نبض العراق

الحضر التاريخيّة .. هل ستستعيد تراثها الحضاريّ بعد تحريرها من داعش؟

p
بقلم
بإختصار
لن يكون تحرير مدينة الحضر التاريخيّة من احتلال "داعش" كافياً، ما لم تتمّ حمايتها وتحويلها إلى مشروع استثماريّ عصريّ، جاذب للسيّاح.

بغداد، العراق- يستعدّ العراق لإعادة ترميم   التاريخيّة وتأهيلها، حيث تقع على مسافة 80 كم جنوب الموصل في شمال البلاد، بعدما طردت القوّات العراقيّة في 26 نيسان/أبريل تنظيم "داعش" منها، حيث احتلّها في عام 2014، و ألحق بها في 7 آذار/مارس 2015 أضراراً بتجريف آثارها التي تعود إلى القرن الثاني الميلاديّ، وامتازت بهندستها المعماريّة وفنونها وصناعاتها، و كانت في مستوى روما من حيث التقدّم.

وفي حين ظهر أفراد التنظيم يهدمون آثار المدينة بالمطارق، ممّا أثار القلق في وقتها من تدمير شامل لأحد رموز الحضارة الإنسانيّة، التي أضافتها الأمم المتّحدة إلى قائمة التراث العالميّ في عام 1985، أكّد مدير دائرة آثار نينوى فالح الشمري لـ"المونيتور" أنّ "الكشوف الأوّليّة التي قام بها خبراء آثار عراقيّون، في بداية شهر أيّار/مايو، تشير إلى أنّ التدمير أقلّ ممّا كان يعتقد، وشمل نحو 30% من أجزاء المدينة، وأنّ الكثير من المعالم تضرّرت بشكل طفيف، لا سيّما القطع الكبيرة والثقيلة منها".

وفي حين كشف الشمري عن أنّ "أفراد التنظيم عملوا على نهب كلّ ما يمكن نهبه من القطع الأثريّة الصغيرة لغرض المتاجرة بها، من ضمنها مسكوكات ذهبيّة وفضّيّة، وتماثيل آشوريّة، تمثّل نسبة ما تمّت سرقته أعداداً قليلة من مجموع الآثار التي كانت قد نقلت إلى العاصمة بغداد في عام 2000، قبل سقوط نظام صدّام حسين في عام 2003، ولم يتمّ إرجاعها، بسبب اضطراب الوضع الأمنيّ، وهو ما قلّل الخسائر الناجمة عن احتلال "داعش" لها".

ويسرد الشمري أنّ "الجدران الضخمة والهياكل والجسور الممتدّة بين الأعمدة لم تتضرّر، كما أنّ القاعات الأثريّة سلمت من التفجير، وهو أسلوب دأب عليه "داعش" في نسف البنايات الأثريّة الضخمة، في الأماكن التي يتواجد فيها، كما حدث في جامع النبي يونس الذي تمّ تفخيخه ونسفه بالكامل في عام 2004".

وفي حين يؤكّد الشمري أنّ "الفوضى لا تزال تسود المكان، والآثار ما زلت مبعثرة، حيث تجمع الأنقاض في الجزء الشرقيّ من المدينة، يبرز الخراب واضحاً في الساحة الأماميّة التي تمثّل المدخل الرئيسيّ للمدينة".

إلى ذلك، فإنّ محمّد رسمي حارث، وهو مصوّر حربيّ للحشد الشعبيّ الذي شارك في تحرير المدينة التاريخيّة، أوضح لـ"المونيتور" أنّ "عدم نسف "داعش" البنايات الأثريّة في الحضر، كان لأجل الفائدة في استخدامها معسكراً لقوّاته، ومخزناً لأسلحته، كما جعل من معابدها سجناً للأسرى المختطفين والسبايا، ومعاملاً للتفخيخ، بعيداً عن الأعين، بحسب ما وجدناه في المدينة لحظة تحريرها".

وأضاف أنّ "القوّات الأمنيّة أتمّت تنظيف المدينة من الذخيرة والأسلحة والمخلّفات الحربيّة، وهي تحيط بها الآن، لغرض تأمينها بالكامل، وسوف يتمّ تسليمها إلى الجهّات المعنيّة خلال الأيّام القليلة المقبلة".

ويكشف عضو لجنة الآثار النيابيّة النائب خوشوي خليل لـ"المونيتور" عن أنّ "اللجنة أوعزت إلى الجهّات الأمنيّة التي تحرس المكان بفسح المجال أمام خبراء الآثار والفنّيّين، للكشف التفصيليّ عن المكان لغرض إعداد خطّة طوارئ عاجلة، وحصر الأضرار ونسبها، تمهيداً لإعداد مشروع متكامل لإعادة تأهيل المدنية التي كانت تعاني الإهمال أصلاً، قبل احتلال تنظيم "داعش" لها، إذ نالت نصيباً كبيراً من التخريب على أيدي سارقي الآثار".

واعتبر خليل أنّ "الخطوة الأولى في مشروع إحياء المدينة، هو استعادة الآثار المسروقة منها، عبر تنشيط الدبلوماسيّة العراقيّة والاتّصال بالدول والمنظّمات الدوليّة، وخصوصاً منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة الـ"يونسكو"، لا سيّما وأنّ أغلب آثار الحضر مسجّلة وموثّقة لدى المتاحف العالميّة، ممّا سوف يسهّل العثور عليها ومنع الإتجار بها".

وأخبر مقرّر لجنة السياحة والآثار إياد الشمري المونيتور بأنّ "لجنة السياحة والآثار أعدّت بالتعاون مع اللجنة البرلمانيّة، والجهّات الأثريّة، لائحة بكلّ القطع والمخطوطات الأثريّة التي سرقت وتمّ تهريبها إلى خارج البلاد، وبأنّ آثار مدينة الحضر في صدارتها، وتمّ تسليمها إلى الإنتربول الدوليّ". ويشير الشمري إلى أنّ "العراق نجح في الاتّفاق مع دول مثل إيطاليا على تدريب أفراد أمنيّين وشرطة متخصّصين في حماية الآثار، سيكونون جاهزين خلال فترة زمنيّة قصيرة لحماية مدينة الحضر بعد انسحاب أفراد القوّات الأمنيّة منها"، مؤكّداً أنّ ذلك "سيشمل الكثير من المواقع الأثريّة في المستقبل".

وفي حين يرجع مدير دائرة آثار نينوى فالح الشمري، الإهمال الذي عانت منه الحضر، طيلة السنوات السابقة، حتّى قبل "داعش"، حيث كانت آثاراً متروكة في عمق الصحراء، ممّا أدّى إلى تحوّلها إلى مرتع للّصوص وسارقي الآثار، إلى "التوتّرات الأمنيّة بعد سقوط نظام صدّام في عام 2003"، يؤكّد أيضاً أنّ "الفوضى الإداريّة بعد ذلك التاريخ والأزمة الماليّة التي عصفت بالعراق، قبل سنوات، وإلى الآن، عرقلتا مشاريع إعمار الحضر".

ولأنّ الشمري يدرك أنّ "القدرات العراقيّة لن تكون كافية في إعادة إعمار الحضر"، فإنّه يؤيّد ما كشفه لـ"المونيتور" بأنّ "العراق اتّصل بالمنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم الـ"ألكسو"، والـ"يونسكو"، وجهّات ثقافيّة وأكاديميّة أميركيّة وأوروبيّة، متخصّصة في مجال حماية الآثار وترميمها، لتوظيف خبراتها في الصيانة، و تدريب كوادر عراقيّة تجيد تقنيّات حماية المواقع الأثريّة".

سوف تظلّ مشاريع صيانة المواقع الأثريّة العراقيّة وتطويرها، على الوتيرة ذاتها من الحملات العشوائيّة المتقطّعة زمنيّاً، والتي تتصاعد تارة وتتهافت تارة أخرى، ما لم تتمّ "خصخصة" استثمارها، وجعلها مقاصد سياحيّة متطوّرة تجذب السيّاح والأموال إليها، لكي تموّل أعمال التطوير ذاتيّاً، وتوفّر فرص العمل إلى العاطلين عن العمل.

وجد في : artifacts, archaeological sites, looting, tourism, unesco, islamic state, antiquities

عدنان أبو زيد مؤلف وصحافي عراقي. وهو حاصل على درجة في الهندسة التكنولوجية من العراق وعلى شهادة البكالوريوس في تقنيات وسائل الإعلام من هولندا.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X