نبض العراق

الصابئة المندائيّون صامدون في بيئة تنبذ معتقدهم

p
بقلم
بإختصار
ما زال الصابئة المندائيّون يقيمون احتفالاتهم الدينيّة في العراق، رغم معاناتهم من إجراءات تشعرهم بأنّهم مواطنون من الدرجة الثانية، الأمر الذي يعجّل في هجرتهم وتناقص أعدادهم.

بغداد - كشف الزعيم الدينيّ لطائفة الصابئة المندائيّين في محافظة البصرة مازن نايف بـ23 تمّوز/يوليو من عام 2017 عن منع السلطات الطائفة من بناء موقع لممارسة الطقوس الدينيّة، رغم ملكيّتها للأرض وفقاً للقانون، الأمر الذي يثير مخاوف من ازدياد تهميش الطائفة وثقافتها، والذي تجلّى أيضاً في 9 نيسان/إبريل من عام 2017 بمنع سلطات الجمارك في منفذ الشلامجة الحدوديّ من إدخال نسخ من الكتاب المقدّس (كنزا ربا)، الذي يعدّ مصدر التشريع والوصايا والتعاليم لدى أتباع هذه الديانة، إلى داخل البلاد.

وكجزء من حملة ضدّ المندائيّين، انتشرت فيديوهات وأنباء عن استخدامهم السحر والشعوذة في تسهيل أمور حياتهم، الأمر الذي دفع برئيس طائفة الصابئة المندائيّة في العراق الشيخ ستّار الحلو في 16 آب/أغسطس من عام 2017، إلى نفي علاقة أبناء طائفته بالسحر والمشعوذين.

في السياق ذاته، قال صابئيّ مندائيّ لـ"المونيتور"، فضّل عدم الكشف عن اسمه، في الديوانيّة جنوبيّ العراق، حيث بقيت في المدينة أعداد محدودة من الأسر المندائيّة بسبب الهجرة المستمرّة إلى خارج العراق: "إنّ أفراد الطائفة لا يجهرون بطقوسهم الدينيّة ويضطرّون إلى ممارستها في أماكن مغلقة خاصّة بهم". وأشار إلى أنّهم أيضاً "يجدون أنفسهم في الوقت نفسه مجبرين على مشاركة المسلمين في طقوسهم، رغبة منهم في تجنّب سوء الفهم".

وأكّد الكاتب والأكاديميّ نزار ياسر الحيدر المقيم في الولايات المتّحدة الأميركيّة، وهو صابئيّ مندائيّ، لـ"المونيتور" أنّ "هناك أجندة تقودها أحزاب وجماعات دينيّة لتهجير الأقليّات بهدف تحويل العراق إلى دولة إسلاميّة خالصة".

وإنّ إجراءات كهذه بحقّ الطائفة التي تعدّ أقدم ديانة موحّدة عرفتها البشريّة ونشأت في أرض وادي الرافدين، وتحديداً في مدينة أور والمناطق السهليّة القريبة من الأهوار، تمنح بحسب نزار ياسر الحيدر "الشعور بالتهميش والاضطهاد على أساس المعتقد، وتدفع بالصابئيّ العراقيّ إلى الشعور بأنّه مواطن من الدرجة الثانية".

ورأى أنّ هذه "الإجراءات هي تجاوز على الدستور العراقيّ الذي يكفل حريّة المعتقد ويحمي الأقليّات الدينيّة ويتيح لها ممارسة شعائرها الدينيّة". وعن الجهات التي تدفع باتّجاه تهجير الصابئة، قال: "إنّ البيئة المتطرّفة ثقافيّاً وعقائديّاً تدفع بالأقليّات إلى الهجرة. كما أنّ هناك جماعات مسلّحة تمارس سياسة تهجير الأقليّات للاستيلاء على ممتلكاتها".

وإنّ استنتاج الحيدر تؤطّره حقيقة أنّ أعداد أفراد الطائفة الصابئة المندائيّين مستمرّة في الانخفاض، ووصلت اليوم إلى أقلّ من 10 آلاف، بعد اضطرار غالبيّتهم العظمى للهجرة إلى خارج العراق بسبب تعرّضها للقتل والتهجير والخطف، فيما كانت أعدادهم قبل عام 2003 تقدّر بحوالى 70 ألفاً.

وأدّت هذه الهجرة المضطّردة إلى زيادة أعدادهم خارج البلاد، حيث يتواجد حوالى 35 ألفاً منهم في أستراليا والولايات المتّحدة الأميركيّة وأوروبا، ويشرف عليهم اتّحاد الجمعيّات المندائيّة في المهجر.

وفي هذا السياق، قال الأكاديميّ المندائيّ رياض بنكاني، الذي اضطرّ للهجرة إلى كندا حيث يقيم اليوم، في اتّصال مع "المونيتور": "إنّ أهمّ التحدّيات التي تواجه المندائيّين هي الفوضى الأمنيّة التي يستغلّها بعض المتطرّفين لتهديد الصابئة بترك معتقدهم الذي يؤمنون به، وهو معتقد مسالم يسعى إلى التعايش. كما أنّه ليس تبشيريّاً، ولا يجبر الناس على اعتناقه".

ورأى أنّ "غياب النظام يجعل من تطبيق القوانين التي تحمي الأقليّات، أمراً صعباً، ومن ذلك القانون رقم (58) لسنة 2012 الخاص برعاية شؤون العبادة وحماية الأماكن المقدّسة ورجال الدين والمعاهد والمؤسّسات الدينيّة".

وأتاح الدستور تأسيس "ديوان أوقاف الديانات المسيحيّة والإيزيديّة والصابئة المندائيّة" في عام 2003 لتقديم الخدمات إلى أبناء الأقليّات الدينيّة واستثمار أموال الأوقاف المشمولة بأحكام هذا القانون.

إنّ نائباً واحداً يمثّل الصابئة المندائيّين في مجلس النوّاب، ولهم مقعد واحد في مجلس محافظة بغداد. وقال ممثلهم في مجلس النوّاب النائب حارث الحارثي في 4 آب/أغسطس من عام 2017: "هناك مضايقات وشخصيّات تضغط على الصابئة لترك العراق".

من جهته، قال الإعلاميّ العراقيّ المتخصّص في الدفاع عن حقوق الأقليّات علاء الحميدي لـ"المونيتور": "لم يبق في كلّ محافظة عراقيّة، إلاّ عشرات من أفراد الطائفة". أضاف: "إحدى المعضلات اليوميّة التي يواجهها أبناء الأقليّات الدينيّة، لا سيّما الصابئة، هي قانون البطاقة الوطنيّة الموحّدة، الذي يميّز بين العراقيّين على أساس الدين والمعتقد".

وأشار إلى أنّ "المادّة 26 من قانون البطاقة الموحّدة تشجّع على أسلمة القاصرين من أفراد الأقليّات لدى تحوّل أحد الوالدين إلى الإسلام، الأمر الذي يشكّل تهديداً للحريّات الدينيّة". ولفت إلى أنّ "في كلّ أنحاء العراق لا توجد مدرسة واحدة خاصّة بتعليم أجيال المندائيّين".

ولأنّ الصابئة المندائيّة ديانة غير تبشيريّة، ولا تؤمن بدخول أحد إليها، وتحرم الزواج من خارج الديانة، فإنّ ذلك ساهم أيضاً في تقليص أعداد أبنائها. كما ساهمت في انحسار وجودهم وسائل الترهيب التي يستخدمها المتطرّفون لإكراه أفراد الطائفة على ترك ديانتهم والانضواء تحت لواء ديانة أخرى.

وقال سليم خميسي (70 سنة)، وهو صابئيّ يعمل في تجارة الذهب بمحافظة بابل، التي لم يتبق فيها إلاّ العشرات من المندائيّين، لـ"المونيتور": "إنّ الشعور بالخوف بسبب عدم الاستقرار الأمنيّ وازدياد التجاذب الطائفيّ في العراق جعلنا نمارس طقوسنا الدينيّة مثل الصلاة والصوم والتعميد في أماكن معزولة نسبيّاً، وبعيداً عن الأنظار".

وأشار إلى أنّ "مطالب أبناء الطائفة بالحصول على أرض لتأسيس مقبرة مندائيّة، ذهبت أدراج الرياح". ومنذ نهاية القرن العشرين، شرعت هجرة عشوائيّة للطائفة المندائيّة، واستمرّت إلى يومنا هذا، الأمر الذي أدّى إلى استقرار أبناء الطائفة في أكثر من 20 دولة حول العالم.​

وأخيراً، قبل تفعيل القوانين وتلبية حاجات أبناء الطائفة الماديّة، ثمّة ضرورة لا بدّ منها لتعميم ثقافة التسامح واحترام المعتقدات الأخرى وعدم التعصّب الفكريّ والمذهبيّ، ومناهضة التمييز على أساس دينيّ. 

عدنان أبو زيد مؤلف وصحافي عراقي. وهو حاصل على درجة في الهندسة التكنولوجية من العراق وعلى شهادة البكالوريوس في تقنيات وسائل الإعلام من هولندا.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X