نبض فلسطين

الغزالي مقدسيّ أحبّ الفسيفساء الإيطاليّة فجسّدها في منزله برفقة زوجته

p
بقلم
بإختصار
يعمل المواطن المقدسي سعيد الغزالي على إحياء فن "الفسيفساء" ويقيم داخل منزله معرضاً لعرض العمال التي يعدها ، برفقة زوجته.

مدينة غزة، فطاع غزة - من يزور منزل المواطن سعيد الغزالي في بلدة سلوان بجنوب المسجد الأقصى في مدينة القدس، يظنّ أنّه يتجوّل في أحد أحياء العاصمة الإيطاليّة روما، إذ رصّع جدران منزله بلوحات أثريّة من الفسيفساء التي صنعها بيده، ناقلاً بذلك تراث العمارة في روما وفنونها بعد زيارته لها قبل 6 أشهر.

وفي بداية نيسان/إبريل من عام 2017، وبعد عمل متواصل ابتدأه في بداية العام الحالي، تمكّن الغزالي من تحويل منزله إلى متحف للفسيفساء الإيطاليّة، ليعيد بذلك إحياء هذا الفنّ بعد اندثاره في فلسطين، وعدم الاهتمام به من قبل المواطنين.

وتعدّ الفسيفساء أحدى الفنون القديمة جدّاً، التي استخدمت في أرضيّات المباني في روما قبل آلاف السنوات، واهتمّت بتفاصيل الأشياء والخوض في أعماقها، وهي أيضاً أحد فنون صناعة المكعّبات الصغيرة واستعمالها في زخرفة الفراغات الأرضيّة والجداريّة وتزيينها، عن طريق تثبيتها بالبلاط فوق الأسطح الناعمة، وتشكيل التّصاميم المتنوّعة ذات الألوان المختلفة، ويمكن استخدام موادّ متنوّعة مثل الحجارة والمعادن والزجاج والأصداف وغيرها. وفي العادة، يتمّ توزيع الحبيبات الملوّنة المصنوعة من تلك الموادّ توزيعاً فنيّاً يعبّر عن قيم دينيّة وحضاريّة وفنيّة بأسلوب فنيّ مؤثّر.

وبعد عودة الغزالي من العاصمة الإيطاليّة، أراد إحياء فنّ الفسيفساء القديم الذي زينّت به قبّة الصخرة في المسجد الأقصى، فذهب إلى القبّة لمشاهدة التّصاميم المزّينة بها، والتي رسمت على أيدي الأمويّين عام 750م، إضافة إلى تصفّحه مواقع الإنترنت لتعلّم هذا الفنّ والأدوات اللاّزمة.

في هذا السياق، قال الفنّان المقدسيّ الغزالي (63 عاماً) خلال حديثه باتصال هاتفي من مكان إقامته بالقدس لـ"المونيتور":" لم تعد لفنّ الفسيفساء مكانة في فلسطين كالسابق، فهذا الفنّ يتطلّب صفاء ذهنيّاً وقدرة إقتصاديّة، وهذا ما يفتقده الفلسطينيّون بسبب الأوضاع السياسيّة والاقتصادية السيّئة التي يعيشونها، وهذا أيضاً ما أفقد فنّ الفسيفساء قيمته التاريخيّة القديمة، لكنّني أردت إحياءه لأنّي أعشقه ولتذكير الناس بتاريخنا القديم".

أضاف: "إنّ إنتاج لوحة فسيفسائيّة يمرّ في مراحل عدّة، أوّلها اختيار التّصميم، ثمّ رسمه على الورق. وبعد التأكّد من أنّ اللوحة خالية من الأخطاء، تطبع على قطعة قماش كونها أكثر تماسكاً من الورق، الذي قد يتمزّق خلال فترة العمل. وعندما أريد تحضير لوحة أختار ألوانها وطبيعة الحجارة التي أودّ استخدامها بدقّة، وأضع صورتها في مخيّلتي، ثمّ أبدأ بتنفيذها".

وبدأ الغزالي في إنتاج لوحات الفسيفساء منذ 5 أشهر، حيث كان يصنع لوحة أو لوحتين أسبوعيّاً، ولكن مع بداية نسيان/إبريل توسّع بهذا الفنّ لإنتاج أكبر عدد من هذه اللوحات، والتي وصلت إلى أربع لوحات أسبوعيا.

وأشار إلى أنّ مساعدة زوجته له ساعدته كثيراً في إنتاج لوحات الفسيفساء الإيطاليّة، وقال: "مهمّة زوجتي النحت وتفريغ القماش. وإضافة إلى ذلك، فهي ترافقني إلى الكهوف والمغاور في الضفّة الغربيّة ومدينة القدس للبحث عن الحجارة الخاصّة بهذا الفنّ".

وما يميّز عمل الغزالي، الذي يعمل صحافيّاً مع وكالة AP الأمريكية للأنباء داخل القدس،الحجارة التي يستخدمها، فهي طبيعيّة 100 في المئة، وكذلك بالنّسبة إلى تلك التي يأتي بها ملوّنة، إذ لا يضيف عليها أيّ أصباغ. كما أنّها فلسطينيّة بحتة، ويجلبها من القدس والخليل في جنوب الضفّة الغربيّة وقرية جماعين الواقعة في الجنوب الشرقيّ من مدينة نابلس التي تشتهربحجارتها القويّة والنوعيّة.

وإنّ أهمّ ما يميّز الحجارة المستخدمة بفنّ "الفسيفساء"، كما أكّد الغزالي، أنّها لا تكون متشعّبة في داخلها عروق كثيرة، وأن تكون ألوانها مختلفة، ونوعها صخريّاً، لافتاً إلى أنّ العمل الفسيفسائيّ كلّما ازداد قدماً ازداد جمالاً وقيمة أكثر.

ويستخدم الغزالي في عمله لإنتاج لوحات الفسيفساء الألوان وموادّ الغراء الأبيض السائل لإلصاق حجارة الفسيفساء بعضها ببعض على اللوحة التي يودّ القيام بعملها، والقليل من الصبر والدقّة والتحمّل لإبتكار لوحة أو تصميم جميل يحوي عملاً إبداعيّاً.

وأكّد الغزالي أنّ رغم عمله الصحافيّ، إلاّ أنّه يستغلّ وقت فراغه في إنجاز أعمال الفسيفساء والخروج بأعمال جديدة تسرّ الناظرين إليها، وتذكّرهم بهذا الفنّ الجميل الذي اندثر نتيجة عدم الاهتمام به، نظراً لارتفاع كلفته الماديّة، مشيراً إلى أنّ كلفة إنتاج لوحة فسيفساء مرتفعة نوعاً ما، وتصل إلى 400 شيكل أيّ ما يعادل 100 دولار أميركيّ.

من جهتها، قالت سناء الغزالي (56 عاماً)، وهي زوجة سعيد الغزالي وشريكته في مجال العمل بالفسيفساء لـ"المونيتور": "عندما بدأ زوجي بممارسة هذا الفنّ قبل 5 أشهر، ولاحظت أنّه مشغول طوال الوقت بجمع الحجارة ونشرها ورسمها، قرّرت أن أقضي وقت فراغي معه لأساعده في هذا العمل، الذي عشقته بعد مشاهدتي الرسوم الجميلة التي يرسمها باستخدام هذا الفنّ العريق".

أضافت: "في البداية، كان إنتاجنا مقتصراً على التدريب، ولكن مع الممارسة أتقنّا هذا العمل، وصنعنا أعمالاً نالت إعجاب الأصدقاء والأقارب والجيران، حتّى أصبحت مصدر دخل جزئيّ لنا فتنوّعت أعمالنا ما بين اللوحات والصناديق والطاولات الصغيرة، وحتّى الصحون واللوحات الوطنيّة".

وتابعت: "عندما ندخل إلى الورشة الصغيرة داخل منزلنا، ونباشر العمل، ننسى الوقت، ولا نتوقّف حتّى ننتهي من اللوحة التي قررنا إنجازها، سواء أكانت صورة أو أشكالاً هندسيّة أو غيرها، وتستغرق اللوحة نحو 14 يوماً من العمل الدقيق، ونحتفظ بها داخل الغرفة الخاصّة بعرض أعمالنا".

ويذكر الغزالي أنه يعرض اللوحات والتي بلغ عددها 80 قطعة في معرضه الخاص داخل منزله ،ملفتاً إلى انه لا يبيع كثيرا من هذه اللوحات نظراً لارتفاع أسعارها حيث يبدأ سعر الواحدة من 100 دولار، وتصل الاسعار إلى ألف دولار حسب حجم اللوحة، والمواد الخام المدخلة فيها.

ويسعى الغزالي وزوجته إلى إقامة معرض يضمّ بعض أعماله التي أنجزها بالإضافة إلى أعمالاً أخرى يودّ القيام بها، لكنّه يؤكّد أنّ تنظيم المعرض يحتاج إلى أعمال كثيرة، الأمر الذي يتطلّب مجهوداً ماديّاً ومعنويّاً كبيراً لإنجازه، وهو ما يفتقر إليه، خصوصاً أنّه لا يكاد يجد الجهة الداعمة. كما يطمح إلى إعداد لوحات جداريّة كبيرة يعبّر فيها عمّا يجول بخاطره من أشكال فسيفسائيّة مختلفة.

ويعود تاريخ استخدام الفسيفساء في التزيين وإنتاج اللوحات الفنيّة إلى مئات القرون، ويرجّح أنّ أوّل من استخدموها هم السومريّون، فالرومان الذين زيّنوا بها قصورهم ومعابدهم، ثمّ البيزنطيّون، ومنهم تعلّم المسلمون، وعملوا على تزيين المسجد الأقصى بهذا الفنّ.

كما اكتشف المسؤولون عن مشروع ترميم كنيسة المهد في مدينة بيت لحم في عام 2016 من خلال خبراء فلسطينيين ودوليين عن أيقونة فسيفساء تاريخية وصفوها بالكنز الأثري الثمين، داخل الكنيسة، والتي كانت قد بنيت عام 335 لميلاد في عهد القديسة هيلانة والدة الامبراطور الروماني قسطنطين.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : gaza city, muslims, exhibition, al-aqsa mosque, jerusalem, art
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept