نبض مصر

"1980 وأنت طالع" عرض مسرحيّ يعيد جرأة النقد السياسيّ والاجتماعيّ إلى خشبة المسرح في مصر

p
بقلم
بإختصار
بجرأة ونقد سياسيّ واجتماعيّ صريح، لخّصت مسرحيّة "1980 وأنت طالع" المشهد الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ المصريّ المضطّرب، رغم التحدّيات التي تواجه حريّة الرأي والتعبير.

القاهرة – خلفيّة بيضاء ومقعدان و4 صناديق خشبيّة صغيرة، هي المكوّن البسيط لخشبة العرض المسرحيّ "1980 وأنت طالع"، الذي لخّص في 180 دقيقة الأحلام التائهة ومشاكل جيل الشباب من مواليد الثمانينيّات والتسعينيّات.

انطلق العرض المسرحيّ "1980 وأنت طالع"، الذي بدأت به فرقة استوديو البروفة في كانون الثاني/يناير من عام 2012 على مسارح وجراجات صغيرة للعروض الفنيّة في وسط القاهرة.

انطلق الموسم الجديد من العرض في حزيران/يونيو بعد الحصول على موافقة الرقابة الفنيّة منذ عام ونصف مع نص جديد يعكس القضايا الراهنة، في ظلّ إجراءات غير مسبوقة من النظام المصريّ ضدّ حريّة الرأي والتعبير، والتي تمثّلت في حجب مواقع صحف ومواقع إخباريّة وبرامج تلفزيونيّة كانت تقدّم نقداً إلى السلطة.

تحدّث مخرج العرض المسرحيّ محمّد جبر لـ"المونيتور" عن ظروف عودة "1980 وأنت طالع" إلى خشبة المسرح، فقال: "بعيداً عن المشاكل التي تواجه حريّة التعبير، هدفنا تقديم عرض فنيّ وليس تقديم عمل سياسيّ معارض للدولة. قد نكون أجرأ من غيرنا، ولكن من دون تجريح أو إساءة إلى أيّ مسؤول أو تيّار سياسيّ في الدولة".

عرض مسرحيّة "1980 وأنت طالع" على مسرح الهوسابير في وسط القاهرة لم يكن ضمن خيارات عدّة أمام القائمين على المسرحيّة، لكنّه كاد يكون الاختيار الوحيد بعد منع المسرحيّة في أماكن عدّة تابعة للدولة منها مكتبة الإسكندريّة ومسارح المحافظات رغم موافقة الرقابة الفنيّة.

وقال محمّد جبر: "نقدّم وجهة نظر مخالفة لم تعد موجودة على الساحة الفنيّة في مصر الآن، وهو ما يدفع ببعض المسؤولين إلى منع العرض. ولذلك، فإنّ البديل الوحيد هو اختيار أيّ من مسارح القطاع الخاص المحدودة جدّاً في مصر".

وأكّد أنّ "المسرحيّة حقّقت نجاحاً بين جمهور الشباب بدعايات بسيطة على مواقع التواصل الاجتماعيّ منذ بداية عرضها في العام 2012، وهو ما يجعلنا نفكّر دائماً في الحفاظ على الجمهور الذي يأتي ليرى هذا النوع من العمل الفنيّ الجريء. ولذلك، من غير المنطقيّ أن نقبل بالعرض على مسارح الدولة أو أن يكون البيت الفنيّ للمسرح منتج العرض لتكون لها الرقابة أو حقّ التحكّم في مضمون العرض المسرحيّ".

وعن مشاهد العرض المسرحيّ، قال جبر: "بساطة تكوين خشبة المسرح كانت لأسباب فنيّة وماديّة، وتأتي المسرحة ضمن تجربة "نحو مسرح فقير"، والتي تحاول السيطرة على الفراغ في خشبة المسرح ليكون معبّراً عن كلّ المشاهد ويستطيع توصيل الفكرة بالاعتماد على حركة الممثلين والإضاءة".

وأوضح أنّ "الستارة البيضاء، وهي الخلفيّة الثابتة لكلّ المشاهد، هي تعبير عن حال الفراغ والعزلة التي يعيش فيها الجيل".

وبنبرات تحمل السخرية والتهكّم والأسى، يبدأ 11 ممثّلاً وممثّلة المشهد الرئيسيّ الذي يتكّرر كفاصل بين المشاهد، بذكر تاريخ ميلادهم وعمرهم وأحلامهم التي لم تتحقّق، مستنكرين تناقضات عدّة موجودة في المجتمع المصريّ، مثل "علشان أكون رئيس جمهوريّة أو وزيراً أو محافظاً لازم أدخل الكليّة الحربيّة؟" "خايف أضطرّ أسافر وأسيب حلمي اللي متحقّقش هنا"، "خايف أموت صغيراً"، "فيه حاجات فاتتن وأنا صغير معملتهاش... ودلوقتي مش هقدر أعملها... أنا عندي ٣٧ سنة"، "أضحك ولا الضحك ممنوع"، "هل شباب ثورة 1919 لا يزالوا يهتفون الثورة مستمرّة"، "لية بقينا نخاف لما نتكلّم في السياسة؟".

14 مشهداً تركّز في معظمها على الصراع ضدّ الاستبداد والسيطرة اللذين يعاني منهما الجيل سواء أكان من الأسرة أم المجتمع وحتّى من السلطة السياسيّة. وفي أكثر المشاهد تأثيراً يخرج أحد الشباب الذي يعمل مندوب مبيعات يحمل بضائع لا قيمة لها كمعجون الأسنان ويحاول ترويجها بطرق مختلفة يتظاهر خلالها بالدعابة والابتسامة، لكنّه يخفي معاناة وقهر المجتمع له، قائلاً: "العمر بيخلص، والحيل بيتهد، والسنين بتجري بجبن وخبث وسرقة، أنا ماشي في طريق مقفول من كلّ مكان، وكلّ ما أسرع ألاقينى ماشي فى الطريق بالعكس".

تحدّي حريّة المرأة واستقلالها كان حاضراً بقوّة في العرض المسرحيّ، بعيداً عن مشكلة العنوسة ونظرة المجتمع للفتاة التي تجاوزت العقد الـ25 من عمرها من دون زواج. وانتقدت المسرحيّة أيضاً تحكّم الأسرة في الفتاة، وهو المشهد الذي تلخّصه إحدى الممثّلات في العرض قائلة: "كلّ يوم أغلق باب غرفتي، هربانة من عيون الناس وكلامهم، لكنّ الباب مبيمنعش الكلام ولا يمنع عيونهم".

رغم الواقع الكئيب الذي يعكس حياة جيل الثمانينيّات في مصر، إلاّ أنّ العرض استطاع معالجة مشاكل الجيل بصورة فنيّة خلقت طاقة إيجابيّة لدى الجمهور، الذي كان يهتف خلال العروض "الثورة مستمرّة"، "مكمّلين".

من جهته، قال الممثّل في العرض المسرحيّ مصطفى محمّد في حديث لـ"المونيتور": "الطاقة الرئيسيّة وراء إنجاح العرض هي جمهور المسرحيّة من الشباب الذين يرون في كلّ مشهد محاكاة لتجاربهم ومواقفهم على المستويات السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة".

وأشار إلى أنّ "المسرح باع التذاكر كافّة في كلّ عروض الموسم الحاليّ منذ بداية أيلول/سبتمبر"، وقال: "إنّ سعادة الجمهور، الذي يصطف أمام شبّاك تذاكر مسرح قديم ومتهالك المقاعد، أثارت لدينا حلماً قويّاً بأن تكون 1980 وأنت طالع من المسرحيّات الباقية في ذاكرة الجيل".

أضاف: "هناك تفاعل دائم بيننا وبين الجمهور من خلال وسائل التواصل الاجتماعيّ، فمشاهد الأسئلة أغلبها كانت من رسائل الجمهور. وكذلك، فإنّ أغاني وموسيقى الثمانينيّات التي نعرضها كحالة نوستالجيا الجيل، أغلبها من اقتراحات الجمهور.

"هنكمل ولا هنرجع" السؤال الذي يعرضه المشهد الأخير في المسرحيّة، حيث يظهر الممثّلون في حيرة بين قرار استكمال رحلة وسط الضباب والغيوم أو العودة، وهو ما يعتبر إسقاطاً مباشراً لحال الشباب بعد إخفاق ثورة كانون الثاني/يناير من عام 2011 في تحقيق أهدافها بالحريّة والعيش والكرامة الإنسانيّة بعد مرور 7 سنوات، إذ لا يزال الشباب في حيرة بين الاستمرار في الاشتباك مع التحدّيات القائمة ومواجهتها واستكمال طريق التغيير أو الهروب والاستسلام للواقع، لينتهي العرض بحسم الموقف بالإصرار على استكمال الرحلة على أنغام أغنية فريق كايروكي الشهيرة "مكمّلين".

نجاح العرض المسرحيّ "1980 وأنت طالع" قد يكون بداية لمسرح شبابيّ مستقلّ، كمنبر جديد يرصد الواقع ويتعامل مع المشاكل والتحدّيات على الساحة الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة في مصر، وسط التحدّيات التي تواجهها منابر الرأي العام في مصر سواء أكان في الإعلام أم وسائل التواصل الاجتماعيّ.

وجد في : freedom of expression, egyptian revolution, egyptian youth, actor, egyptian society, youth, january 25 revolution, youth in politics, theater
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X