نبض سوريا

بعد الموصل، محافظة الأنبار الغربيّة بالعراق هي التّالية في قتال داعش

p
بقلم
بإختصار
من المرجّح أن يُشَنّ هجوم عراقي ضدّ تنظيم الدّولة الإسلاميّة في المستقبل القريب في محافظة الأنبار الغربيّة بحيث تشكّل مدينة حديثة البوابة إلى المنطقة.

حديثة، العراق - في الوقت الذي تبدأ فيه حملة تلعفر العسكريّة شمالاً في محافظة نينوى، تجري الاستعدادات لاستعادة أجزاء من منطقة الأنبار الغربيّة التي ما زالت تحت سيطرة تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش). تقع مدينة حديثة على بعد 240 كيلومترًا شمال غرب بغداد، وهي أقرب مدينة إلى الجبهة التي سيُشَنّ منها هجوم الأنبار.

تقع المدينة على طول خطّ رئيسيّ بين آبار النّفط الشّماليّة وأجزاء أخرى من العراق وهي موطن لسد حديثة، فضلاً عن كونها قريبة من قاعدة الأسد الجوّيّة حيث تدرّب القوّات الأميركيّة نظراءها العراقيّين، وقد تمكّنت من تجنّب الوقوع بالكامل تحت سيطرة داعش.

ساعدت غارات التّحالف الجوّيّة والإمدادات التي تشتدّ الحاجة إليها والتي وصلت عبر المروحيّة السّكان والمقاتلين على البقاء على قيد الحياة أثناء وجودهم تحت الحصار، وعلى استعادة المناطق التي استولى عليها المتمرّدون مؤقتًا.

مع ذلك، ترك الحصار آثارًا كبيرة على السّكان وعلى الآفاق الاقتصادية للمدينة ذات الموقع الاستراتيجي. وقد أصيبت البنية التّحتيّة الرّئيسيّة المجاورة بأضرار بالغة ولم يعاد بناؤها بعد.

قال للمونيتور القائمقام مبروك حميد في خلال زيارة إلى مكاتبه إنّ "عددًا كبيرًا من الجسور وغير ذلك من البنى التّحتيّة بحاجة ماسّة إلى إصلاح".

تجدر الإشارة إلى أنّه في شهر كانون الثاني/يناير، بدأت عمليّة باتّجاه غرب الأنبار لكن جرى تعليقها بعد الاستيلاء على بلدتي الصّقرة والزاوية بسبب الاستعدادات لاستعادة الضّفّة الغربيّة للموصل، وهي عمليّة استمرّت رسميًا من شهر شباط/فبراير وحتّى شهر تموز/يوليو.

استغرق الأمر أشهرًا قبل التمكّن من الحصول على إذن بزيارة المنطقة، ولم يُسمَح للمونيتور بالسّير على الطّريق من نقطة التفتيش الأخيرة قبل البغدادي إلى حديثة إلا بمرافقة عسكريّة.

يمرّ الطّريق عبر بلدة هيت شمال غرب مدينة الرمادي، ولا يزال عرضة لخلايا داعش النائمة والتّفجيرات بالسّيّارات المفخّخة التي تنشأ بشكل رئيسي من الضّفاف الشّرقيّة لنهر الفرات، بحسب ما أفاد به نائب الضّابط المسؤول عن قيادة عمليّات الجزيرة في مقابلة مع المونيتور.

على طول الطّريق، تمكن رؤية أقسام الجسور التي انهارت والإصلاحات المؤقّتة للجسور المتهالكة. وعلى مسافة أبعد على الطّريق، بعد حديثة باتّجاه المقدّمة، نجد جسرًا رمّمه الجيش بما يكفي ليجري العمل عليه مؤقّتًا وجرى تغيير اسمه تكريمًا لـ"شهداء" المعارك.

قال للمونيتور نائب الضّابط المسؤول عن غرفة عمليّات الجزيرة في خلال زيارة إلى مقرّ القيادة بالقرب من حديثة، إنّ "الطّريق من حديثة إلى بيجي يخترق الخطّ الفاصل بين قيادتي عمليّات الجزيرة وصلاح الدين. نحن مسؤولون عن جانبي نهر الفرات وعن مساحة شاسعة تصل غربًا إلى سوريا وجنوبًا إلى الصّحراء".

وأضاف نائب المسؤول بقوله، "نحن الخطّ الأمامي في وجه العدوّ. يمكن اعتبارها المنطقة الأكثر أهمّيّة لمحاربة الإرهاب في البلاد. ولهذا السبب جرى تقسيم محافظة الأنبار إلى قسمين تشغيليّين" لقوّات الأمن: قسم الأنبار حيث يقع كلّ من الرمادي والفلوجة، والجزيرة حيث نجد حديثة، وهيت والبغدادي، والتي تمتدّ إلى الحدود السّوريّة وتشمل مساحة واسعة من المنطقة الصّحراويّة التي تضمّ عددًا كبيرًا من الوديان والوهدان (الجافة إلا في موسم الأمطار) حيث يعرف الجميع أنّ داعش يختبئ ويتنقّل.

وأضاف أنّ "الصّحراء الغربيّة، والقائم والرطبة إلى الجنوب، كلّها من مسؤوليّتنا".

بالإضافة إلى ذلك، لطالما كانت حديثة ملتقى استراتيجيًا بفضل خطوط أنابيب النّفط التي تصل إلى محطّة الضّخّ K3 من بيجي المتضرّرة الآن بشكل كبير، حيث تقع أكبر مصفاة للنّفط في العراق، وكركوك في منطقة من البلاد متنازع عليها بين حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزيّة في بغداد.

وكان من المقرّر أيضًا أن تكون جزءًا من خطّ أنابيب مخطّط له من مدينة البصرة جنوب العراق إلى ميناء العقبة في الأردن قبل غزو داعش. لكن صدر قرار في العام الماضي يقضي بتعديل مسار خطّ الأنابيب باتّجاه الجنوب عبر منطقة أخرى في الأنبار بسبب المخاوف الأمنيّة.

في حين أنّ تلعفر - وهي مدينة ذات أغلبيّة تركمانية على بعد 80 كيلومترًا غرب الموصل - صنعت بعض أبرز قادة تنظيم الدّولة الإسلاميّة، شكّلت منطقة الأنبار العربيّة السّنيّة بشكل أساسي، التي تمثّل نحو ثلث الأراضي العراقيّة، معقلاً تاريخيًا للتّجنيد وطرق التّهريب عبر الحدود إلى داخل سوريا وخارجها، وفقا لما ذكره نائب الضّابط المسؤول.

وردًّا على سؤال حول نوع التّعاون بين جنود الجيش العراقي – الذين يأتي الكثير منهم من المناطق الجنوبيّة الشّيعيّة في البلاد - والمقاتلين القبليّين المحلّيّين، قال نائب الضّابط المسؤول إنّ المقاتلين القبليّين هم بالتّحديد سبب عدم استيلاء داعش على حديثة. وقال إنّ الجيش العراقي عمل بشكل وثيق مع المقاتلين القبليّين.

وتقع إحدى القواعد التي يستخدمها الحشد العشائري، وهي القوّات العشائريّة المحلّيّة، بالقرب من قاعدة الجيش.

قال للمونيتور الشيخ عبد الله من عشيرة الجغايفة، وهي أكثر العشائر نفوذًا في المنطقة، في مقابلة في مقرّ حزبه السّياسي الجديد أحرار الفرات، إنّ المقاتلين تحت إمرته شاركوا بكثافة في القتال ضدّ داعش عندما كان التّنظيم على مشارف المدينة، لكنّه الآن سيركّز حصريًا على ''تغيير الأمور من خلال السّياسة".

شهدت حديثة أيضًا مجزرة كبيرة راح ضحيّتها 24 شخصًا من العراقيّين العزّل ارتكبها مشاة البحريّة الأميركيّة في تشرين الثاني/نوفمبر 2005، وهو حدث لا يزال يتذكّره بوضوح عدد كبير من السّكّان.

وقال عبدالله للمونيتور إنّ "حوالي 70% من الرّجال في البلدة اعتقلتهم القوّات الأميركيّة في مرحلة أو أخرى"، لكن كثيرين منهم لم يدانوا يومًا بأيّ جريمة.

وفي سدّ حديثة المجاور، قال للمونيتور العقيد حسن عيسى قائد مغاوير الفرقة الثالثة في الجيش العراقي، إنّ عددًا من القوّات كان متمركزًا في السّدّ، بمن فيهم أولئك المنتمين إلى جهاز مكافحة الإرهاب، وإنّ الغوّاصين هناك درّبتهم القوّات الأميركيّة.

والجدير بالذكر هو أنّ سدّ حديثة هو ثاني أكبر السّدود من حيث مساهمته في توليد الطّاقة الكهرومائيّة بالعراق بعد سدّ الموصل.

على الرغم من أنّه لم يتم الإعلان عن موعد بدء عمليّة غرب الأنبار، قال معظم المحلّلين والضّباط الذين تحدّث معهم المونيتور إنّ ذلك لن يحدث إلا بعد استرجاع تلعفر والحويجة من داعش.

وإنّ الميليشيات القبليّة، المؤلّفة من مقاتلين قدموا من مناطق لا تزال تحت سيطرة داعش، تخضع لتدريب وتشنّ أحيانًا هجمات صغيرة في أراضي العدو.

على الرّغم من موقع حديثة الاستراتيجي، من المرجّح أن تتواصل معاناتها مع نقص الاستثمار والأمن الهش إلى أن يتمّ تطهير المنطقة الواقعة غربها من المتمرّدين ويعاد بناء بنيتها التّحتيّة.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X