نبض سوريا

الأهداف الجيوسياسيّة للسباق إلى شرق سوريا

p
بقلم
بإختصار
تثير التطوّرات السريعة بين مختلف أطراف الحرب في سوريا التساؤلات حول الأهميّة الجيوسياسيّة للمنطقة الشماليّة الشرقيّة.

مع مضيّ الحرب على تنظيم الدولة الإسلاميّة على قدم وساق، يبدأ السباق للسيطرة على شرق سوريا حيث تقوم القوى الإقليميّة والدوليّة بمناورات في المناطق الصحراويّة الممتدّة من الشمال إلى الجنوب بمحاذاة الحدود العراقيّة. وتتقاتل القوى المدعومة دوليًّا وإقليميًّا للسيطرة على هذا الامتداد الصحراويّ الثمين. فما هي الحسابات الجيوسياسيّة لمختلف الفصائل في تلك المنطقة؟

خلال الأسابيع الأخيرة، أحرزت القوّات السوريّة النظاميّة تقدّمًا في ثلاث مناطق في وسط وشرق سوريا، في شرق حلب باتجاه محور الرقّة وفي دير الزور وقاعدة التنف بالقرب من النقطة الحدوديّة الأردنيّة العراقيّة. في الوقت عينه، تحرز قوّات سوريا الديمقراطيّة بقيادة الأكراد والمدعومة من الولايات المتّحدة تقدّمًا في معقل تنظيم الدولة الإسلاميّة في الرقّة، في حين اشتبكت قوّات التحالف الدوليّ بقيادة الولايات المتّحدة مع ميليشيات موالية للنظام في منطقة التنف. كما تحاول إيران الدفع من الجانب الآخر من الحدود في قضاء البعاج غربيّ العراق.

قال الخبير بالشؤون السوريّة في معهد واشنطن فابريس بالانش إنّ "الأهميّة الجيوسياسيّة للشرق السوريّ ذات شقيّن. أولًا، تجدر الإشارة إلى أنّ ثلثي الثروة النفطيّة السوريّة موجودة في تلك المنطقة الغنيّة أيضًا بالموارد الغازيّة. ثمّ إنّ المنطقة تعتبر ممرًّا عبر العراق لإيران إلى سوريا من خلال محوري سنجار – تلعفر – الحسكة في الشمال وتدمر في الجنوب". وأضاف بالانش أنّ الحسابات الاقتصاديّة للنظام السوريّ إلى جانب النفط والغاز تشمل إعادة فتح طرق تجاريّة ذات أهميّة عالية كالطريق الدوليّ الذي يصل بغداد بدمشق.

حاليًّا، ثمّة طرفان يضعان أعينهما على المنطقة الشماليّة الشرقيّة في سوريا وتحديدًا حول مدينة الرقّة الاستراتيجيّة. فبعد إسقاط الولايات المتّحدة طائرة للنظام، اشتبكت قوّات سوريا الديمقراطيّة للمرّة الأولى مع قوّات الجيش السوري شمال الرقّة. وفي 13 حزيران / يونيو الجاري، كانت قوات سوريا الديمقراطيّة قد سجّلت تقدّمًا كبيرًا حول مدينة الرقّة مسيطرةً على مناطق عدّة كالقاعدة العسكريّة للواء السابع عشر ومصنع السكّر.

كما أحرزت القوات السورية النظاميّة تقدّمًا في المنطقة أيضًا، فتمكّنت بقيادة وحدات النخبة في حزب الله اللبنانيّ من السيطرة على 1200 كيلومتر مربّع في محافظة الرقّة بما في ذلك استعادة مطار الثورة في 15 حزيران / يونيو الجاري. كما شنّت فرقة النمر في الجيش السوري هجومًا واسعًا في ريف الرقّة الغربيّ حيث سيطرت على عدد من القرى بالإضافة إلى تقاطع الرصافة. وقال بالانش أنّه في الشمال الشرقيّ "يشعر النظام أنّه بإمكانه ممارسة الضغط على الأكراد للتوصّل إلى عقد اتفاق لتقاسم السلطة معهم. فالنظام أجبر الأكراد على التخلّي عن سدّ الثورة".

بتغطية جويّة روسيّة، يندفع النظام أيضًا باتجاه ريف تدمر الجنوبي الشرقي مستهدفًا منطقة بئر البادية بالقرب من محطة الضغط T-3. وأضاف بالانش أنّ "الأولويّة بالنسبة إلى روسيا هي حماية سلامة الأراضي السوريّة ما يفسّر دعمها للقوّات النظاميّة شرق سوريا".

إنّ استعادة مدينة تدمر سيسمح للنظام بالتقدّم نحو الشرق باتجاه معقل آخر للدولة الإسلاميّة وهو دير الزور. ويبدو أنّه يتمّ تنسيق العمليّة بالتعاون مع هجمات الحشد الشعبي المدعوم من إيران عبر الحدود بالقرب من سنجار والبعاج.

في مقابلة مع الباحث أيمن جواد التميمي في 10 حزيران / يونيو الجاري، قال مساعد المسؤول عن الملف السوري في الميليشيا الشيعيّة العراقيّة سرايا الجهاد مصطفى الياسري إنّه "تمّت السيطرة على منطقة البعاج الواقعة على الحدود مع سوريا من قبل القوّات العراقيّة والحشد الشعبيّ".

بالنسبة للخبير بالشأن السوري في مركز كارنيغي في الشرق الأوسط يزيد الصايغ، تقوم إيران بدعم النظام في شرق سوريا أيضًا من خلال حثّ قوّات الحشد الشعبي على إعلان استعدادها للانضمام للقتال في شرق سوريا. وقال الصايغ للمونيتور إنّه "في الواقع، لن تزيد إيران من شكل أو مستوى تدخّلها أو تعرّض نفسها لخطر المواجهة المباشرة مع القوّات الأميركيّة في وقت يبحث فيه دونالد ترامب عن أعذار لإعادة فرض عقوبات على إيران وشدّ الخناق عليها".

وأضاف أنّه لا يوجد أي فصيل قوي بما فيه الكفاية للوصول إلى محافظة دير الزور والسيطرة على مدنها، "لا النظام ولا غيره خاصّة الجماعات المعارضة المدعومة من الولايات المتّحدة".

كما ثمّة منطقة أخرى للتنافس بين مختلف القوى وهي منطقة التنف الاستراتيجيّة التي تشهد تصعيدًا واضحًا بين جميع الأطراف. فقوات التحالف بقيادة الولايات المتّحدة تقوم بتدريب الميليشيات المحليّة هناك. في 8 حزيران / يونيو الجاري، أسقط الجيش الأميركي طائرة بدون طيّار في التنف كانت قد هاجمت قوات التحالف. وفي وقت سابق في 6 حزيران / يونيو الجاري، استهدفت قوات التحالف بقيادة الولايات المتّحدة موكب تابع للميليشيات الموالية للنظام.، وفي 18 أيّار / مايو الماضي، ضرب التحالف موكب تابع للميليشيات الموالية للنظام كان قد حاول الاقتراب من قاعدة التنف.

قال بالانش أنّ "الأولويّة بالنسبة إلى الولايات المتّحدة تتمثل في صدّ تقدّم تنظيم الدولة الإسلاميّة والتوسّع الإيراني من العراق إلى سوريا". أمّا هدف طهران الرئيسي فيتمثّل بإنشاء ممرّ يربط طهران ببيروت. 

ويبدو أنّ روسيا تحاول الموازنة بين التجاذبات المتزايدة في المنطقة. وقال المحلل في الشأن السوري آرون لوند في 30 أياّر / مايو الماضي إنّ الردّ الروسي على الضربة الجويّة في 18 أيار / مايو الماضي كان خجولًا نسبيًّا حيث أكّد نائب وزير الخارجيّة سيرغي ريابكوف أنّ التحالف استهدف ميليشيا وليس فصيل تابع للجيش المدعوم من روسيا.

وقال الصايغ إنّه ما زال من غير الواضح ما تسعى الولايات المتّحدة وروسيا إلى تحقيقه في شرق سوريا. روسيا تريد حلًّا سياسيًّا في سوريا وبالتالي قد لا تستثمر موارد كبيرة في الشرق ما لم يظهر النظام استعدادًا للقبول بحلّ دبلماسيّ. ولا تملك الولايات المتّحدة سياسة محددة في سوريا، لكن إدارة ترامب أعطت القيادة العسكريّة الأميركيّة حريّة التصرّف كما تراه مناسبًا في الحرب ضدّ الدولة الإسلاميّة، وبالتالي تسعى هذه القيادات إلى توسيع العمليّات في الشرق. لكنّ الصايغ أضاف أنّ القوّات الأميركيّة لن تشارك في معارك السيطرة على بلدات دير الزور كقريتي بو كمال والميادين بشكل مباشر.

إنّ لعبة الشطرنج التي تجري في شرق سوريا بين عدد كبير من القوى المتنافسة قد تضفي طابعًا رسميًّا على صفقة التخفيف من التصعيد التي وضعتها روسيا والتي تهدف إلى فرض وقف للأعمال العدائيّة في بعض المناطق كجزء من حمص ودمشق وجنوب سوريا وإدلب. وقال بعض الخبراء ومن ضمنهم لوند أنّ الخطّة المتّفق عليها في أستانا في 9 أيّار / مايو الماضي قد تعيد شبح التقسيم إلى سوريا من خلال فرض صراع مجمّد تبقي بموجبه مختلف الفصائل على سيطرتها على أراضيها، وهو أمرٌ يساهم في عمليّة التحلّل السريع لسوريا كدولة ذات هويّة قوميّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : syrian civil war, us-iranian conflict, russian influence in syria, iranian intervention, deir ez-zor, desert, al-tanf, pmu

منى العلمي صحفيّة فرنسيّة لبنانيّة، وزميلة غير مقيمة في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي. تكتب العلمي حول المسائل السياسية والاقتصاديّة في العالم العربي، بالتحديد في الأردن، ومصر، ولبنان، وسوريا، والسودان والإمارات العربية المتّحدة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept