نبض فلسطين

الجزائر... هل تكون المحطّة المقبلة لحماس؟

p
بقلم
بإختصار
في صورة مفاجئة، أعلن متحدّث باسم حماس في 15 تمّوز/يوليو التقدّم بطلب رسميّ إلى الجزائر لإقامة بعض قادتها فيها، تزامناً مع تزايد الحديث عن انتقالهم من قطر بفعل الضغوط الخليجيّة. السطور التالية تبحث علاقة حماس بالجزائر، وما إذا كان انتقال الحركة إليها يعني فعليّاً أنّ قطر طلبت رسميّاً منها مغادرتها، وكيف سيكون موقف السلطة الفلسطينيّة، وماذا تستفيد حماس من الجزائر على الرغم من ابتعادها من الناحية الجغرافيّة عن فلسطين.

كشف الناطق باسم حماس سامي أبو زهري في 15 تمّوز/يوليو أنّه تقدّم بطلب شخصيّ من الجزائر للإقامة فيها، وأنّ قيادات حماس تلقى كلّ التسهيلات لدى دخولها إلى الجزائر، ولا يستغرق الحصول على التأشيرة سوى ساعات فقط، على خلاف دول عربيّة أخرى تتجاوز فيها المدّة شهرين كاملين.

لم يذكر أبو زهري هويّة قادة حماس الذين يحصلون على تسهيلات الجزائر، ولم يعلن من هم قيادات حماس الذين يحصلون على تسهيلات لدى دخولهم الجزائر، أو من قدم طلبا منهم للإقامة فيها، ولم يحدّد الدول العربيّة التي تتباطأ بمنح قادتها تأشيرات الدخول إليها.

الجدير بالذكر أن أبو زهري موجود في الجزائر منذ بداية العام الجاري 2017، في جولة سياسية يلتقي فيها عددا من القادة السياسيين ونشطاء الأحزاب الجزائرية، وكان آخرها يوم 26 يوليو، حين التقى هناك مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وحزب العمال الجزائري لبحث سبل دعم الشعب الفلسطيني.

قال مسؤول العلاقات العربيّة في حماس أسامة حمدان لـ"المونيتور" إنّ "زرناها مراراً في شكل رسميّ، والتقينا مع مسؤوليها أكثر من مرّة، وحماس تجد كلّ الدعم من الجزائر رسميّاً وشعبيّاً، حيث ساهمت في إنجاح قوافل كسر الحصار على غزّة، ونقدّر عدم وجود علاقات بين الجزائر والكيان الصهيونيّ، كما أنّ لحماس علاقات طيّبة مع كلّ الأحزاب السياسيّة الجزائريّة بلا استثناء، وعلى رأسها حزب جبهة التحرير الوطنيّ الحاكم".

بدأت قوافل كسر الحصار عن غزة في 2009، وكانت تأتي من مختلف دول العالم، وتحمل كميات كبيرة من المساعدات المعيشية المقدمة للفلسطينيين لغزة، من الأغذية والأدوية، ورغم استمرارها حتى اليوم، لكنها لم تنجح في رفع الحصار المفروض على غزة منذ 2006.

وتردّدت أنباء في 19 تمّوز/يوليو عن أنّ وفداً قياديّاً من حماس برئاسة حمدان، سيزور الجزائر في الأيّام المقبلة للمشاركة في أنشطة سياسيّة، ولقاء قيادات حزبيّة، حيث تحظى زيارات قيادات حماس إلى الجزائر برعاية رسميّة، وتحاط بحماية أمنيّة، لكن زيارة حمدان لم تتم بعد للجزائر حتى الآن.

وقالت صحيفة الشرق الأوسط التابعة إلى السعوديّة في 17 تمّوز/يوليو، إنّ حماس تبحث عن موطئ قدم لها في الجزائر لاستيعاب بعض قادتها الذين خرجوا من قطر في أوائل حزيران/يونيو، وإنّ الجزائر تلقّت طلباً رسميّاً من حماس لإقامة مكتب تمثيليّ فيها، من دون الردّ على الطلب.

يتوزّع قادة حماس اليوم بين قطاع غزّة والضفّة الغربيّة ولبنان وماليزيا وقطر وتركيا، وربّما لا يريدون حصر تواجدهم في بلد واحد، ويسعون إلى الانتشار وتخفيف الضغط عن أيّ دولة، بتواجد عدد أقلّ من قادتها فيها، ولا يريدون تركيز ثقلهم السياسيّ في أيّ بلد عربيّ.

علم "المونيتور" من مسؤول سياسيّ في حماس، أخفى هويّته، أنّ "توجّه حماس إلى التقارب مع الجزائر سبق أزمة الخليج الأخيرة، لإدراكها أهميّة دول شمال أفريقيّا، من عدة نواحي سياسية وإعلامية، واستراتيجيّة الحركة تقضي بعدم اعتماد دولة بديلاً عن أخرى، بل تجنيد أكبر عدد من الدول الداعمة، لتصبح لها ساحات جغرافيّة عدّة، من دون التقوقع في دولة واحدة".

لكنّ توجّه حماس إلى الجزائر ربّما جاء بعد مطالبة وزير الدفاع الإسرائيليّ أفيغدور ليبرمان لسفيرة الولايات المتّحدة الأميركيّة في الأمم المتحدة نيكي هيللي خلال اجتماعهما بالقدس في 9 حزيران/يونيو ، بالضغط على لبنان لطرد قيادات الحركة التي انتقلت من قطر إليه أخيراً.

وقال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأمّة والمتخصّص في شؤون حماس والذي زار الجزائر في عام 2006 حسام الدجني لـ"المونيتور" إنّ "حماس أخطأت في حقّ الجزائر لأنّها لم تمنحها الاهتمام اللازم بها منذ فوزها في الانتخابات التشريعيّة في عام 2006، على الرغم من أنّها بلد يحبّ فلسطين، لكنّ الحركة أجرت تحوّلاً بعد انتخاباتها الداخليّة الأخيرة في أيّار/مايو، فشرعت بإعادة تقييم علاقاتها الإقليميّة لزيادة أصدقائها، وعلى الرغم من أنّ الجزائر بعيدة جغرافيّاً عن فلسطين، إلّا أنّ العولمة جعلت حماس قريبة من إيران وتركيا وقطر، على الرغم من ابتعادها عنها مكانيّاً".

تزامن الحديث عن افتتاح مكتب لحماس في الجزائر مع تصريحات للسفير السعوديّ فيها سامي الصالح في 11 تمّوز/يوليو يصف فيها حماس بالإرهابيّة. وأثارت تصريحاته جدلاً في الجزائر، وردّ أبو زهري عليه في 14 تمّوز/يوليو بالقول إنّهم لو كانوا إرهابيّين، لما استقبلتهم الجزائر بهذه الحفاوة.

وشكر عضو المكتب السياسيّ لحماس عزّت الرشق في 21 حزيران/يونيو، موقف جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، لإرسالها في 18 حزيران/يونيو قافلة مساعدات إلى غزّة بثلاثة ملايين دولار.

وقال المستشار السياسيّ السابق لرئيس المكتب السياسيّ لحماس اسماعيل هنيّة أحمد يوسف لـ"المونيتور" إنّ "الجزائر قد تواجه ضغوطاً عربيّة وغربيّة إن احتضنت حماس على أراضيها، بسبب التوصيفات الأميركيّة ضدّ الحركة بالإرهاب، كما أنّ الإسلاميّين الجزائريّين لا يمتلكون القوّة السياسيّة الكافية ليكونوا عنصراً ضاغطاً على الدولة هناك لاستيعاب حماس". وأضاف: "ولست متأكّداً من استطاعة الجزائر إيواء قادة حماس فيها، على الرغم من التعاطف الكبير من الجزائريّين تجاه حماس والقضيّة الفلسطينيّة، وأدركت ذلك خلال إقامتي فيها بين عامي 2004 و2006، مع أنّ غزّة باتت تشكّل مأوى مناسباً لاستيعاب قيادات حماس في الخارج، وعدم تشتّتهم في العواصم العربيّة".

وقد صدرت مواقف متباينة من إمكان انتقال حماس إلى الجزائر، ففيما كشف رئيس حركة المجتمع والسلم الجزائريّة-حمس عبد الرزّاق المقري في 20 تمّوز/يوليو، أنّ استقبال حماس في الجزائر هو بناء على موافقة رسميّة، توقّع الخبير الأمنيّ التونسيّ علي الزرمديني بلقائه مع صحيفة الجريدة التونسية في 22 تمّوز/يوليو أنّ الجزائر لن تسمح لقادة حماس بالتحرّك في داخلها، في حال سمحت لهم بالإقامة فيها، دون توضيح السبب، لكن أوضح أنّ الجزائر ليست قطر، التي سمحت لهم بالتنقّل والتحرّك فيها بأريحيّة.

وقال عضو المجلس الثوريّ لفتح ورئيس اللجنة السياسيّة في المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ عبد الله عبد الله لـ"المونيتور" إنّ "قبول الجزائر باستيعاب بعض قادة حماس على أراضيها ينبع من اعتبارات إنسانيّة، في ظلّ إمكان خروجهم من قطر بعد أزمة الخليج، وليس له أبعاد سياسيّة، وفتح لا تجد حساسية في ذلك، فالجزائر حليف تاريخيّ لها ولمنظّمة التحرير الفلسطينيّة، ولن تستبدل هذا التحالف مع حماس، لكنّ حماس مطالبة بأن تعلم أنّ أيّ انفتاح لها على العالم الخارجيّ يجب أن يكون من بوّابة منظّمة التحرير، وليس بالالتفاف عليها".

أخيراً... الأيّام المقبلة كفيلة بالكشف عن حقيقة الاتّصالات الجارية بين حماس والجزائر، فهل ستكون المحطة المقبلة للحركة، على الرغم من بعدها عن فلسطين؟ أم أنّ الجزائر قد لا تقوى على مقاومة الضغوط الخارجيّة بعدم احتضان قادة حماس؟ وفي كلا الحالتين، نحن أمام تطوّر جديد يفيد بأنّ النزاعات الإقليميّة في المنطقة، لا سيّما أزمة الخليج، ألقت بظلالها السلبيّة على حماس، على الرغم من أنّها اجتهدت بأن تنأى بنفسها عنها.

وجد في : qatar crisis, palestinian cause, gaza blockade, gaza strip, hamas, hamas headquarters

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X