في تحدٍّ لثقافة المجتمع... فتيات من غزّة يعملن سائقات

حالات محدودة جدًا من الفتيات من قطاع غزة يعملون في مهنة السياقة لإعالة أنفسهن وأسرهن، يتحدين بذلك ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده التي ترفض عمل الفتيات في هذه المهنة باعتبارها من مهن الرجال، وهم يعملون في هذه المهنة حُبًا بها وأيضًا نتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة في القطاع.

al-monitor .

المواضيع

transportation, taxi, family honor, conservative, women in the workforce, palestinian women, employment, gaza strip

ماي 21, 2017

مدينة غزة، قطاع غزة — أن تعمل فتاة من قطاع غزّة سائقة، أمر مستهجن ومثير للغرابة ويرفضه المجتمع والأسرة والعادات والتقاليد كلّها. فهو بمثابة اختراق لمجال العمل الذكوريّ في القطاع، على الرغم من أنّ الكثيرات عملن في مجالات يحتكرها الرجال منها النجارة والحدادة والصيد، لإعالة أنفسهنّ وأسرهنّ. وعلى الرغم أيضاً من أنّ الكثيرات يحلمن بهذا العمل كنوع من الحرّيّة، إلّا أنّ مزاولته تعدّ ضرباً من الجنون.

فداء المغربي (22 عاماً) وآلاء خلف (24 عاماً) صديقتان تشتركان في حلم العمل ذاته. ففي استطلاع "المونيتور" لآرائهما حول قبولهما العمل سائقتين في حي الرمال وسط مدينة غزة، أجابتا معاً: "إنّنا نتمنّى"، فيما قالت خلف والابتسامة تعلو وجهها: "لطالما أفصحت سرّاً وعلناً عن حلمي بالعمل سائقة على الخطّ لوالديّ، ولكنّ رفضهم القاطع كان الجواب الدائم، لذلك أقلعت عن الفكرة وتركته حلماً في خيالي".

أمّا حلمهما فهو حقيقة لدى سلوى سرور (42 عاماً) من مدينة غزّة، فهي تعمل سائقة حافلة أطفال في روضة "السرور" التي تمتلكها مع شقيقتها. تقول: "الظروف هي التي خلقت لديّ فكرة قيادة حافلة الأطفال نتيجة المتاعب مع السائقين السابقين، من الإهمال والتأخير وابتكار المشاكل مع أولياء أمور الأطفال، ففكّرت في قيامي أنا بمهمّتهم وقيادة الحافلة".

لاقت فكرة قيادة سرور الحافلة تشجيعاً كبيراً من ذوي الأطفال، على عكس ما واجهته من نقد مجتمعيّ أنكر عليها عملها هذا، لقولها: "المجتمع الغزّيّ يرفض أيّ سلوك جديد حتّى لو كان إيجابيّاً في مضمونه، وأنا بالطبع تحمّلت العديد من الانتقادات والتعليقات الساخرة والنظرات المستهجنة للعمل، لكنّ ذلك لم يوقفني البتّة لأنّني أؤمن بنفسي وبعملي جيّداً".

وتتميّز سرور بشخصيّة جزلة دفعتها إلى مواجهة المجتمع والناس، وتذكر أنّها في بعض المرّات، قامت بالتصدّي لمنتقديها وجهاً لوجه من خلال الحوار والنقاش معهم. تقول سرور: "بعد مرور الوقت، تفهّم الناس مهنتي وأصبح لديّ أصدقاء من السائقين مثلي، وأصبحوا يقدّمونني على أنفسهم في أوقات ذروة الازدحام أو في طوابير تعبئة البنزين".

ولا ترى سرور أيّ مشكلة في اختيار المرأة للعمل الذي يناسبها، بحيث يكون مصدر رزق محترم، لقولها: "الحياة في غزّة قاسية، والظروف الصعبة تجبرنا على اختيار مهن قد لا تناسبنا ظاهريّاً، لكنّها مع الوقت تصبح جميلة ومألوفة".

أمّا زميلتها في المهنة رغدة نوفل (27 عاماً) من مدينة خانيونس في جنوب قطاع غزّة، فتفصح للمونيتور عن سبب عملها سائقة بقولها: "كثيراً ما عانيت أثناء الدراسة من مشكلة المواصلات العامّة، وكنت أحلم لو كانت لديّ سيّارة لأرتاح من تلك المشكلة، ولكنّه كان مجرّد حلم في الخيال، فوضع أسرتي الماديّ متدنٍّ جدّاً، وأبي مريض لا يقدر على العمل".

في ظلّ تلك الظروف وكون نوفل هي الابنة الكبرى لوالديها، فيما لا يوجد لديها إخوة ذكور، قرّرت العمل في مهنة القيادة. وهي توضح: "كان لا بدّ من إيجاد عمل بأيّ طريقة محترمة، ولا أنكر أنّ والديّ رفضوا الفكرة في البداية جملة وتفصيلاً، لكن عدم وجود فرص عمل اضطرّهم إلى الموافقة تحت ضغطي المتواصل".

بعد تخرّج نوفل من الجامعة بتخصّص علم النفس ومكوثها في البيت لأكثر من 4 أعوام من دون عمل باستثناء عملها لمدة 6 أشهر في الأنروا، جاءت فرصة العمل سائقة، طوق نجاة لها ولأسرتها الفقيرة، حيث تصل نسبة الفقر في قطاع غزّة إلى 65%، فيما ترتفع نسبة البطالة فيه إلى نحو 47% بحسب المكتب الفلسطينيّ لحقوق الإنسان.

وكان أكثر ما شجّع أسرة نوفل على إقدامها على العمل سائقة هو حصولها على رخصة قيادة بعد تخرّجها الجامعيّ بشهرين، عندما عملت لمدّة 6 أشهر لدى التشغيل الموقّت في الأونروا، فجمعت الأجر وحصلت على الرخصة.

وعن آليّة عملها، تقول لـ"المونيتور": "يقوم أبي باستئجار سيّارة خاصّة لأعمل عليها، وأنا بدوري أتواصل مع مجموعات من فتيات جامعيّات وأخريات عاملات، وأقوم بتوصيلهنّ إلى أماكن دراستهنّ أو عملهنّ، ثمّ أعيدهنّ حسب مواعيد محدّدة، ثمّ أتقاضى الأجر من صاحب السيّارة حسب اتّفاق بيننا، فهو يزوّدني بـ20% من نسبة العمل على جهدي".

تتابع: "بالتأكيد، لا يمكنني العمل كسائقة على الخطّ العموميّ، لأنّ الفكرة مرفوضة مجتمعيّاً وأسريّاً نتيجة ثقافة المجتمع الغزّيّ لدينا، لكنّني أتحايل على الرفض المجتمعيّ وأتحدّاه في الوقت ذاته، فأمارس المهنة باحترام تامّ حيث لا أتأخّر لساعات طويلة في العمل، لأنّ ذلك لا يليق بي وبأسرتي، فعند الساعة السادسة، أكون قد أعدت السيّارة إلى صاحبها، ثمّ أستلمها صبيحة اليوم الثاني".

تأمل نوفل في شراء سيّارة خاصّة بها والاستمرار في عملها الذي تحبّه، وتقول: "أحبّ عملي جدّاً وأتسلّى كثيراً مع المجموعات التي أقوم بتوصيلها، فأن تكوني سائقة يعني أن تتعرّفي على العديد من الأماكن في مدينتك وأن تكوني صبورة لأنّك تقلّين أشخاصاً وتتحمّلين مسؤوليّة أرواحهم وصحّتهم. إنّها مهنة جميلة تعلّمني كلّ يوم شيئاً جديداً".

من جهّته، قال رئيس نقابة السائقين في قطاع غزّة جمال جراد في حديث إلى "المونيتور" إنّ المرأة حاضرة في مجال القيادة حيث تصل نسبة الفتيات اللواتي يمتلكن رخص قيادة في مجتمع قطاع غزّة إلى 18% من نسبة الحاصلين على رخص قيادة وهنّ في ازدياد، مؤكّداً أنّها نسبة كبيرة مقارنة بالماضي، حيث كانت مجرّد حالات محدودة.

ونوّه بأنّ أعداد الفتيات اللواتي يعملن سائقات تعدّ على الأصابع، فهي حالات نادرة جدّاً، وقال: "الفتيات في شكل عامّ يتحلّين بالصبر وهنّ أقلّ سرعة أثناء القيادة، الأمر الذي يميّز قيادتهنّ بالاتّزان غالباً، لذلك يندر قيامهنّ بحوادث سير"، وهي ميزة في حال رغبن بالعمل سائقات.

وفي السياق ذاته، أفاد الاختصاصيّ الاجتماعيّ الدكتور عرفات حلس أنّ فكرة قيام فتاة بالعمل سائقة هي مرفوضة اجتماعيّاً إلى حدّ كبير، مشيراً إلى أنّ ثقافة المجتمع الغزّيّ لم تصل إلى درجة الإشباع حتّى تخوض المرأة هذا العمل.

وقال لـ"المونيتور": "إنّ الواقع الاجتماعيّ يعجّ بالعديد من المشاكل، منها انعدام الأمن، ممّا يجعل المجال ضيّقاً أمام تطوّر عمل المرأة بهذه الحرّيّة، ويدع الأهل يرفضون خوضها تجربة العمل الاختلاطيّ الخشن، بحيث لا يأمن واقعه".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020