Russia / Mideast

روسيا والولايات المتحدة تسعيان للحفاظ على الاتصالات بينهما في الملف السوري رغم العقوبات

p
بقلم
بإختصار
سوف يحاول المسؤولون الأميركيون والروس الحفاظ على الاتصالات بينهم حول المواقع الساخنة في العالم ضمن الحدود التي تفرضها العقوبات الأميركية على الكرملين.

موسكو – في الأسابيع الأخيرة، منذ قيام مجلس النواب الأميركي بإقرار عقوبات جديدة على روسيا – أُقِرَّت لاحقاً في مجلس الشيوخ ووقّع عليها الرئيس دونالد ترامب (ولو على مضض كما يبدو) – تشعر موسكو بالتوتر. لقد أجرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الأميركي ريكس تيلرسون مكالمتَين هاتفيتين في غضون سبعة أيام – الأولى إبان القرار الذي اتخذته روسيا بطرد الديبلوماسيين الأميركيين وتعليق استخدام عقارَين تابعَين للسفارة الأميركية في موسكو، والثانية قبل يومَين من اللقاء وجهاً لوجه بين وزيرَي الخارجية على هامش الاجتماع الوزاري لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في مانيلا، عاصمة الفيليبين. في المكالمة الأخيرة، طغى الملف الكوري الشمالي على الحديث مع تحويل الفريقَين تركيزهما من المشكلات الثنائية إلى التحدّيات الدولية الملحّة.

في مستهل الاجتماع الذي انعقد لمدة ساعة تقريباً بين لافروف وتيلرسون في 6 آب/أغسطس الجاري في مانيلا، أبدى تيلرسون "اهتمامه بتفاصيل القرار [حول طرد الديبلوماسيين الأميركيين] الذي اتخذناه رداً على قانون العقوبات على روسيا. ... انتظرنا وقتاً طويلاً، وتوقّعنا ألا تعتمد الولايات المتحدة المسار الصِدامي. لكن لسوء الحظ، طغى التحيّز ورهاب الروس لدى أعضاء الكونغرس"، كما جاء على لسان لافروف. في خطوة لافتة، أكّد لافروف من جديد التزام روسيا، على الرغم من العقوبات، باتفاقات بوتين-ترامب في هامبورغ "من أجل إطلاق التعاون في مجال الأمن السبراني ومجهود مشترك ضد الجرائم الإلكترونية، ومنعها". كذلك تتطلع وزارة الخارجية الروسية إلى التواصل مع وزارة الخارجية الأميركية حول المشكلة الكورية الشمالية، مشيرةً إلى أن هذه الاتصالات "ستكون مفيدة". تتوقّع موسكو أيضاً أن يجتمع كورت فولكر، المبعوث الأميركي لدى أوكرانيا، بنظيره الروسي فلاديسلاف سوركوف "في وقت قريب جداً". ويبدو أيضاً أن الديبلوماسية الروسية تعقد آمالاً خاصة على آلية ريابكوف-شانون كقناة تواصل أساسية (حول الأزمات) في إطار العلاقات الثنائية، حيث يتواصل وكيل وزارة الخارجية الأميركية توماس شانون مع نظيره الروسي سيرغي ريابكوف.

خُصِّص جزء كبير من المكالمة بين تيلرسون ولافروف للحديث عن ثلاث مسائل ذات تأثير في أمن الشرق الأوسط: الوضع في أفغانستان، والخلافات بين دول الخليج، والأوضاع الراهنة في سوريا. لقد شدّد لافروف على أن "الاتصالات بين الروس والأميركيين سوف تستمر في البناء على الاتفاقات التي جرى التوصل إليها بين روسيا والولايات المتحدة والأردن حول إنشاء منطقة لوقف التصعيد في جنوب سوريا. نتوقّع أن تتواصل اتصالاتنا مع الولايات المتحدة حول جوانب أخرى من التسوية السورية – عسكرية وسياسية على السواء. في الجوهر، لم تتوقّف هذه الاتصالات مطلقاً".

موضوع مناطق وقف التصعيد تطرّقَ إليه أيضاً لافروف في اجتماعه مع وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو على هامش مؤتمر "آسيان"، والذي تبادلا خلاله الآراء حول سير العمل في تطبيق اتفاقات الأستانة والاجتماع الذي سينعقد في 8 و9 آب/أغسطس الجاري بين ممثّلي روسيا وتركيا وإيران في طهران. يُعتقَد أن جدول أعمال الاجتماع سوف يتمحور حول "ترسيخ مناطق وقف التصعيد في سوريا". بعد إنشاء مناطق وقف التصعيد الثلاث في جنوب غرب سوريا والغوطة الشرقية وشمال حمص، "يعمل الأفرقاء على إقامة المنطقة الرابعة في إدلب، وهي الأكبر والأكثر تعقيداً"، بحسب لافروف.

لدى سؤال لافروف إذا كانت موسكو قلقة لأن المقاتلين الذين رفضوا توقيع اتفاق وقف إطلاق النار توجّهوا إلى إدلب، قال عن منطقة وقف التصعيد الرابعة: "إنشاء هذه المنطقة هو بالفعل الأصعب على الإطلاق بين جميع المناطق التي جرى الاتفاق عليها بين روسيا وتركيا وإيران. نتوصّل إلى الاعتقاد بأن الـ’ترويكا‘، وجميع الأفرقاء الآخرين، ومن بينهم ربما الولايات المتحدة، يمارسون تأثيراً، في المجموع، على مختلف الجماعات المتشدّدة والمسلّحة، ما عدا الإرهابيين الذين لن يكونوا على الإطاق جزءاً من هذه الاتفاقات. إذا استعملت روسيا وتركيا وإيران، وكذلك التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، نفوذها بصورة متزامنة للضغط على الأفرقاء الذين يتقاتلون على الأرض، يمكن التوصّل إلى بعض المقترحات المستندة إلى تسويات والتي من شأنها أن تساهم في التوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار وفي توليد ظروف مؤاتية للعملية السياسية".

 من أبرز الاستنتاجات التي خرجت بها موسكو من هذه الاجتماعات – لا سيما الاجتماع مع تيلرسون – ما أسماه لافروف "جهوزية زملائنا الأميركيين لمواصلة الحوار. ليس هناك ببساطة بديل عنه". بعد الخطاب الحاد النبرة والمساعي العلنية على امتداد أسبوعَين، كان مهماً بالنسبة إلى الروس، وربما أيضاً الأميركيين، أن يعاينوا عن كثب إلى أين سيصل الفريق الآخر في "إجراءاته المضادّة". وقد تكوّن لدى الروس انطباعٌ بأن الاتصالات القائمة، لا سيما حول الملف السوري، سوف تستمر على الأرجح.

آلية العمل – حيث تترك روسيا والولايات المتحدة، عمداً، الخلافات المنهجية بينهما خارج المعادلة، فكلتاهما تدركان أنها لن تُسوَّى في القريب العاجل فيما تواصلان مشاحناتهما في إطار "حرب المعلومات" المضنية، إنما أيضاً الاتصالات التي تعود بالنفع على الطرفَين في الملف السوري – قد تحمل مزيداً من الثمار في نهاية المطاف. يجب أن تؤمّن على الأقل نتائج أكبر من التطلعات إلى "ترميم كبير" للعلاقة، ناهيك عن "صفقة كبرى" بين موسكو وواشنطن. في روسيا، بات جميع المعنيين تقريباً بصنع السياسات يدركون أن مثل هذه الصفقة مستحيلة ببساطة، بسبب "الهستيريا التصاعدية في واشنطن" – بحسب ما جاء على لسان أحد مستشاري الكرملين – و"المزاج النخبوي" في التعاطي مع روسيا – في أوساط الديمقراطيين والجمهوريين على السواء.

لم تعد موسكو تتوقّع من ترامب تحقيق إنجاز كبير – هذا إذا كانت لديها في الأصل مثل هذه التوقعات – ما قد يتيح، لسخرية القدر، مجالاً أكبر لتعاون محدّد الأهداف في حفنة من الشؤون الأمنية الدولية التي تعني روسيا وأميركا على السواء. بالنسبة إلى الروس، سيكون ذلك تجسيداً للتعاون الذي يسعون إليه مع الولايات المتحدة. أما إدارة ترامب فقد تجد في الأمر فرصةً لتحويل العلاقات الأميركية مع روسيا إلى شكل من أشكال صيغةٍ أكثر استهدافية قوامها قناة اتصال بين رجلَين وتعمل على معالجة مسائل محدّدة (مثل آلية ريابكوف-شانون أو مجموعة الاتصال فولكر-سوركوف) أو تقوم بعمل أكثر سرّية على غرار ما يفعله الروس والأميركيون في العاصمة الأردنية، عمان. على الرغم من الفضيحة الروسية وكل ما يحيط بها في واشنطن، يُعتقَد أن كل هذه الصيَغ هي بمنأى عن أي "صِدام" – أقلّه في الوقت الراهن – وهذا أمرٌ ملائم من أجل نجاح التسوية التي تسعى هذه الصيَغ إلى التوصل إليها بغية معالجة النزاعات الدائرة.

لكن، وكما كتبت الزميلة في موقع "المونيتور"، لورا روزن، تُكبّل العقوبات الجديدة يدَي الإدارة الأميركية في موضوع التعاون مع روسيا. يجب أن يتنبّه المعنيون في موسكو لهذا الأمر، وهم متنبّهون له. ويعني ذلك أيضاً أن أي اتصال أو محاولة لإطلاق مبادرة مشتركة مع الروس ستكون موضع رصدٍ شديد من الأشخاص الذين لا يثقون بترامب، مع ما يمكن أن تتسبّب به التسريبات الصحافية المحتملة من مشكلات. لكن إذا نجحت الدولتان في إنهاء المأزق الذي تتخبط فيه النزاعات الإقليمية وسط التوتر في العلاقات الثنائية بينهما، بعد فشل كل الخيارات السابقة تقريباً، فسوف يُنظَر إلى الكرملين والبيت الأبيض بأنهما كانا على صواب باتّباع هذه المقاربة. إلا أنه يجب أن يدرك كلاهما أن التشاؤم أفضل من التفاؤل عند تقويم آفاق التقدم في هذه المقاربة في ظل الظروف الراهنة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : دونالد ترامب
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept