نبض مصر

فتوى على الطريق: الأزهر يقيم أكشاكاً في محطات المترو في القاهرة

p
بقلم
بإختصار
في حين أعلن الأزهر أن الهدف من الكشك الذي أنشأه مؤخراً لتقديم الفتاوى إلى ركّاب المترو هو التصدّي للتطرف، يرى فيه البعض مؤشراً عن ازدياد التديّن في البلاد.

يحصل الركّاب الذين يمرّون عبر محطة مترو الشهداء في وسط القاهرة، وهي من المحطات الأكثر ازدحاماً في شبكة مترو القاهرة، على خدمة جديدة تترافق مع الركوب في القطارات السريعة: إنها خدمة الفتاوى التي يقدّمها الأزهر من دون مقابل مادّي.

يجلس إمامان من المؤسسة الأقدم والأكثر هيبةً في الإسلام السنّي خلف مكتب في كشك صغير رُفِعت فوقه لافتة كُتِب عليها "لجنة الفتوى"، ويقدّمان التوجيهات والنصائح الدينية إلى الركّاب الذين يلجأون إليهما، وذلك في إطار ما يصفه الشيخان بأنه محاولة "للتصدّي للتطرف".

هذا الكشك هو الأول في سلسلة من الأكشاك التي ينوي الأزهر إقامتها في محطات المترو في القاهرة خلال الأشهر المقبلة. هذا المشروع هو من بنات أفكار محي الدين عفيفي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية التابع لمؤسسة الأزهر، والذي يأمل "بجعل الأزهر أقرب إلى الناس"، وفقاً للشيخ علي مصطفى، وهو أحد الإمامَين اللذين كانا يعملان في كشك الفتاوى في مناوبة بعد الظهر خلال زيارة "المونيتور" إلى المكان. يفتح الكشك، الذي بدأ العمل في 17 تموز/يوليو الجاري، أبوابه من التاسعة صباحاً حتى الثامنة مساءً يومياً. وقد روى مصطفى: "منذ إطلاقه، عرّج عليه مئات الركّاب الفضوليين لإلقاء التحية علينا وطرح الأسئلة حول مجموعة من المسائل الدينية بدءاً من الأحكام المتعلقة بالزواج والطلاق وصولاً إلى التأمين على الحياة والإلحاد".

وقال الإمام الثاني، الشيخ أحمد رمزي، لموقع "المونيتور": "أبدى الجمهور تجاوباً هائلاً. ثمة تعطّش حقيقي لاكتساب المعرفة حول المسائل الدينية".

أضاف: "نحن موجودون لتوضيح الأمور من أجل التخلص من الأفكار المغلوطة عن الدين، لا سيما على ضوء المجموعة الكبيرة من الأساطير والمعلومات الخاطئة التي يجري نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية الدينية المرتبطة بمجموعات متشدّدة".

تشاورَ رمزي، الذي يرتدي قفطاناً إسلامياً تقليدياً، مع زميله قبل الإجابة عن سؤال وجّهته إليه راكبة محجّبة تدعى هاجر صلاح، 18 عاماً، عن رأي الشريعة في ممارسة رياضة التايكوندو في مكان مختلط.

سألها الشيخ: "هل تشتمل هذه الرياضة على احتكاك جسدي بالجنس الآخر؟ إذا كان الجواب كلا، فلا بأس بذلك"، لكنه سرعان ما أردف محذّراً: "شرط أن ترتدي لباساً رياضياً فضفاضاً لا يكشف عن جسدك". بعد سماع الفتوى، توجّهت هاجر لركوب قطار يقترب من المحطة، وقد بدت عليها بوضوح علامات الارتياح لأن الشيخ قال لها إنه بإمكانها الاستمرار في ممارسة الرياضة التي تحبّها.

بدأ الركّاب يتجمّعون في طابور صغير أمام الكشك، وراحوا ينتظرون دورهم بصبر للجلوس مع شيخَي الأزهر وطرح الأسئلة عليهما.

قالت حنان عبد البديع، وهي أم لثلاثة أولاد تستخدم المترو في تنقلاتها، لموقع "المونيتور": "جاء إطلاق الكشك في الوقت المناسب. تجد المجموعات المتطرفة سهولة في تجنيد الشباب لأنهم لا يعرفون الكثير عن دينهم. وهذا الجهل يجعل منهم أهدافاً سهلة".

كذلك أعرب محمد عبد المقصود، وهو رجل متوسط العمر يتنقل في المترو ذهاباً وإياباً من عمله في وزارة الأوقاف، أنه يرحّب بالفكرة، ولو لسبب مختلف: "معظم الأشخاص منشغلون، وفي معظم الأحيان لا تتسنّى لهم فرصة التشاور مع الشيوخ حول الشؤون الدينية. بهذه الطريقة باتت المعرفة متاحة، وأكثر من ذلك، الاستشارات خاصة".

في حين أن الاستشارات تتم على أساس فردي، ما يضمن درجة من السرّية، يُطلَب من الزوّار توقيع أسمائهم وتدوين أرقام هواتفهم وأرقام بطاقات الهوية في كتاب السجلات الضخم الموضوع على المكتب في الكشك المصنوع من الزجاج والمعدن – وقد أثارت هذه الخطوة القلق لدى المشكّكين الذين يفضّلون عدم الكشف عن هويتهم. غير أن الشيوخ يصرّون على أنه إجراء "ضروري".

في هذا الإطار، يقول الشيخ سيد توفيق، رئيس لجنة الإرشاد الديني بالقاهرة التابعة لمجمع البحوث الإسلامية: "أحياناً ثمة حاجة إلى إجراء بحوث إضافية أو تنكشف لنا وقائع جديدة. يجب أن تكون إحداثيات الزوار بحوزتنا كي نبقيهم على اطلاع على المستجدّات".

غير أن الليبراليين يرون في الأكشاك مؤشراً عن ازدياد التديّن، ومحاولة من الأزهر لفرض القيم الدينية والمواعظ الأخلاقية على الرأي العام.

قال أحد ركّاب المترو لموقع "المونيتور" طالباً عدم الكشف عن هويته: "خلال حكم الرئيس الإسلامي محمد مرسي الذي استمر عاماً واحداً، اشتكى الليبراليون في مصر من أن جماعة الإخوان المسلمين التي أصبحت محظورة الآن، تقوم بـ’أسلمة‘ البلاد. هذا بالضبط ما تفعله الحكومة الراهنة – التي يُنظَر إليها على نطاق واسع بأنها علمانية - إلا أن قلّة من الليبراليين تُبدي اعتراضها. ليس المترو مكاناً للدين؛ يجب أن يبقى الدين محصوراً فقط داخل جدران المساجد".

يشتكي عدد كبير من الليبراليين المصريين من أن تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي عن تحديث التفكير الإسلامي ليست "أكثر من مجرد كلام مخادع". كتب الناشط الحقوقي بهي الدين حسن الذي يوجّه انتقادات جريئة لنظام السيسي، في تغريدة عبر موقع "تويتر"، أن الأكشاك هي "محاولة جديدة من الحكومة لاستقطاب السلفيين الشديدي المحافظية"، محذّراً من مغبة أن ترتدّ هذه الإجراءات بنتائج عكسية لأنها "تتسبب بتقويض خطير لشعبية السيسي".

وقد أبدت سحر نقي، وهي مسيحية وشمت صليباً على معصمها وكانت تستعد لركوب المترو للتوجّه إلى مكتبة الكاتدرائية حيث تعمل مندوبة مبيعات، اعتراضها على الفكرة واصفةً إياها بأنها "تمييزية" وتنمّ عن "تحيّز مباشر وصادِم".

أضافت: "هل تتخيّلون كيف يمكن أن يكون رد الفعل لدى الجمهور لو أن رجال دين مسيحيين جلسوا لتقديم المشورة إلى المؤمنين المسيحيين في مكان عام؟ جل ما نريده هو معاملتنا على قدم من المساواة في بلادنا".

يأتي إطلاق الكشك في أعقاب سلسلة من الإجراءات الأخرى التي اتخذتها مؤخراً إدارة المترو وأثارت حفيظة البعض. الشهر الماضي، خلال شهر رمضان الذي يصوم فيه المسلمون، بثّت محطة الإذاعة الداخلية التابعة لشبكة المترو دروساً دينية لمدّة نصف ساعة يومياً إبان صلاة العصر. وقد اتخذت إدارة المترو قراراً بمواصلة بث الدروس بعد انتهاء الشهر الفضيل، بسبب "شعبية البرنامج الواسعة"، على حد تعبير رمزي.

فضلاً عن ذلك، خُصِّصت مساحة صغيرة لأداء الصلاة في بعض محطات المترو الأساسية. يعتبر بعض الليبراليين المصريين أن هذه الخطوات "مؤشر عن نزعة مقلقة تدلّ على ازدياد التديّن"، وقد أثارت أكشاك الفتاوى سجالاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

كتب هشام قاسم عبر صفحته على موقع "فايسبوك": "الدين لله والمترو للجمهور".

كذلك أبدى المشترع الموالي للحكومة، محمد أبو حامد، الذي اقترح في الأشهر الأخيرة مشروع قانون على مجلس النواب لإصلاح الأزهر يتضمن تحديد مدّة ولاية الإمام الأكبر، اعتراضه على إطلاق الكشك. فقد سأل في تغريدة نشرها في 20 تموز/يوليو: "كيف يمكن للدولة أن تسمح بمثل هذه الخطوة السطحية والفضائحية التي تعكس عجز الأزهر عن فهم الحاجة إلى إصلاح التفكير الإسلامي ولا تؤدّي سوى إلى تأكيد أن المؤسسة بعيدة كل البعد عن الواقع الذي نعيشه؟"

يُشار إلى أن الأزهر، الذي يجد نفسه حالياً في صلب صدام بين السياسة والدين بعد الدعوات التي وجّهها السيسي لإجراء إصلاحات دينية، أبدى مقاومة شديدة لأي محاولات تقوم بها جهاتٌ من خارج المؤسسة الدينية لإملاء المسار الذي يجب أن يسلكه الخطاب الديني. ففي كانون الثاني/يناير الماضي، رفضت هيئة كبار العلماء في الأزهر رفضاً قاطعاً اقتراح السيسي إبطال الطلاق الشفوي المعمول به في الدين الإسلامي، واصفةً الاقتراح بأنه "يتنافى مع الإسلام". وبعدما انتقد الباحث الليبرالي إسلام البحيري كتب الفقه السنّية معتبراً أنها "تشجّع على التطرف"، حُكِم عليه بالسجن عاماً واحداً العام الماضي بتهمة "التجديف" بعدما أثار كلامه رد فعل شديد الغضب لدى الأزهر. قال إمام من الأزهر مؤيّد للإصلاح لموقع "المونيتور" طالباً عدم الكشف عن هويته لأنه لا يُسمَح له بالتحدث إلى الصحافة، إن إطلاق أكشاك الفتاوى هو "محاولة أخيرة من الأزهر لتبييض صورته الملطّخة وتثبيت سلطته في أعقاب الاتهامات المتزايدة الموجَّهة إليه عن تغذيته للتطرف، وعلى خلفية ما يعتبره تدخلاً في شؤونه الداخلية".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : fatwa, al-azhar, cairo, metro, abdel fattah al-sisi, religion and state, islam
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept