نبض مصر

قصّة القمح... من خطّة الاكتفاء الذاتيّ إلى توحّش الاستيراد

p
بقلم
بإختصار
استوردت مصر كميّات غير مسبوقة من القمح خلال تمّوز/يوليو وآب/أغسطس. كما تعتزم شراء المزيد خلال أيلول/سبتمبر وتشرين الأوّل/أكتوبر، رغم الأنباء عن زيادة رقعة الأرض المزروعة ونجاح زراعة القمح مرّتين في العام، الأمر الذي أثار الشكوك حول جدوى خطط الدولة في تحقيق الاكتفاء الذاتيّ من القمح.

القاهرة - "احتياطيّ القمح يكفي حتّى نهاية شباط/فبراير من عام 2018"، هذا ما قاله متحدّث وزارة التموين ممدوح رمضان لـ"رويترز" في 22 آب/أغسطس من عام 2017، محاولاً طمأنة المواطنين. وفي اليوم ذاته، تباهى مستشار وزير التموين لشؤون الإعلام محمّد سويد في مداخلة للنشرة الإخباريّة لقناة "أون لايف" بإنجاز وزارة التموين قائلاً: "الاحتياطيّ آمن ويفوق الحدّ العالميّ". وتجاهل المسؤولون، وسط محاولات الطمأنة والتباهي، التحدّث عن ضريبة الوصول إلى ذلك الاحتياطيّ.

كانت ضريبة تحقيق ذلك الاحتياطيّ هي تعاقد وزارة التموين على استيراد كميّات قياسيّة من القمح خلال تمّوز/يوليو، ففي نهاية ذلك الشهر استوردت حوالى 1،245 مليون طنّ من خلال 4 مناقصات.

وفي 17 آب/أغسطس، أعلن ممدوح رمضان في تصريحات صحافيّة أنّ هيئة السلع التموينيّة التابعة لوزارة التموين تعاقدت من خلال مناقصة عالميّة على شراء 355 ألف طنّ من القمح الروسيّ والأوكرانيّ، ليصل إجماليّ واردات القمح إلى 1،6 مليون طنّ.

وطرحت هيئة السلع التموينيّة مناقصتين عالميّتين في 15 آب/أغسطس و29 آب/أغسطس لاستيراد القمح بكميّات غير محدّدة حتى الآن من المورّدين العالميّين في أيلول/سبتمبر وتشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2017، الأمر الذي أثار الشكوك حول خطّة الحكومة لتحقيق الاكتفاء الذاتيّ من القمح التي وعد بتحقيقها خلال أربع سنوات الرئيس عبد الفتاح السيسي في أيار/ مايو 2013.

وفي تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2014، أعلنت وزارة الزراعة أنّها تهدف إلى الوصول بالمساحة إلى 3.5 مليون فدّان في موسم القمح للعام التالي، وهو عام 2015، إضافة إلى المساحات المزروعة من القمح بواسطة القوّات المسلّحة ووزارة الزراعة في مشروع استصلاح الـ1،5 مليون فدّان، الذي أعلن الرئيس عبد الفتّاح السيسي عن انطلاقه في احتفاليّة بمدينة الفرافرة بـ30 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2015، وبدأت وزارة التموين بشراء القمح المحصود منه ابتداء من 12 نيسان/إبريل من عام 2017.

كما وتعتمد خطّة تحقيق الاكتفاء الذاتيّ على نجاح تجربة المركز القوميّ لبحوث المياه لزراعة القمح مرّتين في العام بشباط/فبراير وأيلول/سبتمبر، بدلاً من مرّة واحدة في كانون الأوّل/ديسمبر، عن طريق معالجة بذور القمح بالتبريد قبل غرسها في التربة لتتحمّل الحرارة في مواسم ارتفاع درجتها ويسمح بزراعتها مرّتين في العام.

وتزداد الشكوك في خطّة السعي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتيّ خصوصاً في ظلّ ما أعلنه وزير التموين علي المصيلحي في مؤتمر صحافيّ بـ29 تمّوز/يوليو عن خطّة الوزارة لاستيراد 7 ملايين طنّ من القمح في العام الماليّ 2017/2018 رغم زيادة رقعة الأراضي المزروعة بالقمح وتطبيق تجربة زراعة القمح مرّتين، وكانت الحكومة المصريّة قد استوردت حوالى 5،580 مليون طنّ فقط في 2016/2017، واستوردت في 2015/2016 حوالى 4،440 مليون طنّ.

وبرّر نقيب الفلاّحين رشدي أبو الوفا زيادة واردات القمح المستهدفة بتراجع توريد القمح المحليّ للحكومة، إذ قال لـ"المونيتور": "تراجع توريد القمح المحليّ للحكومة في عام 2017 ليصل إلى حوالى 3،4 مليون طنّ، بعد أن كان 5،2 مليون طنّ في عام 2016، والسبب في عدم بيع إنتاج القمح إلى الحكومة هو عرض بعض تجّار القطاع الخاص لأسعار أكبر، إضافة إلى عدم التزام الحكومة بسداد مستحقّات المزارعين في المواعيد المتّفق عليها، الأمر الذي جعل العديد منهم يرفضون التعاقد معها".

من جهته، قال وكيل لجنة الزراعة في البرلمان رائف تمراز لـ"المونيتور": "إنّ الأزمة تكمن في تأخّر وزارة التموين بتسعير القمح والتعاقد في شأنه، وعلى التموين أن تحدّد الأسعار وتتعاقد لشراء القمح قبل البدء في زراعته، كما يفعل القطاع الخاص".

وقال رمضان في اتّصال هاتفيّ مع "المونيتور": "إنّ جزءاً كبيراً من الكميّات المتعاقد عليها مع المزارعين في العام الماضي لم تورّد بالفعل إلى صوامع الدولة، وكانت مجرّد اتفاقات على ورق حصل بموجبها بعض المزارعين على أموال نظير القمح، بينما ورّدوه بالفعل إلى القطاع الخاص. وفي هذا العام، تمارس وزارة التموين رقابة مشدّدة على الكميّات المورّدة محليّاً إلى صوامع الدولة، وربّما هذا هو السبب في تراجع الكميّة المورّدة محليّاً، لأنّ الكميّة المعلن عنها في العام الماضي كان جزء كبير منها وهميّاً".

وتجدر الإشارة إلى أنّ ما أشار إليه رمضان هو القضيّة المعروفة بـ"فساد صوامع القمح"، وتسبّبت في استقالة وزير التموين السابق خالد حنفي في 25 آب/أغسطس من عام 2016.

وقال مصدر في وزارة التموين لـ"المونيتور"، فضّل عدم ذكر اسمه: "إنّ السبب الرئيسيّ وراء استيراد كميّات أكبر من القمح هو رغبة الحكومة في تحقيق احتياطيّ أكبر تجنّباً لحدوث أيّ أزمات، فالكميّة المستوردة لن تستخدم للعام الماليّ 2017/2018 ويمكن للدولة أن تستغلّها في العام التالي، الأمر الذي سيخفّض نفقات الاستيراد في موازنة 2018/2019".

من جهته، قال أستاذ الموارد المائيّة والأراضي في كليّة الزراعة بجامعة القاهرة نادر نور الدين لـ"المونيتور": "إنّ فكرة زراعة القمح مرّتين تضيّع على الدولة ملايين الأطنان من القمح لأنّها غير قابلة للتطبيق في مصر، والتحدّث عن نجاحها هو شو إعلاميّ، فالموسم الطبيعيّ لزراعة القمح هو في كانون الأوّل/ديسمبر، والتبكير بزراعته في أيلول/سبتمبر، في ظلّ الارتفاع السنويّ بدرجات الحرارة الذي يعرّض محصول القمح للخطر لأنّه ربما لن يصمد حتّى انخفاض درجة الحرارة في كانون الأوّل/ديسمبر. كما أنّ المحصول الذي سيزرع في شباط/فبراير لن يصمد أمام حرارة أيّار/مايو وحزيران/يونيو".

أضاف: "إنّ نجاح التجربة في بعض الدول الأوروبيّة وكندا والولايات المتّحدة الأميركيّة سببه أنّ درجات الحرارة في تلك البلاد لا ترتفع إلى معدّل ارتفاع درجات الحرارة في مصر".

وما بين اتهامات الحكومة بالفساد في الأعوام السابقة وسوء التعامل مع الفلاّحين في سياسات التسعير والسداد ومحاولة القيام بـ"شو إعلاميّ"، تعدّدت أسباب تأخّر مصر في تحقيق الاكتفاء الذاتيّ من عام 2013 حتّى الآن واضطرارها إلى استيراد القمح بكميّات قياسيّة، إلاّ أنّ الظاهرة الإيجابيّة هي أنّ جميع الخبراء لم يشكّكوا في زيادة رقعة الأرض المزروعة، الأمر الذي يفتح الباب أمام آمال تحقيق الاكتفاء الذاتيّ من القمح مستقبلاً إذا نجحت الدولة في التغلّب على السلبيّات الحالية.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X