نبض الخليج

مخاطر كبيرة على الكويت بسبب وساطتها في الأزمة القطريّة

p
بقلم
بإختصار
أكّدت الكويت التزامها الحياد في الأزمة القطريّة، لكن هناك الكثير على المحكّ.

فرضت الكويت نفسها كالوسيط الرّئيسي في الأزمة القطريّة المستمرّة منذ ثلاثة أسابيع، فبعد أن قامت ثلاث من دول مجلس التّعاون الخليجي، وهي البحرين، والسّعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة، بقطع العلاقات الاقتصاديّة والدّبلوماسيّة مع الدّوحة في وقت سابق من الشّهر الحالي، التزمت الكويت (وكذلك عمان) بدور محايد في الخلاف، وسارع الأمير صباح الأحمد الجابر الصباح لتأدية دور المفاوض في الخلاف المتصاعد.

يجب ألا يكون "الحياد" الذي التزمته الكويت في خلاف مجلس التّعاون الخليجي مفاجِئًا نظرًا إلى سجلّ البلاد الحافل بالسّعي إلى سدّ الفجوات بين الأطراف المتعارضة في الأزمات الإقليميّة. وإنّ جهودها العام الماضي لإنهاء الحرب الأهليّة اليمنيّة من خلال استضافة عدد من الاجتماعات التي جرت برعاية الأمم المتّحدة وجمعت بين قادة الفصائل المتحاربة، سلّطت الضّوء على النّهج الدّبلوماسي الذي تعتمده الدّولة الخليجيّة العربيّة إزاء النّزاعات المستعرة في الشّرق الأوسط، مع أنّ المحادثات لم تكن مثمرة.

ومع أنّ نجاح وساطة الكويت في الأزمة القطريّة ليس مضمونًا، نجد إجماعًا عامًا في الشّرق الأوسط على أنّ الأمير صباح الأحمد هو القائد صاحب الفرص الأفضل في المنطقة للتفاوض على حلّ سريع للخلاف القائم؛ فأمير الكويت يُعَدّ وسيطًا محترمًا وحكيمًا في كافة أنحاء المنطقة نظرًا إلى سنّه، وترتيبه في قيادة مجلس التّعاون الخليجي وشغله منصب وزير خارجيّة البلاد (1965-2003) ورئيس الوزراء (2003-2006).

في بداية تسعينيّات القرن الماضي، بدأت الكويت ترى في إيران حصنًا ضدّ العدوان العراقي، وحافظت منذ ذلك الحين على علاقات طبيعيّة نسبيًا مع طهران؛ وهذه العلاقات مع إيران تسمح للكويت بأن تشكّل جسرًا دبلوماسيًا بين السّعودية وباقي الدّول العربيّة السنيّة من جهة، وطهران من جهة أخرى. وفي 25 كانون الثاني/يناير، اضطلعت الكويت بمثل هذا الدّور عندما قام وزير خارجيّتها، الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح، بالسّفر إلى طهران لتسليم رسالة من الأمير إلى الرّئيس حسن روحاني ووزير الخارجيّة محمد جواد ظريف. واختُتِمت الزّيارة النّادرة من نوعها بإعلان كويتي باسم مجلس التّعاون الخليجي بأنّ إيران والدّول الخليجيّة العربيّة عليها العمل على إصلاح العلاقات.

في النّهاية، تحافظ الكويت على توازن دقيق في ما يتعلّق بإيران، فالضّغط الذي تمارسه السعوديّة ودول مجلس التّعاون الخليجي الأخرى يحدّ من قدرة الكويت على تعميق علاقاتها مع إيران، كما أكّدته الأحداث التي جرت في بداية العام 2016، بعد إعدام السّعوديّة لرجل دين شيعي واقتحام السفارة السعوديّة في طهران في أعقاب ذلك، ما دفع بالكويت إلى استدعاء سفيرها من طهران تضامنًا مع الرياض؛ ولم يعد السّفير بعد مع أنّ العلاقات الدّبلوماسيّة قائمة بين الكويت وإيران.

مع ذلك، يدفع الوضع المذهبي داخل الكويت بالحكومة إلى تجنّب الوقوف بالكامل في صفّ الرياض في ما يتعلّق ببعض القضايا الإقليميّة الخلافيّة داخل المجتمع الكويتي، إذ يشكّل الشيعة قرابة ثلث السّكّان وهم موالون ومؤيّدون لآل صباح. على سبيل المثال، وللحدّ من خطر تزايد التوتّرات المذهبيّة في البلد، اقتصر الدّعم العسكري الكويتي لأسرة آل خليفة الحاكمة في البحرين أثناء الاضطرابات في مشيخة الجزيرة في العام 2011 على نشر القوّات البحريّة في البحرين على الرّغم من دعوة أعضاء البرلمان السّلفيّين للانضمام إلى السعودية والإمارات العربيّة المتّحدة في إرسال قوّات بريّة إلى البحرين لمواجهة المحتجّين الشّيعة في الشّارع.

ولدى اندلاع الأزمة القطريّة، سارعت الكويت إلى الإعلان عن موقفها الحيادي وعرضت في الوقت عينه خدماتها كوسيط في الخلاف. فالتقى الأمير مسؤولين سعوديّين وإماراتيّين في جدة ودبي يومي 6 و7 حزيران/يونيو قبل توجّهه إلى الدوحة لمناقشة المسألة مع القادة القطريّين. وكوسيط هذا الشّهر، تلقّى أمير الكويت دعمًا من عدد من الدّول، بما في ذلك الولايات المتّحدة، وعمان، والمغرب والسودان.

في نهاية المطاف، يبقى أن نرى ما إذا كانت وساطة الأمير والمفاوضات التي أجراها ستحقّق تقدّمًا في المحادثات الهادفة إلى استعادة العلاقات المقطوعة في الأزمة القطريّة، مع العلم أنّ القائمة المؤلّفة من 13 مطلبًا والصّادرة في 23 حزيران/يونيو عن البحرين، ومصر، والسّعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة من أجل حلّ الأزمة، فضلاً عن إطالة هذا الخلاف، تقلّصان احتمالات التوصّل إلى حلّ سريع، ما يترك الأمير أمام تحدّ كبير في التوسّط كقائد "حيادي" في الخلاف. ومن الصّعب تخيّل قبول الدوحة بقائمة مطالب خصومها.

إذا وضعنا الصّعوبات على حدة، نرى أنّ الكويت لها مصالح خاصّة في حلّ الأزمة القطريّة. فمع تصميمها على الحفاظ على علاقات جيّدة مع قطر وكذلك مع السّعودية وحلفائها الواقفين في صفّ الرياض من حيث معاقبة الدوحة، تسعى الكويت إلى تحسين سمعتها في المنطقة وحول العالم كمحكّم دوليّ يسهم في الحلّ السّلمي للنّزاعات في الشّرق الأوسط.

أظهرت تجربة الكويت في خلال الاحتلال العراقي كيف أنّ فشل الكويت في موازنة موقفها الجيوسياسي بين جيرانها الأكبر والأقوى عرّض البلاد لأخطر أزماتها منذ الاستقلال. واليوم، تشكّل الكويت وسيطًا في المنطقة كما أشرنا سابقًا بهدف تخفيف حدّة التوتّرات التي تهدّد أمن البلاد ومصالحها الطّويلة الأمد. بالنّسبة إلى الكويت، إنّ مخاطر استمرار الأزمات بالتّصاعد تطرح تهديدًا كبيرًا تفضّل عائلة آل صباح المالكة تفاديه.

مع الأزمة القطريّة التي ما زالت تختمر، انصبّ التّركيز على العواقب المترتّبة على طرفي النّزاع، لكنّ المخاطر عالية أيضًا بالنّسبة إلى أولئك الموجودين في الوسط، بما في ذلك الوسيط الأساسي: الكويت. إذا نجحت الكويت في مسعاها، من الأرجح أن يتعزّز مركزها كمحكّم دولي؛ لكن إذا فشلت جهود الوساطة التي يبذلها الأمير في حلّ خلاف مجلس التّعاون الخليجي، واستمرّت الأزمة القطريّة أطول ممّا يجب، قد تجد الكويت نفسها ضعيفة أكثر فأكثر أمام خطوط الصّدع الجيوسياسيّة الجديدة التي تحرّض دول الخليج العربي واحدة ضدّ الأخرى. فإذا أدّى استهداف الدوحة من قبل السّعوديّين، والبحرينيّين والإماراتيّين إلى دفع قطر أكثر باتّجاه إيران، قد تتعرّض الكويت لضغوط أكبر من حلفائها في مجلس التّعاون الخليجي للتخلّي عن موقفها الحيادي واختيار فريق في نهاية المطاف.

ساهم جيس شاتز في إعداد هذا التّقرير.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X