نبض فلسطين

حماس ترى تقاربها مع روسيا ثغرة في الحصار الدوليّ عليها

p
بقلم
بإختصار
في تصريح غير معهود، أعلن السفير الروسيّ في إيران لوان جاغاريان أنّ بلاده لا تعتبر حماس حركة إرهابيّة، بل جزءاً من الشعب الفلسطينيّ، وتتحاور معها. هذا الموقف الروسيّ يختلف عن الموقف الأميركيّ والغربيّ، ممّا قد يدفع حماس إلى محاولة استغلال هذه الفروق بين الدول الكبرى لتحافظ على حضورها الإقليميّ والدوليّ... السطور التالية تحاول مناقشة هذا التطوّر في علاقات حماس وروسيا، ولماذا تمّ الإعلان عن التصريح المفاجئ، وهل يشكّل ذلك ثغرة لحماس في جدار الحصار الإقليميّ والدوليّ المفروض عليها.

أعلن السفير الروسيّ في إيران لوان جاغاريان في 1 آب/أغسطس أنّ حماس هي أحد الممثّلين الرئيسيّين للشعب الفلسطينيّ، وهي حركة وطنيّة، وموسكو لا تعدّها إرهابيّة.

جاءت تصريحات جاغاريان خلال لقائه ممثّل حماس في إيران خالد القدّومي، الذي شدّد على دور روسيا المحوريّ لدعم الشعب الفلسطينيّ.

وقال القدّومي لـ"المونيتور" إنّ "العلاقات الدوليّة عمليّة تراكميّة، وعلاقة حماس بروسيا أكبر من تصريح هنا وهناك، فتاريخ علاقتهما السياسيّة تدشّن رسميّاً في آذار/مارس 2006 لدى زيارة قيادة حماس إلى موسكو، عقب فوزها في الانتخابات التشريعيّة الفلسطينيّة في كانون الثاني/يناير 2006، حيث شكّلت اختراقاً سياسيّاً في جدار علاقاتها الدوليّة، لأنّ روسيا أحد أطراف الرباعيّة الدوليّة، واستتبع باللقاء التاريخيّ الذي جمع رئيس المكتب السياسيّ السابق لحماس خالد مشعل برئيس الوزراء الروسيّ دميتري مدفيديف في سوريا في أيّار/مايو 2010، إضافة إلى اللقاءات المتعدّدة لمندوبي الرئاسة الروسيّة ورئاسة الحكومة الروسيّة ومسؤولي ملفّ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجيّة الروسيّة، مع القيادة السياسيّة لحماس في بعض العواصم العربيّة".

لم يفصّل القدّومي مواعيد اللقاءات بين مندوبي حماس وروسيا في العواصم العربيّة، لكنّ مشعل التقى في آب/أغسطس 2015 وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف في قطر، وفي آب/أغسطس 2016، التقى الممثّل الشخصيّ للرئيس الروسيّ في الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف مع مشعل في الدوحة، ووصل وفد من حماس إلى موسكو في كانون الثاني/يناير 2017، حيث التقى وزير الخارجيّة سيرغي لافروف.

قال المستشار الدبلوماسيّ في وزارة الخارجيّة الفلسطينيّة في غزّة تيسير محسين لـ"المونيتور" إنّ "تقارب روسيا مع حماس يظهر حاجة الأخيرة إلى موسكو، كونها عاصمة عظمى على مستوى العالم، لصدّ الهجمة الشرسة التي تواجهها من الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل، فيما ترى روسيا في حماس جهة مؤثّرة في القضيّة الفلسطينيّة، كما أنّ الرئيس فلاديمير بوتين يرغب كما يبدو استعادة الإمبراطوريّة السوفييتيّة، ويعتقد أنّ القضيّة الفلسطينيّة وحماس هما إحدى بوّابات العودة من جديد إلى الشرق الأوسط، ولذلك لم توافق روسيا على تصنيف حماس بأنّها حركة إرهابيّة، كما عمدت إلى ذلك واشنطن والاتّحاد الأوروبيّ، ممّا يساعد حماس على إيجاد حالة من التوازن في الموقف الدوليّ تجاهها، فلا يتمّ الاستفراد بها من قبل القوى الإقليميّة والدوليّة".

تصريحات السفير الروسيّ في طهران ليست الإشارة الأولى إلى وجود تقارب تدريجيّ بين حماس وموسكو، فقد سبقها ترحيب وزارة الخارجيّة الروسيّة في 18 أيّار/مايو بإصدار حماس وثيقتها السياسيّة الجديدة في أيّار/مايو، كما رحّبت موسكو في التصريح ذاته في 18 أيّار/مايو، بانتخاب اسماعيل هنيّة رئيساً للمكتب السياسيّ لحماس في 6 أيّار/مايو، وبادر الأخير بالاتّصال هاتفيا ببوغدانوف في 19 أيّار/مايو، لبحث علاقات الجانبين، والدور الروسي لتحقيق المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس، والوثيقة السياسية التي أصدرتها حماس.

كما تحدّثت مصادر صحافيّة في 8 تمّوز/يوليو، عن وجود اتّفاق وشيك بين حماس وإسرائيل في شأن صفقة تبادل الأسرى، بوساطة روسيّة ومصريّة.

قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة النجاح الوطنيّة في نابلس في الضفّة الغربيّة عبد الستّار قاسم لـ"المونيتور" إنّ "تقارب حماس وروسيا في الآونة الأخيرة مرتبط برغبة موسكو في العودة إلى المنطقة العربيّة، ووضع موطئ قدم لها في القضيّة الفلسطينيّة، وكسر الاحتكار الأميركيّ لإدارة عمليّة السلام بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، فضلاً عن إدراك روسيا أنّ تطوير علاقتها مع حماس سيعني فتح أبواب باقي الحركات الإسلاميّة في المنطقة، خاصة جماعة الإخوان المسلمين المنتشرة في العديد من دول الشرق الأوسط، لما لحماس من تأثير على تلك التيّارات الإسلاميّة السياسيّة ونفوذ عليها، إلى جانب أنّ تصريحات السفير الروسيّ المشيدة بحماس خرجت من طهران، ممّا يشير إلى توافق روسيّ-إيرانيّ على عودة حماس إلى محور المقاومة الذي تقوده إيران".

وجد التقارب الروسيّ مع حماس تعبيراً جديداً له برفض السفير الروسيّ في تلّ أبيب ألكسندر شين في 15 حزيران/يونيو وصف حماس بالإرهابيّة، معترضاً على مساواة إسرائيل لها بتنظيم الدولة الإسلاميّة، لأنّ القضاء الروسيّ يعرّف المنظّمات الإرهابيّة بأنّها من تنفّذ أعمالاً إرهابيّة في الأراضي الروسيّة، وهذا لا ينطبق على حماس.

هذا الموقف الروسيّ كان له وقع سلبيّ لدى إسرائيل، فقد كتب الكاتب الإسرائيلي أريئيل بولشتاين بصحيفة إسرائيل اليوم، المقرّبة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، في اليوم ذاته في 15 حزيران/يونيو، أنّ إعلان السفير الروسيّ في تلّ أبيب خبر سيّئ لمن يريد تعزيز الاتّصالات مع موسكو، متّهماً إيّاها بانتهاج معايير مزدوجة ليست أخلاقيّة في توصيف الإرهاب.

كما شنّ رئيس الكنيست يولي إدلشتاين هجوماً قويّاً على حماس، بخطابه أمام البرلمان الروسيّ في 28 حزيران/يونيو، واتّهمها بتحمّل مسؤوليّة الأوضاع المأساويّة التي يعيشها سكّان غزّة، وأنّها تستهتر بحياتهم بمقدار استهتارها نفسه بحياة الإسرائيليّين.

قال مساعد وزير الخارجيّة الفلسطينيّ السابق والخبير السياسيّ في الشؤون الروسيّة محمود العجرمي لـ"المونيتور" إنّ "تقارب روسيا الأخير مع حماس ليس منفصلاً عن الحلف القائم مع إيران التي تقود محور المقاومة في المنطقة، وحماس باتت جزءاً منه، ولذلك تسعى موسكو إلى تجميع عدد أكبر من النقاط الإقليميّة في المنطقة لمواجهة الولايات المتّحدة الأميركيّة التي تعيش معها لحظات توتّر شديدة في الآونة الأخيرة، وحماس من جهتها مستفيدة من هذا التقارب، ولأنّ روسيا دولة عظمى، فإنّ الفوائد العائدة على حماس من تقاربها معها تتركّز في المجالات السياسيّة والإعلاميّة، وتوفير مظلّة دبلوماسيّة للحركة".

أخيراً... في ذروة العزلة السياسيّة التي تعيشها حماس، عقب اندلاع أزمة الخليج، ووصف واشنطن لها بالإرهاب، وإبقاء الاتّحاد الأوروبيّ لها على قوائم المنظّمات الإرهابيّة، تعتبر حماس أنّ تقاربها مع روسيا اختراقاً جدّيّاً لها على الصعيد الدوليّ، وقد تعمد إلى تكثيف الاتّصالات معها، وكسبها لصفّها في مواجهة أيّ تصعيد سياسيّ أو عسكريّ ضدّها من إسرائيل.

وكلّ ذلك يتطلّب من حماس حديثاً براغماتيّاً في السياسة الدوليّة تجاه روسيا، باعتبارها من الرباعيّة الدوليّة، للقبول بدولة فلسطينيّة على حدود الـ1967، كي تستطيع روسيا تسويق الحركة إقليميّاً ودوليّاً.

وجد في : terrorist organizations, sergey lavrov, diplomacy, benjamin netanyahu, hamas, gaza strip, european union, is

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X