نبض الخليج

الكلفة الطّويلة الأمد المترتّبة على إعادة تنظيم الخلافة السّعوديّة

p
بقلم
بإختصار
استبدل الملك السّعودي ابنه المفضّل محمد بن سلمان بخلفه محمد بن نايف في خطوة لم تكن مفاجئة تمامًا، لكن ربّما أتت في توقيت سيّئ بالنّسبة إلى استقرار السّعوديّة.

إنّ قرار الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود تنحية وليّ العهد محمد بن نايف وتعيين ابنه المفضّل، وزير الدّفاع محمد بن سلمان، هو خطوة متوقّعة منذ وقت طويل، وهذا يطرح تساؤلات عميقة بشأن الاستقرار المستقبلي لأقدم حلفاء الولايات المتّحدة في الشّرق الأوسط.

هذه المرّة الثّانية التي يقوم فيها الملك السّعودي بتنحية وليّ العهد، في خطوة غير مسبوقة في المملكة. فمنذ سنتين، خلع سلمان أخاه غير الشّقيق الأمير مقرن بدون مبرّر وعيّن محمد بن نايف. وبهذه الخطوة الأخيرة، يكون قد أصبح محمد بن سلمان، 31 عامًا، التّالي في خطّ اعتلاء العرش.

لأكثر من نصف قرن، بقي خطّ الخلافة في المملكة أفقيًا بحيث ينتقل الحكم بين أبناء مؤسّس المملكة الحديثة، الملك عبد العزيز. وقد أدّت هذه العمليّة إلى نتائج ثابتة، وشرعيّة ويمكن التّنبّؤ بها، لكنّ نهايتها كانت حتميّة. وبتنحية مقرن، سرّع الملك سلمان لحظة الحقيقة. تخطّى سلمان الآن جيلاً في عمليّة الخلافة، منتقلاً إلى أحفاد ابن سعود. وأعلن الدّيوان الملكي أنّ أكثريّة (31 من أصل 34) النّسل الحيّ لابن سعود (أعضاء هيئة البيعة) وافقت على التّغيير.

كان محمد بن نايف وزير الدّاخليّة النّافذ لعقد من الزّمن، مشرفًا على بيروقراطيّة من مليون رجل حاربت الإرهاب والمعارضة بدون رحمة. وكانت "الدّولة العميقة" قاعدة سلطة محمد بن نايف لكنّ الملك واظب على تقليص دوره. فسحب سلمان قبل بضعة أيّام فقط صلاحيّة التّحقيق والادّعاء من الوزارة. وبرزت تساؤلات أيضًا حول الوضع الصّحّي لمحمد بن نايف منذ نجاته من محاولة اغتيال على يد تنظيم القاعدة في العام 2009؛ فقد عانى اكتئابًا شديدًا لدرجة أنّه أمضى أكثر من شهر في الجزائر العام الماضي رافضًا الكلام ومغفلاً مهامه.

تجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ صحّة الملك هي موضع شكّ على حدّ سواء. في عمر يناهز 81 عامًا، حافظ سلمان هذا العام على جدول أعمال حافل حتّى الآن، فسافر لشهر إلى آسيا، وحضر القمّة العربيّة في عمان، واستقبل الرّئيس الأميركي و50 قائدًا مسلمًا في قمّة عُقِدت في الرّياض؛ علمًا أنّه يعاني الخرف وغالبًا ما يأخذ إجازات طويلة.

تابع محمد بن سلمان دراسته في السّعوديّة، وهو طموح ويتمتّع بشعبيّة بين الشّباب السّعودي؛ وهو يحظى باهتمام الرّأي العام ويعزّز صورته في الإعلام الغربي. جعل من نفسه مُصلِحًا يسعى إلى الحدّ من اعتماد المملكة على دخل النّفط. ووضع "رؤية المملكة العربيّة السعوديّة 2030"، التي تعد بإصلاحات اقتصاديّة كفتح شركة النّفط الوطنيّة أرامكو على الاستثمار الخارجي المحدود. بالإضافة إلى ذلك، دعم محمد التّغييرات الثّقافيّة الشّعبيّة كالسّماح بالحفلات الموسيقيّة وغير ذلك من الأنشطة التّرفيهيّة، ما أثار انتقادًا صامتًا من المؤسّسة الدّينيّة النّافذة.

كانت مبادرة محمد بن سلمان للسّياسة التي تحمل توقيعه هي الحرب في اليمن المستمرّة منذ عامين ونصف العام، والتي كان هو مهندسها. تشكّل الحرب كارثة على المملكة، والمنطقة وبخاصّة الشّعب اليمني. فبدلاً من نصر سريع وحاسم، كلّ ما حقّقه السّعوديّون هو الجمود والأزمات. أثبت الجيش السّعودي أنّه عاجز عن هزم خصمه اليمني الأقلّ تجهيزًا وتسليحًا بكثير، وما زال الثوار الحوثيّون وحليفهم الرّئيس السّابق علي عبدالله صالح يفرضون سيطرتهم على العاصمة والجزء الأكبر من شمال اليمن؛ دمّروا عددًا كبيرًا من القرى السّعوديّة على طول الحدود، وأطلقوا صواريخ على مدن سعوديّة. أمّا حليفتهم إيران فتستمتع بمشاهدة السّعوديين ينفقون المليارات في حرب ضدّ أفقر بلد في العالم العربي.

الجدير بالذّكر أنّ الحرب قوّضت تحالفات المملكة التّقليديّة. رفضت باكستان الطّلبات المتكرّرة بإرسال قوّات لمحاربة الحوثيّين. وكذلك عمان اختارت البقاء خارج الحرب. أمّا مصر فتقدّم مساعدة رمزيّة فحسب. بالنّسبة إلى اليمنيّين، سبّبت الحرب مجاعة ضخمة، وانتشرت الكوليرا. ونتيجة للحرب، يموت طفل كلّ 10 دقائق، ويواجه 7 ملايين شخص خطرًا شديدًا. وقد وصفت الأمم المتّحدة الأزمة كأسوأ كارثة إنسانيّة منذ العام 1945.

سبّبت الدّبلوماسيّة السّعوديّة أيضًا أزمة في مجلس التّعاون الخليجي بمحاولتها عزل قطر بعد قمّة الرياض. فأدّت هذه الخطوة إلى تمزيق هيكل التّحالف السّعودي التّقليدي. هبّت تركيا لدعم قطر، وتتصرّف إيران كحليفة لقطر، في وقت تقف فيه باكستان وعمان على الحياد من جديد.

المملكة العربيّة السّعوديّة هي مَلَكِيّة مطلقة وثيوقراطيّة حيث يتمتّع الملك بسلطة وسيطرة كاملتين. ومن المرجّح أن يسبّب اختياره لابنه المفضّل انزعاجًا وتذمّرًا صامتين داخل العائلة والمؤسّسة الدّينيّة، لكنّ أحدًا لن يعترض على القرار. لكنّ الأكثر إثارة للقلق هي التّكاليف الطّويلة الأمد للإخلال بخطّ الخلافة وسط انخفاض أسعار النّفط والتوتّرات الإقليميّة. فالأمير الشّاب يستعدّ لأن يرث مملكة ترزح تحت ضغوط داخليّة وخارجيّة.

وجد في : yemeni civil war, qatari isolation, saudi war on yemen, saudi royal family, salman bin abdul-aziz al saud, saudi succession, mohammed bin nayef, mohammed bin salman
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X