نبض العراق

انتماءات الحشد الشعبيّ: بين إيران والعراق

p
بقلم
بإختصار
هناك فصائل شيعيّة مسلّحة كثيرة تعمل تحت مظلّة الحشد الشعبيّ وقد لعبت دوراً أساسياً في توجيه ضربات قاصمة لتنظيم "داعش" ولكن تختلف هذه الفصائل كلياً حول دورها المستقبلي كجزءاً من منظومة الأمن العراقيّة.

في تحوّل ملفت للانتباه، ضمّت وزارة الدفاع العراقيّة في 20 تمّوز/يوليو أعداداً من مقاتلي فرقة العبّاس القتاليّة إلى صفوف قوّاتها، بعد موافقة رئيس الوزراء حيدر العبادي، وبهذا أصبحت فرقة العبّاس الفصيل الشيعيّ الأوّل في الحشد الشعبيّ الذي ينضمّ جزئيّاً إلى القوّات النظاميّة العراقيّة.

ويؤكّد هذا التحوّل الاختلاف في الرؤى والاتّجاهات بين الفصائل الشيعيّة المنضوية تحت مؤسّسة الحشد الشعبيّ في ما يخصّ مستقبل هذه القوّات، فضلاً عن علاقتها بالدولة العراقيّة. فيذهب البعض منها إلى ترسيخ اتّجاهه العراقيّ، ويحرص البعض الآخر على تعميق علاقاته مع إيران ويدخل في خططها في المنطقة.

وتأسّست فرقة العبّاس القتاليّة من قبل العتبة العبّاسيّة برعاية أمين عامها أحمد الصافي، وهو يعتبر المتحدّث باسم المرجع الدينيّ الأعلى علي السيستاني. وهناك فصائل مسلّحة أخرى تابعة إلى العتبات المقدّسة لدى الشيعة كلواء أنصار المرجعيّة ولواء علي الأكبر وفرقة الإمام علي. ولكنّ تمتاز فرقة العبّاس القتاليّة بقدراتها العسكريّة، إذ أنّها "تتكوّن من 4 ألوية مشاة ولواء مدرّع وكتائب مدفعيّة وقوّة خاصّة عالية التجهيز، تدرّبت على يد جهاز مكافحة الإرهاب، فضلاً عن فصيل الهندسة والاقتحام"، بحسب خليّة الخبراء التكتيكيّة، وهي خليّة دراسات عراقيّة تهتمّ في القضايا العسكريّة والأمنيّة في العراق.

وأكّد إعلام فرقة العبّاس القتاليّة هذا الخبر في تصريح إلى "المونيتور"، حيث قال: "لجأنا إلى تسجيل ألف مقاتل من الفرقة على وزارة الدفاع، بعد الحصول على موافقة القائد العامّ للقوّات المسلّحة ووزير الدفاع".

وتحاول بعض الفصائل الشيعيّة جاهدة أن تحافظ على اتّجاهات وارتباطات عراقيّة صرفة. ومن بينها الفصائل العتبات الشيعيّة التابعة إلى السيستاني. وفي هذا السياق، يؤكّد قائد فرقة العبّاس ميثم الزيدي أنّ لديهم تعليمات بألّا يلتقوا بأيّ شخصيّة أمنيّة غير عراقيّة. وعن أسباب موافقة القيادة العامّة للقوّات المسلّحة على ضمّ بعض مقاتلي الفرقة إلى ملاك وزارة الدفاع، قال إعلام فرقة العبّاس: "هذا حصل لكون أداء الفرقة مقارب للجيش، وكذلك لأنّها تأخذ أوامر العمليّات مباشرة من السيّد القائد العامّ للقوّات المسلّحة". ورغم إنتشار مقاتلي فرقة العبّاس على ملاك هيئة الحشد الشعبيّ وإستلامها الرواتب منها، لكنّها لا تأخذ الأوامر العسكريّة من قادتها المقرّبين إلى إيران كابي مهديّ المهندس.

وأكّدت الفرقة على تقوية القوّات النظاميّة العراقيّة، إذ قالت لـ"المونيتور": "هنالك أهداف تسعى قيادة الفرقة إلى تحقيقها... ضمن مساعٍ لتحقيق مشروع دفاع وطنيّ واعد يتمثّل في هيبة الجيش العراقيّ وقوّاته الأمنيّة".

من جهّة أخرى، تسير سرايا السلام في اتّجاه مشابه، حيث يؤكّد المشرفون على هذه القوّة أهميّة تقوية المؤسّسات العسكريّة العراقيّة. وسرايا السلام هي فصيل مسلّح تابع إلى مقتدى الصدر الذي حذّر مراراً من خطورة تقويض مؤسّسات الدولة من قبل الفصائل الشيعيّة. وفي هذا الاتّجاه، قرّرت الهيئة الجهاديّة لسرايا السلام إغلاق أكاديميّة سيّد الكونين للعلوم العسكريّة في تاريخ 16 تمّوز/يوليو "كخطوة أولى في اتّجاه تقوية مؤسّسات الدولة العراقيّة"، بحسب بيان الهيئة. وكانت أكاديميّة سيّد الكونين تهتمّ برفد أتباع التيّار الصدريّ بالعلوم العسكريّة.

وعن جهود سرايا السلام للحفاظ على الهويّة العراقيّة لقوّاتها، قال المتحدّث باسم التيّار الصدريّ صلاح العبيدي في مقابلة تلفزيونيّة في 17 تمّوز/يوليو: "هذا الذي فعلناه (في أكاديميّة سيّد الكونين) هو استثمار للكفاءات العراقيّة الصرفة... ولم نذهب بأناسنا إلى دول من هنا وهناك".

ويقابل هذا الاتّجاه، مسار آخر لا يرى نفسه جهة عراقيّة صرفة، بل يسعى إلى لعب دور أساسيّ في "محور المقاومة" بقيادة إيرانيّة، ويتبع إيران في تحرّكاتها في المنطقة، ويسيطر قادة كبار من هذا المسار على هيئة الحشد الشعبيّ. ويحاول هؤلاء القادة بناء قوّة عقائديّة رديفة إلى القوّات النظاميّة على نسق قوّات حرس الثورة الإسلاميّة في إيران. وفي محاولة لإبراز هويّتها المستقلّة عن القوّات العراقيّة، والتأكيد على قربها من حرس الثورة، اختار كردوس من الحشد الشعبيّ زيّاً مشابهاً لزيّ حرس الثورة، فضلاً عن اختياره طريقة سير تشبه سير الحرس المذكور، وذلك في استعراض عسكريّ أقيم في 15 تمّوز/يوليو في بغداد. وعلّق المتحدّث باسم الحشد الشعبيّ أحمد الأسدي على هذا الحدث في 22 تمّوز/يوليو، وقال: "هذه رسالة تقول إنّ الحشد إضافة جديدة إلى القوّات المسلّحة العراقيّة". وأضاف: "نعتزّ بأنّ في إيران حرساً ثوريّاً استطاع الدفاع عن الدولة والثورة الإيرانيّة، ونفتخر بذلك... ونفتخر بأنّ الحشد الشعبيّ أصبح من القوّة والاقتدار والتدريب بأن يشبّهوننا بالحرس الثوريّ".

ولا يتماشى هذا الاتّجاه مع وجهة نظر السيستاني، فهو يمانع أن يذهب أتباعه إلى سوريا لغرض القتال. ويذهب السيستاني أبعد من ذلك، حيث لا يعترف بهيئة الحشد الشعبيّ، ويخاطب المقاتلين الذين لا ينضوون تحت القوّات النظاميّة العراقيّة بالمتطوّعين. ويشارك الصدر السيستاني الرأي في هذا المجال، إذ بادر الصدر في وقت سابق إلى طرد أتباعه من الذين شاركوا في القتال في سوريا.

وبدت المنافسة بين هذين الاتّجاهين واضحة في ما يخصّ مستقبل الحشد الشعبيّ وانتماءاته. ويبدو أنّ لدى الاتّجاه المقرّب من إيران اليد العليا، حيث يسيطر على ميزانيّة الحشد الشعبيّ، فضلاً عن الدعم المستمرّ من إيران. علاوة على هذا، يخطّط أنصار هذا الاتّجاه إلى الحصول على مكاسب سياسيّة كبيرة تمكّنه من المضي بمشاريعه. وقال الأمين العام لعصائب أهل الحقّ، وهي من الفصائل القريبة من إيران، في الذكرى الثالثة لتأسيس الحشد الشعبيّ في حزيران/يونيو 2017: "الانتصار العسكريّ من دون تحقيق الانتصار السياسيّ لا معنى له ولا قيمة معه". ويتمتّع الأمين العام لمنظّمة بدر هادي العامري بدعم جماهيريّ واسع، بحسب استطلاع الرأي الذي نشر من قبل المعهد الوطنيّ الديمقراطيّ الأميركيّ في حزيران/يونيو 2017. فالعامري من أكثر قادة الحشد المقرّبين إلى إيران، علماً أنّ اسمه مطروح كمرشّح إلى منصب رئاسة الوزراء.

وعليه، فإنّ الصراع السياسيّ بين تيّار السيستاني وتيار علي الخامنئي، يتوسّع ليشمل المؤسّسة الأمنيّة، والأحداث تحمل بين ثناياها أدوات كثيرة لمواجهة محتملة مقبلة بينهما.

حمدي ملك باحث في جامعة كيل البريطانية ونشرت له العديد من الدراسات والمقالات ذات الصلة باشأن العراقي.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X