لماذا اختارت موسكو الحياد في النزاع السعودي القطري؟

p
بقلم
بإختصار
يبدو أن روسيا قد قامت بخطوة استراتيجية بعرضها أن تكون الوسيط في الأزمة الخليجية. فبذلك تحافظ موسكو على علاقات جيدة مع كلّ من طرفي النزاع.

ومن الواضح أن روسيا تريد أن تبقى محايدة فى الصراع بين دول مجلس التعاون الخليجي كما بيّنت زيارة وزير الخارجية سيرجي لافروف التي ستستمرّ لثلاثة أيام هذا الأسبوع إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر.

ولم يزر لافروف الدول التي تمثل كلا طرفي النزاع فحسب، بل توجّه أيضًا إلى الكويت للتعبير عن دعم روسيا لجهود الكويت كوسيط بين الدول المتنازعة. فلم تكن بداية التوترات الحالية بين قطر والمملكة العربية السعودية مفاجأة سارّة لروسيا.

وفي حين لم يكن لدى موسكو أي أوهام بشأن الاحتكاك السياسي بين دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها لم تكن تتوقع أن يؤدي هذا الاحتكاك بالقيادات الملكية العربية للوصول إلى هذه الأزمة العميقة. في ظل هذه الظروف، قرّر الكرملين البقاء محايدًا وتقديم خدماته كوسيطٍ. فأخذ موقف مع أحد الجانبين ضد الآخر سيضرّ بعلاقات روسيا وهي ترغب بالحفاظ على علاقات جيدة مع كافة أعضاء المجلس.

لدى روسيا أسباب واضحة للحفاظ على علاقات جيدة مع السعودية التي قال لافروف أنه سيزورها في مطلع شهر أيلول/ سبتمبر الجاري. مما لا شكّ فيه أنّ هذه الأسباب مبنية على قواعد ومسائل اقتصادية.

وتحاول كل من موسكو والرياض تحقيق استقرار في الأسعار فى سوق النفط. وفي شهر أبريل / نيسان الماضي، قالت رئيسة المجلس الأعلى للبرلمان الروسي فالنتينا ماتفينكو، إن موسكو والرياض تخططان بحلول بداية عام 2018 لتنفيذ العديد من المشاريع المهمة التي تبلغ تكلفتها 3 مليارات دولار.

وفي تموز / يوليو الماضي أكد وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك أن موسكو لا تزال تسعى لإنشاء مشاريع النفط والغاز المشتركة مع السعوديين.

هذا بالإضافة إلى أنّ روسيا تشجع إنشاء مراكز علمية مشتركة تعمل على التكنولوجيات الجديدة في مجال الحفر وخدمات النفط ونقل النفط.

ومن ناحية أخرى، تسعى روسيا أيًضا إلى فتح السوق السعودية لشركات الحفر والخدمات النفطية الروسية. فضلاً عن ذلك، يأمل الكرملين في بيع أسلحة ومعدات عسكرية للرياض.

وتدرك روسيا جيدًا النفوذ السياسي للمملكة العربية السعودية في المنطقة والعالم الإسلامي، وهي تسعى للتوصل إلى حلول مشتركة مع السعوديين بشأن الوضع في سوريا.

ونظرًا لكلّ هذه الوقائع تسعى روسيا إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع السعودية ولكن من دون الوقوف في صفّها في الصراع ضد قطر.

من عام 2009 إلى عام 2015، لم تكن العلاقات الروسية مع قطر سهلة. على مدى ست سنوات تقريبًا، كانت قطر "الطفل المزعج" في الشرق الأوسط لروسيا. فالدوحة انتقدت موسكو بشدة لدعمها الرئيس السوري بشار الأسد. 

ووصفت القنوات التلفزيونية القطرية بوتين بـ"دكتاتور القرن الحادي والعشرين" بل وصفت روسيا بأنها العدو الرئيسي للعالم الإسلامي. في عام 2012، تعرض السفير الروسي في قطر فلاديمير تيتورينكو للاعتداء في مطار الدوحة.

هذا بالإضافة إلى أن الدوحة قامت بتحدي جهود موسكو للسيطرة على منتدى الدول المصدّرة للغاز. 

على مدى ست سنوات تقريبًا، كانت قطر "الطفل المزعج" في الشرق الأوسط لروسيا

لذلك كان من غير المتوقع والمستغرب رؤية موسكو مستعدّة لمساعدة الدوحة على التقليل من الآثار السلبية لصراعها مع الدول العربية الأخرى.

وفي 9 يونيو / حزيران الماضي، بعد وقت قصير من بدء المحاولات السعودية لعزل قطر، رحبت روسيا بوزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في موسكو، الذي شكر الكرملين على استعدادها للمساعدة.

وعلاوة على ذلك، قبل يومين فقط من تلك الزيارة، ناقش المسؤولون الروس آفاق التعاون في مجال النفط والغاز مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ووزير النفط السعودي خالد الفالح. إن الخطوات الروسية كانت مدروسة بمنطق.

أولًا وقبل كل شيء، وبعد سنوات من العلاقات المعقّدة مع قطر، أدركت روسيا أن حجم البلاد ليس بالضرورة ذات الصلة لنفوذها في الشرق الأوسط.

فكان من المنطقي تمامًا إقامة علاقات وديّة مع قطر "الصغيرة"، التي لها تأثير كبير على الساحة السياسية وفي وسائل الإعلام (لا يملك السعوديون ولا حلفاؤهم أي وسيلة إعلامية تضاهي حجم الجزيرة).

كما تُعد قطر مصدرًا رئيسيًا للغاز الطبيعي المسال، وهي سوق متخصصة ترغب روسيا في المشاركة فيها.

ومنذ عام 2015، تحاول روسيا تحسين علاقاتها مع الدوحة. في أواخر عام 2013، قررت عدم المطالبة باعتذار من القيادة القطرية للهجوم على السفير الروسي في مطار الدوحة، وعينت نورموهماد خولوف بديلا عنه. وفي عام 2016، اشترت قطر حصة في شركة "روزنيفت" الروسية للنفط والغاز.

وفي ظل هذه الظروف، أتاح الصراع السعودي القطري لموسكو فرصًا جديدة لتحسين العلاقات مع الدوحة. وقد رحب المسؤولون الروس بحاكم قطر خلال زيارته في شهر حزيران/ يونيو الماضي وكان ذلك رسالة إلى الدوحة بأن روسيا دولة صديقة.

وبطبيعة الحال، فإن الوعد بالمساعدة كان شكليًا. كانت موسكو تعي أن السلطات القطرية لن تقبل العرض، لكنها كانت بادرة سياسية إيجابية من المحتمل أن تتذكرها الدوحة لفترة طويلة.

كما أثّر التعاون الاقتصادي الإيجابي الروسي مع قطر في حياد موسكو في النزاع، ورغم الاضطراب الدوري في العلاقات السياسية، فقد أقامت روسيا وقطر حوارًا اقتصاديًا مستدامًا.

من هذا المنطلق، فإنّ الرياض لا تتجاوب جيدًا على هذا المستوى. ذلك أن السعوديين أغرقوا موسكو بوعود بالاستثمارات الضخمة في الاقتصاد الروسي، ولكنهم لا ينفذون هذه الوعود أبدًا. وعلى العكس من ذلك، فإن الدوحة هي أحد أكبر مستثمري دول المنطقة في الاقتصاد الروسي.

فبحلول عام 2017، بلغ حجم الاستثمارات السعودية في روسيا 600 مليون دولار مقابل 2.5 مليار دولار قيمة الاستثمارات القطرية. وكان اختيار القطريين للمشاريع الاستثمارية مهما أيضًا. وبصرف النظر عن شركة "روزنيفت" النفطية، في عام 2013 اشترت قطر أسهمًا في البنك الروسي الرائد VTB. وبعد ثلاث سنوات، استثمرت في مطار "بولكوفو" في "سانت بطرسبرغ"، مسقط رأس بوتين. وأثناء إعداد هذه الصفقات، تعرف القطريون على الشخصيات المؤثرة في مجال الأعمال والسياسة الروسية.

من جهتها، أخذت الولايات المتحدة في الاعتبار أيضًا قرار موسكو بعدم الانضمام إلى التحالف المناهض للقطر أو الوقوف ضد السعودية. ومع استمرار التوترات بين موسكو وواشنطن، يريد الكرملين تذكير الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بأن روسيا لاعب هام ولا ينبغي تجاهل آرائه.

وبعرضها للوساطة، توضح موسكو أهميتها كدولة يمكن أن تتواصل مع أي من طرفي الصراع، بدلًا من الولايات المتحدة، التي قامت بانتقاد الجانبين بشكلٍ قاسٍ.

ومع أن روسيا أعلنت رسميًا استعدادها للوساطة، غير أنها تفضل عدم تولّي هذا الأمر. وبحسب بعض الدبلوماسيين الروس، فإن موسكو لن تنضم إلى عملية التسوية إلا إذا طلبت الأطراف المعنية مباشرة ذلك.

تبدو والدوافع الروسية لإتاحة الفرصة للآخرين للتوسط واضحة تمامًا: فأي محاولة فاشلة لتسوية الصراع قد تُضر بصورة روسيا كوسيط، كما إن فرص الفشل مرتفعة في التوصل إلى حلّ. بالإضافة إلى ذلك، روسيا ليست في عجلة من أمرها لتسوية الأزمة بين قطر والسعودية، فموسكو نجحت في تحقيق قدر من التوازن بين الدوحة والرياض. وفي الوقت ذاته، تحوّل الأزمة انتباه السعوديين والقطريين عن سوريا وتجعلهم أقل اهتمامًا بالتدخل المباشر في الشؤون السورية. وفي النهاية، ترى روسيا في الرياض والدوحة لاعبين معارضين لها في سوريا، لذا سيمنح هذا الحياد موسكو حرية للتصرف بشكلٍ أكبر في سوريا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

Nikolay Kozhanov is academy associate at the Russia and Eurasia Program, Chatham House, and a visiting lecturer on the political economy of the Middle East at the European University, St. Petersburg. He served as an attaché at the political section of the Russian Embassy in Tehran from 2006 to 2009. After leaving the Russian Ministry of Foreign Affairs, Kozhanov became an independent political analyst and researcher, including as a visiting fellow at the Washington Institute for Near East Policy and the Carnegie Moscow Center. On Twitter: @KozhanovNikolay

x
keyboard_arrow_up

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept