نبض لبنان

أسئلة لا تزال تحيط في حقيقة موت الموقوفين السوريّين الأربعة لدى الجيش اللبنانيّ

p
بقلم
بإختصار
قام الجيش اللبنانيّ بعمليّة أمنيّة في مخيّم النازحين السوريّين في عرسال، حيث اعتقل المئات، من بينهم 4 انتحاريّين. وتوفي 4 من المعتقلين قبل مرور 48 ساعة على اعتقالهم، الأمر الذي أدّى إلى طرح أسئلة حول الوفاة... القضاء العسكريّ بدأ تحقيقاً في القضيّة خلص فيه إلى أنّ أسباب الوفاة طبيعيّة، في الوقت الذي تشير فيه تقارير المنظّمات الدوليّة لحقوق الإنسان إلى أنّ الوفاة جاءت نتيجة للعنف.

بيروت - تسلّم مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة اللبنانيّة القاضي صقر صقر الإثنين في 24 تمّوز/يوليو تقرير اللجنة الطبيّة التي كلفها القضاء العسكري القيام بالتحقيق بموت اربعة سوريين (مصطفى عبد الكريم العبسي، أنس حسين الحسيكة، خالد حسين مليص، ومهري مليص) بعد ساعات من توقيفهم في مخيم عرسال لنازحين السوريين. جاءت هذه التوقيفات في مداهمات قام بها الجيش اللبنانيّ على مخيم النازحين السوريّين في منطقة عرسال بـ30 حزيران/يونيو الماضي، بعد التأكد من وجود ارهابيين في المخيم. وفي التقرير، قالت اللجنة المؤلّفة من ثلاثة أطبّاء: إنّ الوفاة ليست ناتجة من أعمال عنف، وأنّ سببها ناتج من مشاكل صحيّة مختلفة لكلّ منهم، ما أدى الى موتهم مباشرة بعد الاعتقال بساعات.

وبعد فحوص أجريت على العيّنات التي أخذت من جثث الموقوفين السوريّين الأربعة، تحدّثت خلاصة التقرير عن إصابة أحد الموقوفين بعارض مفاجئ في القلب، ووفاة الثاني نتيجة التهاب رئويّ، ووفاة الثالث نتيجة ما يعرف طبيّاً بصدمة حراريّة، إضافة إلى تعاطيه مادّة مخدّرة. أمّا الرابع فتوفي نتيجة ما يعرف بجيوب هوائيّة.

ويأتي تقرير القضاء العسكريّ اللبنانيّ، بعد سلسلة مطالبات بإجراء تحقيق عن سبب وفاة السوريّين الأربعة، أبرزها كانت مطالبة مجلس الوزراء اللبنانيّ ورئيسه سعد الحريري بإجراء تحقيق دقيق وشفّاف بعد التشكيك بحصول انتهاكات من قبل الجيش اللبنانيّ في مداهماته لمخيّمات النازحين السوريّين في عرسال والتسبّب بموتهم.

لم يكن وقع تقرير اللجنة الطبيّة جيّداً لدى وكيلة الموقوفين الأربعة المحامية ديالا شحادة، التي سبق أن أكّدت أنّ الموقوفين كانوا بصحّة جيّدة قبل اعتقالهم بوقت قصير، كما يقول اقرباؤهم، ثمّ عادوا جثثاً هامدة وبدت عليهم آثار التعذيب واضحة.

فديالا شحادة كانت قد حصلت على موافقة القضاء بأخذ عيّنات من الجثث لفحصها في مستشفى أوتيل ديو ببيروت، قبل أن تصادرها مخابرات الجيش اللبنانيّ، كما روت شحادة واصفة هذه الحادثة في حديث صحافي سابق "بالمعجزة الإلهيّة أن يموت ثلاثة أشخاص أصحّاء بشهادة أسرهم ومعارفهم، من بينهم ممرّض تخدير لا يسكن أصلاً في المخيّمات، في غضون ٤٨ ساعة من توقيفهم احتياطيّاً، أثناء توقيفهم من قبل جهة واحدة، جميعهم لأسباب "طبيعيّة".

كلام شحادة هذا عادت وجدّدته في حديث لـ"المونيتور"، بعد استلام القاضي صقر صقر تقرير اللجنة الطبيّة، قائلة إنّ نقابة المحامين في بيروت منعتها من مناقشة أيّ تفصيل يتعلّق بهذا الملف في الإعلام، رغم أنّ المادّة 39 من نظام آداب المهنة تستثني القضايا الكبرى التي تهمّ المجتمع،

اي القضايا التي تتحول الى قضايا رأي عام كهذه القضية التي خلقت جدلا واسعا في الاوساط السياسية والحقوقية على حد سواء.

ففي الوقت الذي يمنع قرار النقابة من إنارة الرأي العام بتفاصيل القضيّة، تجيز النيابة العامّة العسكريّة لنفسها تسريب مقاطع من تقريرها لوسائل الإعلام، الأمر الذي يؤدّي إلى وقوع الرأي العام بمغالطات كثيرة، وبالتالي منعهم من معرفة حقيقة موت السوريين الاربعة.

وأبرز البيانات الصادرة عن منظّمات حقوقيّة حول هذه القضيّة، هي لمنظّمة العفو الدوليّة و"هيومان رايتس واتش"، فالأخيرة أصدرت تقريراً في 20 تمّوز/يوليو وضعته بصيغة العجلة، وقالت فيه: إنّ خلاصة الأطبّاء الشرعيّين بأنّ وفاة السوريّين الأربعة لدى الجيش اللبنانيّ تترك أسئلة من دون إجابة، خصوصاً أنّ صور الجثث تظهر عليها علامات تتّفق مع التعذيب.

وفي هذا السياق، قال الباحث في مكتب لبنان لمنظّمة "هيومن رايتس واتش" بسّام خواجه لـ"المونيتور" تعليقاً على التقرير المسرّب عن القضاء العسكريّ: "على السلطات اللبنانيّة الإفراج عن التحقيق الكامل للاعلام على اعتبار تحول القضية الى قضية رأي عام. كما عليها تسليم النسخ الكاملة عن التحقيق لعائلات المتوفّين الأربعة. إنّ مراجعة صور هؤلاء المحتجزين تشير إلى أنّ الجثث تحمل إصابات تتطابق مع التعذيب البدنيّ، وأنّ أيّ ادعاء أنّ وفاتهم أتت لأسباب طبيعيّة سيكون غير متناسق مع صور الجثث. إنّ الطريقة الوحيدة للتوصّل إلى حلّ هي بالإفراج عن التحقيق الكامل بسبب وفاة أربعة رجال في غضون أيّام من احتجازهم من قبل الجيش، لأنّ الإفراج عن بيان موجز ليس كافياً. إنّ الشعب اللبنانيّ وأسر الضحايا يستحقّان أن يعرفا القصّة الكاملة لما حدث في هذه القضيّة".

وقالت مصادر عسكرية لبنانيّة لـ"المونيتور" دون الكشف عن هويتها تعليقاً على الجدل الناتج من هذه الحادثة: "إنّ ما حصل في 30 حزيران/يونيو خطير جدّاً. أربعة انتحاريّين وأربع عبوات، الأمر الذي يعني ثمانية تفجيرات محتملة كانت ستقع في أيّ مكان في لبنان، لو لم ينفّذ الجيش عمليّته الوقائيّة. وفي حصيلة العمليّة، أوقف 356 سوريّاً اقتيدوا إلى أحد مباني القاعدة الجويّة في رياق - زحلة للتحقيق معهم. وأجرى طبيب كشفاً صحيّاً عليهم، فتبيّن أنّ من بينهم 15 مريضاً توزّعوا على المستشفيين الحكوميّين في زحلة وبيروت. وفي الأوّل من تمّوز/يوليو توفي أحدهم في مستشفى الحكومي في زحلة ولم يكن التحقيق قد بدأ مع الموقوفين الـ356.

وبعد ظهر اليوم نفسه، توفي ثانٍ، ثمّ ثالث في زحلة ايضا، ولم يكن التحقيق قد بدأ معهما حتّى أو مع سواهما. بعد ذلك، وبسبب اكتظاظهم في مبنى واحد، وُزّع من الموقوفين 165 على ثمانية أماكن من بينها فرعا مديريّة المخابرات في الجنوب والشمال وسواهما. وتوفي الرابع في قسم الطوارئ في المستشفى الحكوميّ في بيروت، فيما توفي الثلاثة الأوّلون في المستشفى الحكومي في زحلة. جرى الكشف الطبيّ على الأربعة المتوفّين بإشراف القضاء، وأتت تقارير الأطبّاء الشرعيّين أنّ أيّاً منهم لم يتعرّض لأيّ تعذيب".

أمام هذه المستجدات يتمسك فريق الدفاع عن الموقوفين المتوفين الأربعة بضرورة وقانونية تسلمه نسخة عن التحقيق الكامل للبناء على الشيء مقتضاه رافضا التراجع عن هذه القضية. في الوقت التي تؤكد المؤسسات الحقوقية استمرارها بالمطالبة لمعرفة حقيقة ظروف موت الموقوفين الأربعة سيما وسط عدم الإفراج عن التحقيق الكامل. وبالتالي لا تزال تطرح علامات الاستفهام حول سبب اخفائه اذا كانت سبب الوفاة حقيقة أتت بظروف طبيعية. من جهتها، قيادة الجيش والقضاء العسكري اكتفوا بتسريب مقتطفات من نتيجة تحقيق اللجنة الطبية. الا ان القضية لا تزال تشغل الأوساط الحقوقية على الأقل كما أنها لا تزال تشغل الرأي العام اللبناني طالما لم يتم الإفراج عن التحقيق كاملا.

وجد في : اللاجئين
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X