نبض العراق

هل سيعود داعش الى احضان القاعدة بعد اكتمال تحرير الموصل؟

p
بقلم
بإختصار
تفتح الخسائر الأخيرة لـ"داعش" المجال أمام تنظيم القاعدة لأخذ دور أكبر بين الجماعات الجهاديّة. ورغم الخلافات على مستوى القيادة، يمكن أن تدخل القاعدة في تحالفات مع "داعش" في المرحلة المقبلة.

كشف نائب رئيس الجمهوريّة العراقيّة أياد علاّوي عن معلومات حول إجراء محادثات بين تنظيم القاعدة و"داعش" في شأن تحالف محتمل بينهما، ويمكن أن تتقارب الجهتين رغم خلافاتهما، خصوصاً بعد تغيير القيادة في أحد هذه التنظيمات.

وقال علاّوي في تصريح صحافيّ في 17 نيسان/إبريل الجاري: "إنّ المفاوضات بدأت بالفعل، فهناك مناقشات وحوارات بين مندوبين من البغدادي والظواهري"، في إشارة إلى قادة "داعش" والقاعدة. أضاف: "لا أتوقّع أن يتلاشى داعش ويختفي أعضاؤه بسهولة، لأنّهم سيبقون يعملون سرّاً في خلايا نائمة، وينشرون سمومهم في مختلف أنحاء العالم".

ومن جهة أخرى، أفصحت مصادر إستخباريّة عراقيّة في ٢٧ نيسان/أبريل عن عودة قيادات بارزة في "داعش" الى محافظة ديالى، شرقي العراق، بهدف التفاوض مع بقايا عناصر تنظيم القاعدة من أجل تشكيل تحالف جديد.

بالفعل، هناك تحرّكات تدلّ على تخطيط قوى جهاديّة بارزة في المنطقة لمرحلة ما بعد خسارة الأرض من قبل "داعش". وفي هذا الاتّجاه، حثّ زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري "المجاهدين" في تسجيل صوتيّ نشر في ٢٣ نيسان/إبريل واطّلع عليه "المونيتور"، على "الرباط والجهاد" وأن يعدّوا أنفسهم لحرب طويلة مع ما أسماهم بـ"الصليبيّين وحلفائهم الروافض والنصيريّين"، وأكّد اتّباع استراتيجيّة حرب العصابات، في إشارة واضحة إلى قناعته بعدم إمكانيّة إقامة خلافة إسلاميّة في هذه المرحلة.

إضافة الى ذلك، طالب أيمن الظواهري "المجاهدين" بتوحيد صفوفهم، وقال: "وعليكم أن تتّحدوا وتتقاربوا مع إخوانكم المسلمين والمجاهدين في الشام، بل وفي كلّ العالم". ودعا نفسه و"المجاهدين" إلى مراجعة النفس، وقال: "إنّ المراجعة والتصحيح هما الخطوة الأولى في طريق النصر". وهذا يدلّ على سياسته التي تبنى على فتح صفحة جديدة من العلاقات بين تنظيمات جهاديّة أخرى، وهو يأتي تأكيداً لما أفصح عنه علاّوي من معلومات استخباريّة.

ومن الواضح أن يرى تنظيم القاعدة في الخسارات المتتالية لـ"داعش" فرصة لاستعادة دوره الرياديّ بين الجماعات المسلّحة الجهاديّة في المرحلة المقبلة، بعدما سرق "داعش" الأضواء منه بنجاحاته العسكريّة وإعلانه الخلافة الإسلاميّة، لكنّ انتكاسات "داعش"الأخيرة فتحت المجال أمام تنظيم القاعدة ثانية ليلعب دوراً أكبر بين القوى الجهاديّة.

وكان حذّر معهد دراسات الحرب الأميركيّ في شباط/فبراير من عام ٢٠١٧ من عودة القاعدة إلى النشاط في العراق، بالتزامن مع خسارة "داعش" للأراضي التي كانت تحتلّها. وظهرت الخلافات بين التنظيمين الجهاديّين في أيّار/مايو من عام ٢٠١٣ إلى العلن، حينما أمر الظواهري في تسجيل صوتيّ أن " تلغى دولة العراق والشام الإسلاميّة".

وكان أبو بكر البغدادي قد أعلن بتسجيل صوتيّ في آذار/مارس من عام ٢٠١٣ عن توحيد الدولة الاسلاميّة في العراق وجبهة النّصرة لأهل الشام، ليؤسّس دولة العراق والشام الاسلاميّة التي باتت تعرف في ما بعد بـ"داعش". ووصلت الخلافات بين الجهتين إلى حدّ التخوين، حينما نعت أحد كبار قياديّي تنظيم "داعش"، "قاعدة الظواهري" بـ"يهود الجهاد". ومن جهته، هاجم الظواهري زعيم "داعش" بشدّة واتّهمه بإثارة الفتنة في صفوف "المجاهدين". ولم تقتصر الخلافات بين هذين التنظيمين على التصريحات الناريّة، بل أفضت إلى صدامات عسكريّة.

لكنّ ضرورات المرحلة تجعل قيادات هذه التنظيمات تفكّر بالتّقارب في ما بينها. وإنّ محاولات اتّحاد الجماعات الجهاديّة المتشتّتة ليست بالأمر الجديد، إذ نجحت القاعدة في مراحل سابقة في توحيد جماعات جهاديّة مختلفة تحت رايتها. وكانت القاعدة في وقتها أقوى من الآن بكثير، إذ كانت تمتلك المال وقواعد للتدريب في باكستان وأفغانستان، وكان يترأسها أسامة بن لادن ،الذي كان يمتلك كاريزما يفتقدها خليفته الظواهري.

أمّا الآن فاختلفت الصورة كثيراً، إذ أنّ "داعش" ما زال أقوى من القاعدة وأكثر تأثيراً في الساحة، رغم تكبّده خسائر جسيمة في الفترات الأخيرة. ومع هذا لا يمكن غضّ النظر عن التقارب الكبير في إيديولوجيّة التنظيمين، والذي يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لعودتهما إلى التّعاون معاً في مختلف الاتّجاهات.

وفي هذا السياق، أكّد الخبير العراقيّ في مجال الجماعات الجهاديّة هشام الهاشمي في تصريح لـ"المونيتور" أنّ "العقيدة التي تؤمن بها قيادات وعناصر "داعش" والقاعدة هي واحدة، وكذلك الموارد الفقهيّة". ويلتزم التنظيمان بمبادئ الجهاد العالميّ، الذي تأسّس على يدّ عبد الله عزّام.

ولكن لا يمنع هذا التشابه في المشارب الفكريّة والتوجّهات من منافسة الزعيمين على قيادة الأمّة الإسلاميّة، فكلّ من الظواهري والبغدادي يرى نفسه أحقّ بهذه الزعامة، فالظواهري هو خليفة بن لادن، ومن جهته يجمع البغدادي شروط الولاية. وتعود هذه الخلافات إلى أيّام زعامة أبو مصعب الزرقاوي على القاعدة في العراق، والذي كان يعتقد أنّ الشرعيّة تأتي من أرض المعركة، وليس من فوق. وتختلف أيضاً قيادات القاعدة و"داعش" حول أولويّات الجهاد في هذه المرحلة، ورغم أنّ الهدف النهائيّ للتنظيمين إقامة الخلافة الإسلاميّة في أرجاء العالم، يعتقد زعماء القاعدة أنّ المرحلة هذه تستوجب ضرب العدو البعيد، أيّ الغرب، وخصوصاً الولايات المتّحدة الأميركيّة، لكنّ "داعش" انشغل بالعدو المحليّ.

وهناك سيناريوهات مختلفة حول تحالف محتمل بين القاعدة و"داعش"، ولكن من المؤكّد ألاّ رجعة إلى عمل البغدادي والقيادات الأخرى من "داعش" تحت مظلّة تنظيم القاعدة، كما كانت الحال قبل إعلان تأسيس دولة العراق والشام الإسلاميّة.

واعتبر هشام الهاشمي أنّ الخلافات العميقة تجعل حتّى التقارب والتّحالف بين التنظيمين أمراً صعباً في هذه المرحلة، وقال: "لا أظنّ أنّ هناك أيّ تقارب على مستوى التفاهم أو التنسيق العسكريّ والأمنيّ، ولا حتّى على مستوى التخادم. وعند زوال إحدى تلك الزعامات، يمكن أن يلجأ جزء من الفريقين للإنضمام إلى الآخر".

وليس بالضرورة أن يكون زوال هذه الزعامات في المستقبل البعيد، إذ أنّ "داعش" يحارب من جهات عدّة، وهذا ما أدّى إلى خسارته أغلب قادته البارزين. وقد رصدت أميركا مكافأة تقدّر بـ٢٥ مليون دولار أميركيّ لمن يدلي بمعلومات تقودها إلى البغدادي. كما أنّ الظواهري وقادة آخرين من القاعدة مطاردون من الولايات المتّحدة الأميركيّة، وقتل أحد هؤلاء القادة سيسهّل عمليّة التّقارب بين التنظيمين.

حمدي ملك باحث في جامعة كيل البريطانية ونشرت له العديد من الدراسات والمقالات ذات الصلة باشأن العراقي.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X