني." ويقول أيضاً: "دفنت بقايا مجزأة من حياتي البدوية داخل اثني عشر كتاب. هذه الحكايات موجودة فقط في هذا العمل الفني، كآثار عن العودة المستحيلة وكظلال حياة غير ممكنة ومحاكاة ساخرة لموطن غير موجود".

أما لوحات الفنان الإيراني ميراك جمال على الجصي فتُعبر عن الشعور ذاته بالفقدان والخسارة وهي مستوحاة من رسومات قام بها وهو طفل. تُجسد هذه اللوحات مناظر من إيران من خلال عيون الطفل خلال الفترة التي سبقت رحيل أسرته، في عام 1979، قبل الثورة. ويصور فيلم "هوم سويت هوم" أي "ما أجمل العودة إلى المنزل" للفنان فولكان أصلان، امرأة شابة تهتم بالنبتات وأخرى تلف سيجارة. ويتضح في نهاية الفيلم أنها تعيشان في منزلين الواحد فوق الآخر يطفوان [على متن قارب] في البحر في رحلة ذات وجهة غير معروفة.

على الرغم من حساسية موضوع معرض بينالي هذا العام، يبدو النقد السياسي فيه مبطن لدرجة أنه دفع بالبعض إلى نقد الرقابة والرقابة الذاتية. وفي المؤتمر الصحفي الذي عقد في 12 أيلول / سبتمبر، كان السؤال الأول للقيمين على المعرض: "هل واجهتم الرقابة؟"

بعد لحظات من الإحراج يقول القيمان (مايكل المغرين وإنجار دراجسيت) أنه لم يكن هناك شيء يريدان القيام به ولم يستطيعا ذلك. وأشار إنجار دراغسيت إلى أن الفن يمكن أن يخلق لغة مقاومة تختلف عن تلك الموجودة في وسائل الإعلام. وأوضح كذلك أن "الفن لا يتفاعل بنفس الطريقة مثل السياسيين أو وسائل الإعلام، باستخدام نفس اللغة الشعبية المبسطة".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : gezi park, political culture, contemporary art, arts, kobani, artists

Nazlan Ertan is Al-Monitor's culture editor. She is a Turkish blogger, journalist and editor who has worked in Ankara, Paris and Brussels for various Turkish and international publications, including the Hurriyet Daily News, CNN Turk and BBC Turkish Service. She served as culture and audiovisual manager for the European Union delegation to Turkey, director of the EU Information Centre in Ankara and director of communication, culture and information in Turkey’s Ministry for European Affairs. On Twitter: @NazlanErtan_ALM 

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept