نبض مصر

هل يسير السيسي على خطى جمال عبد الناصر في علاقته بالفنّ والفنّانين؟

p
بقلم
بإختصار
تستخدم الأنظمة الحاكمة دائماً الفنّ والفنّانين في إيصال رسائلها، مستغلّة شعبيّتهم وقربهم من جمهورهم. وسار الرئيس عبد الفتّاح السيسي على نهج الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في استغلال الفنّ والأعمال الدراميّة والإعلانات التلفزيونيّة للترويج للمشاريع الخاصّة بالدولة والقرارات الحكوميّة.

أدرك الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قيمة الفنّ، واستخدمه للوصول إلى المواطنين وتمرير قراراته السياسيّة ورفع الروح المعنويّة والانتماء إلى الدولة وحاكمها. فعندما أراد عبد الناصر رفع أسهم الجيش المصريّ لدى المواطنين، اقترح على الفنّان الكوميديّ الراحل اسماعيل ياسين القيام بسلسلة من الأفلام الكوميديّة عن الجيش عام 1955.

ولم تكن السينما البوّابة الفنّيّة الوحيدة التي استخدمها عبد الناصر، بل استخدم الطرب أيضاً، فغنّى له عدد من المطربين، منهم السيّدة أمّ كلثوم، حيث غنّت "يا جمال يا مثال الوطنيّة" عام 1956. وكان الرئيس الراحل يروّج لمشاريعه القوميّة بالأغنية، حيث غنّى الفنّان الراحل عبد الحليم حافظ أغنية "حكاية شعب"، التي تتحدّث عن إنجاز بناء السدّ العالي في أسوان عام 1960. ولم يقتصر الفنّ على رفع الروح المعنويّة وإظهار الإنجازات فقط، بل امتدّ دوره إلى تخفيف الإخفاقات، فمثلاً بعد هزيمة مصر في حربها ضدّ إسرائيل في عام 1967، غنّى المطرب عبد الحليم حافظ "عدى النهار".

وعلى نهج الرئيس الراحل عبد الناصر، يسير الرئيس عبد الفتّاح السيسي في علاقته بالفنّ والفنّانين، حيث تعدّدت الأعمال الفنّيّة المرتبطة بالسياسة، وقدّمها فنّانون ومطربون معروفون، وقد اختلفت تلك الأعمال بين أغانٍ وأفلام وإعلانات تلفزيونيّة. وفي كلّ مناسبة أو إنجاز، يحرص النظام الحاكم على أن يروّج لها بعمل فنّيّ، فمثلاً، أنتجت للشؤون المعنويّة للجيش المصريّ أغانٍ عدّة، منها أغنية "بكرة أحلى" للفنّان محمّد الحلو والفنّانة نادية مصطفى، وأوبريت "بلادي" للفنّانين أحمد جمال ومحمّد شاهين وكارمن سليمان، وذلك بمناسبة افتتاح قناة السويس الجديدة في 6 آب/أغسطس 2015.

وفي الذكري الرابعة لـثورة 30 حزيران/يونيو هذا العام، قدّمت القنوات الفضائيّة فيلم "1095 يوماً"، وهو فيلم يتضمّن إنجازات الرئيس السيسي، وشارك عدد من الفنّانين، منهم الفنّانان مدحت العدل ومحمّد رمضان والروائيّ يوسف القعيد حيث تحدثوا كشخصيات عامة في المجتمع عن رأيهم في إنجازات الرئيس. وأنتجت شبكة قنوات "دي أم سي" فيلم "حرّاس وطن" يونيو 2017، وهو فيلم يتحدّث عن الصاعقة المصريّة، وشارك فيه الممثل محمّد رمضان، والذي يقضي فترة تجنيده في الجيش.

وقدّمت القنوات الفضائيّة إعلانات عدّة لها أهداف، بعضها ترويجيّة، لقرارات حكوميّة مثل سلسلة الإعلانات لشرح قانون الضريبة المضافة، والتي شارك فيها الفنّان الكوميديّ حمدي المراغني، وأيضاً سلسلة إعلانات حقّ المواطن في المعرفة والتي ناقشت أزمة التهويل في إنجازات النظام الحاكم، وأيضاً التهوين منها، وبدأت هذه السلسلة في شرح مبسّط لمشاريع الدولة، وشارك فيها الفنّان الكوميديّ أحمد فهمي. وشاركت الفنّانة إسعاد يونس في سلسلة إعلانات أنتجتها هيئة الرقابة الإداريّة يونيو 2017، حملت عنوان "أنت مراية نفسك"، وهي حملة هدفها توعية المواطنين بضرورة القضاء على الفساد.

وظهر اهتمام الرئيس السيسي بالفنّ والفنّانين قبل تولّيه منصب رئيس الجمهوريّة، حيث اجتمع بمجموعة كبيرة من الفنّانين أثناء حملته الانتخابيّة في 19 أيّار/مايو 2014. و دعا السيسي الحضور من الفنّانين إلى أن يلعبوا دوراً في تعبئة المواطنين، وتشجعيهم على المشاركة في الانتخابات الرئاسيّة.

يرى الناقد الفنّيّ طارق الشنّاوي خلال تصريحات خاصّة لــ"المونتيور" أنّ "الأنظمة الحاكمة في الدول غير المتقدّمة تستخدم دائماً الفنّ وتستغلّ شعبيّة الفنّانين في الوصول إلى المواطنين، ففي عهد الرئيس الراحل عبد الناصر، كان الفنّ يلعب دوراً مؤثّراً في قراراته كافّة، وكان على تواصل مستمرّ بكبار الفنّانين، مثل أمّ كلثوم التي رفض اعتزالها بعد ثورة 23 تمّوز/يوليو 1952، والتي نتج عنها عزل الملك فاروق، وكانت هناك مطالبات بإرغام أمّ كلثوم على اعتزال الغناء لأنّها غنّت للملك فاروق، لكنّ عبد الناصر رفض ذلك وقتها، ممّا ساهم في توطيد العلاقة بينه وبين أمّ كلثوم، وغنّت له الأخيرة عدداً من الأغاني التي تحمل اسمه".

ويكمل الشناوي: "إنّ الفترة الحاليّة تشهد عدداً من الأعمال الفنّيّة التي تتضمّن رسائل سياسيّة وترتبط بالدولة، لكن لا ينجح منها الكثير، وذلك لأنّها تفتقد إلى الإبداع، فالفنّ يفشل دائماً إذا جاء وفقاً لتوجيهات السلطة، فيجب أن يكون نابعاً من قناعة المبدع".

ويؤكّد الشناوي أنّ "مشاركة الفنّان في أعمال فنّيّة ذات رسائل سياسيّة لا تشوّه تاريخه المهنيّ طالما هو مقتنع بتلك الرسائل، لكن أن يرضى الفنّان بأن يكون أداة السلطة من دون توافق الأهداف، والغرض إرضاء الحاكم فقط، يفقده تأثيره الفنّيّ، وينتج عن ذلك منتج فنّيّ رديء لا يصل إلى الجمهور".

وتقول الناقدة الفنّيّة ماجدة موريس لــ"المونتيور" إنّ "الدولة في عهد الرئيس الراحل عبد الناصر كانت تستطيع أن تستخدم الفنّ وتحقّق نتائج على أرض الواقع، بسبب محدوديّة وسائل الإعلام، فالتلفزيون المصريّ لم تكن فيه إلّا قناتان فقط، والراديو كان أهمّ وسيلة إعلاميّة وقتها، لذلك كان التأثير قويّاً، أمّا في عهد الرئيس السيسي فهناك عدد كبير من القنوات الفضائيّة، ومن حقّ المشاهد أن يتجاهل أيّ عمل فنّيّ له أهداف سياسيّة أو أغراض تخصّ الدولة".

وتكمل موريس أنّ "الفنّان من حقّه أن يعبّر عن رأيه السياسيّ في عمل فنّيّ، من دون أن يكون هدف هذا العمل نفاق النظام الحاكم، فمثلاً الفنّان رمضان استغلّ فترة تجنيده في الجيش المصريّ، وقدّم عملاً فنّياً عن حياة الصاعقة وتجربته فيها".

ترى السلطة دائماً الفنّ وسيلة عرض لها تبرز إنجازاتها وتبرّر إخفاقاتها، وتستغلّ السلطة الفنّانين الذين يحظون بشعبيّة وسط المواطنين، لكنّ السلطة التي تحظى بشعبيّة على أرض الواقع قد لا تلجأ كثيراً إلى الفنّ، ولا تحتاج إلى وسيط يقرّبها من المحكومين.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : film, music, umm kulthum, artists, art, gamal abdel nasser, abdel fattah al-sisi
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept