نبض العراق

سكّان الموصل يتنفّسون الصعداء

p
بقلم
بإختصار
بعد أن أعلنت القوات العراقية تحرير الموصل بالكامل، ينسى سكّنها الماضي وتحديات المستقبل للحظة ويعيشون من جديد متعة العيش بحريّة.

الموصل، العراق — بعد أن انهزم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في غرب الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، وتوجّه اليها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ليعلن تحريرها في 9 تموز/يوليو، شرع بعض العراقيين على التفكير في خطط إعادة البناء. وبدأت الحكومة إجراءات فرض الأمن، كما بدأ سكان المدينة – القادرين على تنفسّ الصعداء قليلاً – باتخاذ خطوات نحو تحقيق العودة إلى الحياة الطبيعية، على الرغم من أن إبطال ما قام به التنظيم سيستغرق بعض الوقت.

وفي حين كان رياض يرقص لساعات في حفل زفاف ابن عمه في 1 تموز\يوليو، نجح في أن ينسى اللحظة التي انفجر فيها منزله، الذي يتألف من ثلاثة طبقات. وكان داعش قد قام بتحميل لقطات فيديو حول [الانفجار] على الإنترنت. وبصفته شرطياً في الدولة، كان رياض هدفاً للتنظيم المسلّح. ترك رياض جانباً حقيقة أنه خسر منزله أو وظيفته التي يعيل من خلالها زوجته وطفليه خلال حفل الزفاف.

وأخيراً، انّه عرس أحمد، ابن عم رياض. يتزوّج بعد أن انفصل عن خطيبته لأكثر من عامين، وذلك إثر هروبه مع أسرته إلى أربيل، المدينة المجاورة. الاّ أن الثنائي ظلّ على اتصال عبر الهاتف الخليوي.

يُقام حفل الزفاف في حي سومر شرق الموصل، والذي سبق وتم تحريره هذه السنة. انّ أغلبيّة الضيوف، وهم يرقصون ويستمعون إلى الموسيقى ويدخّنون، يستمتعون بوقتهم للمرة الأولى منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي اقتحم فيه داعش المدينة كالصاعقة في حزيران\يونيو 2014. وبعد فترة سماح دامت بضع أسابيع، بدأ التنظيم بتطبيق سياساته القمعية والحظر تلو الآخر. قال رياض بصوت عال وهو يقف عند المدخل، "لهذا السبب نرقص ونحتفل بجنون".

يترأّس الشباب رقصة الدبكة التي تعلو موسيقاها في غرفة المعيشة الصغيرة المليئة بالأطايب والدخان. أما الضيوف الآخرون الواقفين عند الحائط، فينضمّون إلى حلقة الرقص بين الحين والآخر. صحيح أنهم تحاشوا الحديث في البداية، الاّ أنّهم عادوا وتذكّروا القمع الذي فرضه التنظيم المتطرف عليهم.

قالت نافا، "دخلتُ الى الصيدلية لشراء منتج مانع للحمل ذات يوم. تعود معرفتي بالصيدلي لسنوات ولهذا كنّا قريبين في الطريقة التي نتواصل ونتفاعل فيها"، وتعني الطريقة التي يتبادلان فيها النكات والضحك. ثم دخل أحد المسلحين المتجر. "سألنا لماذا كنا نضحك، وبعدها بدأ يحدّثني عن الطريقة التي يتوجّب علىّ أن أتصرّف بها والمسافة التي يجب أن أحافظ عليها". بعد أن غادرت نافا الصيدلية، تبعها المسلّح حتى وصلت سيراً الى المنزل. وكان داعش قد منع النساء من مغادرة المنزل في حال لم يرافقهن أحد أقربائهن من الذكور.

ازدادت حدة الرقص مع مرور الساعات واستمرار الحفل، وبالكاد توقّف زياد وأبناء عمّه للحظات بعد ست أو سبع ساعات من الرقص.

وقال "لا نرقص عادة بهذا الجنون". غاب أصدقاء رياض المقرّبين عن محاولاته ترك ذكريات العامين الماضيين السيئة جانباً. اذ هرب معظمهم إلى أوروبا بعد أن كان التنظيم يضرب بيد من حديد. الاّ أن زياد بقي، وكان عليه قبول القواعد الصارمة التي انتهكها مراراً. فسٌجن مرة واحدة وجُلد 50 جلدة لحلقه لحيته التي كان داعش قد منع حلقها.

تقف الندوب المرئية والانهيار الاقتصادي الذي خلّفه حكم داعش وهزيمته أمام رغبة سكان الموصل في العودة إلى الحياة الطبيعية ولو لحدّ معيّن. كما تتعثّر حركة المركبات بسبب الحواجز الاسمنتيّة، نهيك عن ركام المباني التي دمرتها الغارات الجوية للتحالف الدولي. أماّ الطرقات، فتملؤها الحفر التي خلّفتها قذائف المدفعية.

يجتمع أكثر من مائة ضيف قرب خيمة الزفاف، جميعهم من الرجال، لتناول طعام الغداء. وقرب الخيمة علامات خضراء تشير إلى مبان تغيب عنها هوائيات الأقمار الصناعية. فعندما أطلقت القوات العراقية عملية استعادة الموصل في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، قرّر داعش حجب القنوات التلفزيونية عن السكّان لمنع وصول الأنباء حول تقدّم العملية.

تعترض اليوم طريق السيارات المتجهة من شمال المدينة الى جنوبها نقاط تفتيش متعددة، معظمها تابع للجيش أو الشرطة الاتحادية. الاّ أن أعلاماً شيعيّة ترفرف فوق عدد قليل منها في هذه المدينة ذات الأغلبية السنية. ويشغل أفراد من الحشد الشعبي العدد القليل من نقاط التفتيش. ترمز الأعلام إلى الانقسامات الطائفية الضارة التي ساعدت داعش على توسيع رقعة أراضيه. كما يثير وجودها القلق بين بعض السكان.

قال أحمد، وهو أحد الضيوف، "نأمل استخلاص العبر من أخطاء الماضي". يقف إلى جانبه رجل شيعي طويل القامة من النجف ويُدعى علي. اقترب علي رغبة منه بإيصال صوته. قال، "اسمع جيداً، انها المرة الأولى التي أزور فيها الموصل منذ أكثر من عشرين عاماً. يشير ذلك الى أننا، نحن الشعب، لا نبالي باختلاف انتماءاتنا الطائفيّة".

بعد انتهاء الزفاف، لن يغادر علي، بل سيحلّ لبضعة أيام ضيفاً على العائلة، وذلك في أحد الأحياء الذين كانوا تحت السيطرة الكاملة للتنظيم الطائفي الأشرس في المنطقة قبل أربعة أشهر.

وفي الجهة المقابلة لحي سومر، تقع المنطقة الشعبية، القادسية، التي لا تزال المنطقة التجارية الرئيسية في شرق الموصل. أوضح برزان، ابن عم رياض، الذي كان يجول حوالي الدوار الرئيسي في المنطقة بسيارة الأجرة الخاصة به، "اعتادت هذه الساحة على أن تكون فارغة، اذ لم يجرؤ الشباب على التجمع فيها".

أما الآن فيجتمع الثنائي من الشباب والأصدقاء والأولاد على العشب بجوار النافورة التي كان داعش قد أحرقها نظراً للعناصر التصويرية التي تزيّن هيكليّتها. ان محيط الساحة مليء بالمحلات التجارية التي تبيع المواد الغذائية والعصائر والبوظة والملابس. وكانت اللافتات فوق المحلات التجارية قد رُشّت بالطلاء الأسود لطمس الوجوه الظاهرة عليها. إذ، وبحسب تفسير داعش للتعاليم الإسلامية، تُحظّر صور البشر والحيوانات.

قال محمد وهو يشير إلى قميص صديقه المطبوع عليه بعض الأحرف، "كان كل شيء ممنوعاً! من تدخين النرجيلة إلى الاستماع إلى الموسيقى ورقص الدبكة وارتداء هذا القميص". يستمتع الشباب بوقتهم. فيركن المراهقون سيارتهم عند بداية المرجة الخضراء في حديقة الشلالات، وهي المساحة الخضراء الأوسع في المدينة. كما يعلو صوت الموسيقى من مكبّر الصوت، ويدخن الصبيان النرجيلة تحت شجرة.

حال زكريا كحال الشبان الذين امتنعوا عن التنزّه في الحدائق في السنوات القليلة الماضية. أما اليوم، فخرج بنزهة مع والديه وشقيقته إلى الساحة. كما تنبّه والده، وهو مدرس في الجامعة، ان عدد الطلاب الملتحقين بالمدارس قد ارتفع. اذ توقف العمل بالمنهاج الذي فرضه داعش، وأعيد العمل بالمنھاج الدراسي السابق. كما عادت النساء للالتحاق بصفوف الدراسة.

وفي حين كان زكريا يستمتع بيومه عند بعد الظهر، يتطلع إلى تحسّن الأمور في الموصل بعد أن ساد العنف وعدم الاستقرار لسنوات فيها. وقال، "إن شاء الله، سأنهي دراستي، وربما أجد وظيفة مناسبة بعدها"، معبّراً عن آمال رياض وأحمد وسكان الموصل الآخرين وقلقهم.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : reconstruction, sectarianism, pmu, mosul, is

Nicolas Lupo is a Spanish journalist based in Beirut. He is the Middle East correspondent for Cadena SER radio and writes for Spanish and English outlets. On Twitter: @niluso

x
keyboard_arrow_up

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept