نبض العراق

شيعة العراق يصارعون لحفظ استقلالهم عن المحور الإيرانيّ وإيران تستعدّ لمواجهة الواقع الجديد

p
بقلم
بإختصار
بينما يحاول العراق التقارب مع الدول العربية السنية من أجل مكاسبه الوطنية، تستعد ايران لمواجهة التحدي الجديد في العراق والذي من شأنه أن يهدد مصالحها في العراق.

أصبح واضحاً لإيران والقوى الإقليميّة الأخرى، وفق المعطيات الجديدة، أنّ العراق يسير نحو تبنّي موقف مستقلّ عن إيران، على خلاف ما كانت عليه العلاقة سابقاً، والتي كانت توصف بالتبعيّة الكاملة لإيران.

اختفت سيلفيات قاسم سليماني من مشاهد المعركة ضدّ "داعش" خلال الفترة الأخيرة التي انتهت بتحرير الموصل، ولم نكن نشهد حضوراً أو دعماً إيرانيّاً مباشراً للقوّات العراقيّة في تحرير الأراضي. وتناوبت زيارات المسؤولين العراقيّين للسعوديّة والدول العربيّة السنيّة الأخرى المحسوبة على المحور السعوديّ، إذ قام زعيم التيّار الصدريّ مقتدى الصدر بزيارة رسميّة للإمارات العربيّة المتّحدة بين 13 و15 آب/أغسطس الحاليّ، وجرى استقباله بوصفه زعيماً عراقيّاً على المستويين الدينيّ والسياسيّ، بحيث زاره هناك رجل الدين العراقيّ السنيّ البارز الشيخ أحمد الكبيسي ومسؤولون سياسيّون رفيعو المستوى، وذلك بعد أيّام قليلة من زيارة مماثلة لمقتدى الصدر للسعوديّة، حيث جرى استقباله على مستوى رفيع جدّاً من وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان ومسؤولين آخرين.

وتبعت الزيارة إجراءات سعوديّة متعدّدة تجاه العراق، منها الإعلان عن فتح قنصليّة للسعوديّة في مدينة النّجف حيث يقيم الصدر، في ظلّ عدم رفض المرجع الشيعيّ الأبرز في العراق وهو السيّد علي السيستاني، الأمر الذي يعني أنّه موافق على مثل هذا الانفتاح. كما أنّه دعا إليه سابقاً في مناسبات عدّة.

وواجهت زيارة الصدر للسعوديّة والإمارات انتقادات لاذعة من قبل إيران، إذ اعتبرها موقع "تسنيم" المقرّب من المرشد الإيرانيّ بأنّها خيانة للشعب اليمنيّ الذي يقاتل السعوديّين منذ أكثر من عام. واتّهم "تسنيم" الجانب السعوديّ بأنّه يستغلّ التيّار الصدريّ ويبحث عن منافذ للنفوذ في الساحة العراقيّة من خلاله.

كما تمّ الإعلان عن زيارة مرتقبة للصدر إلى مصر في وقت قريب، إضافة إلى سلسلة أخرى من الزيارات لمسؤولين عراقيّين رفيعي المستوى من رئيس الوزراء ووزراء الداخليّة والخارجيّة والنفط والنقل للسعوديّة، في ظلّ عدم القيام بزيارات مشابهة بهذا الحجم لإيران، وهي المنافسة الإقليميّة للسعوديّة.

وكثرت وتصاعدت وتيرة انتقادات رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي للفصائل العسكريّة الموالية لإيران بشكل مستمرّ في الفترة الأخيرة، حيث اتّهمها بخرق القانون وعدم الخضوع إلى سلطة الدولة العراقيّة. كما أنّ الجهات المرتبطة بإيران تمتلك سمعة سيّئة من حيث التورّط في ملفّات الفساد في البلد وضياع المصالح الوطنيّة العامّة، خصوصاً بسبب ما حدث في الدورة الثانية لرئيس الوزراء العراقيّ السابق نوري المالكي، والذي لديه علاقات طيّبة جدّاً مع النظام الإيرانيّ والمرشد الأعلى للثورة الإسلاميّة. ولقد تركت مغادرة محافظ البصرة ماجد النصراوي المتّهم بملفّات فساد عدّة من قبل لجنة النزاهة إلى إيران في الأيّام الأخيرة انطباعاً سيّئاً للغاية بأنّ إيران هي المأوى الذي يلجأ إليها الفاسدون.

ومن جهتها، تسعى إيران إلى تدارك الموقف والحفاظ على مكاسبها في العراق عن طريق وكلائها فيه وأيضاً عن طريق عقد اتفاقيّات بين البلدين لصالح مصالحها القوميّة. ولقد عقدت إيران اتفاقيّة أمنيّة مع وزير الدفاع العراقيّ عرفان الحيالي خلال زيارته لإيران في 23 تمّوز/يوليو الماضي. وتمّ التوقيع على الاتفاقيّة على استعجال غير متعارف عليه ديبلوماسيّاً، حيث لم تجر محادثات تمهيديّة بين الخبراء والمختصّين من البلدين، ويؤشّر ذلك على استعجال إيران في تعزيز دورها العسكريّ والأمنيّ في العراق كردّ فعل على التقارب العراقيّ مع المحور العربيّ السنيّ.

ونقلت وكالة "إيرنا" الرسميّة الإيرانيّة عن عرفان الحيالي قوله خلال لقائه مع ممثّل المرشد الإيرانيّ أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ الأدميرال علي شمخاني: "إنّ الجيش العراقيّ سيواجه ولن يسمح بتشكيل فتنة جديدة وباتّخاذ إجراءات غير قانونيّة بهدف تقسيم العراق".

ولقد أدّى ذلك إلى تشنّج العلاقات بين إقليم كردستان وبغداد، حيث فهم منه أنّ الحيالي يهدّد الإقليم باتّخاذ خيارات عسكريّة ضدّه في حال القيام بالاستفتاء على الانفصال. واضطرّ الحيالي لاحقاً أن يكذّب التصريح ويضع اللوم على الوكالة الإيرانيّة التي حرّفت كلامه بحسب تعبيره.

وتحاول السعوديّة أيضاً تقديم مساعدات إلى العراق، بحيث تجعل كفّة ميزانها أثقل مقارنة بإيران، كي تجعل الجانب العراقيّ يميل لها براغماتيّاً، مع غض النظر عن الخلافات المذهبيّة. وأعلن وزير النفط العراقيّ جبّار اللعيبي، عقب عودته من السعوديّة في 15 آب/أغسطس الحاليّ، أنّ "نائب الملك السعوديّ شدّد على أهميّة الإسراع في تفعيل لجنة التنسيق السعوديّ – العراقيّ بهدف التعجيل في تنفيذ مجموعة من الاتفاقيّات في مجالات النفط والطاقة والصناعة والمعادن والتكنولوجيا والاستثمار والزراعة والتبادل التجاريّ والمصارف والبنوك وإقامة المشاريع المشتركة وغيرها".

وبالفعل، أعلن مجلس الوزراء السعوديّ في 14 آب/أغسطس إنشاء مجلس التنسيق السعوديّ - العراقيّ لتنفيذ الاتفاقيّات المبرمة خلال الزيارات المتتالية للمسؤولين العراقيّين في الأسابيع الأخيرة.

وقال جبّار اللعيبي: "إنّ المملكة ستقوم بإنشاء عدد من المشاريع الصحيّة والإنسانيّة على نفقتها، منها إنشاء مستشفى في بغداد والبصرة وتخصيص عدد من الزمالات الدراسيّة في الجامعات السعوديّة وفتح المنافذ الحدوديّة وإنشاء مناطق حرّة للتبادل التجاريّ".

وإن نجحت السعوديّة في تنفيذ مشاريعها الاقتصاديّة في العراق سيؤثّر ذلك في تغيير الموازنة لصالحها في التنافس مع إيران، إذ لم تنجح إيران طوال أعوام ما بعد عام 2003 في تنفيذ مشاريع اقتصاديّة عملاقة في البلد لا مباشرة ولا عبر وكلائها من الأحزاب الشيعيّة الموالية لها.​

وأخيراً، يؤشّر المنهج السعوديّ الجديد على أنّ السعوديّة اتّجهت إلى استخدام أدوات النفوذ الناعم والإيجابيّ في تنافسها مع إيران في العراق، عوض عمّا كانت تفعله سابقاً من عزل العراق سياسيّاً وانكار الواقع السياسيّ الجديد ما بعد عام 2003، واللذين كان لهما الدور الأكبر في إفراغ المشهد لصالح إيران، كي تمتدّ بجذورها في مختلف الاتّجاهات في العراق.

وجد في : iran-iraq relations, muqtada al-sadr, mohammed bin salman, qasem soleimani, shiite-sunni conflict, kurds, referendum, haider al-abadi

علي المعموري هو باحث وكاتب متخصص في الدين. وهو كان مدرس في الجامعات الإيرانية والحوزات في إيران والعراق. وقد نشرت له العديد من المقالات ذات الصلة بالشأن الديني في البلدين والتحولات المجتمعية والطائفية في الشرق الأوسط.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X