لتكلفة البشرية للحصار على صنعاء

على الرغم من أن الحوثيين محاصرين اقتصادياً حاليًا، غير أن الكلفة البشرية لاستنزاف مصادر دخل هذه الجماعة المتمردة أعلى مما يستطيع معظم اليمنيين تحمّله.

al-monitor .

المواضيع

aden, famine, food crisis, siege, government of national accord, abed rabbo mansour hadi, houthis, yemeni civil war

أبر 4, 2017

تُسيطر جماعة الحوثيين المتمردة على العاصمة اليمنية صنعاء منذ أكثر من عامين. ولم يؤدّ استيلاء الحوثيين على العاصمة ومناطق واسعة من البلاد في أيلول/ سبتمبر 2014 الماضي إلى انطلاق العملية العسكرية التي نفذتها قوات التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن بحلول نهاية آذار/ مارس 2015، بل تسبب ذلك بحدوث بإحدى أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخ البلد وفي العالم، إذ سجل نزوح أكثر من 3.1 مليون شخص من المهجرين داخلياً، فيما بلغ عدد الأشخاص الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي ما يقدر بنحو 17 مليون شخص، من بينهم حوالي سبع ملايين شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد ولا يعرفون من أين سوف تأتيهم وجبة طعامهم التالية.

تمكّنت الحكومة المعترف بها دولياً برئاسة الرئيس عبد ربه منصور هادي في الأشهر الأولى من الصراع المستمر من استعادة السيطرة على مناطق واسعة من جنوب اليمن، فضلاً عن محافظة مأرب الشمالية، التي تتمتع بأهمية خاصة. نفضت هذه المحافظة عنها غبار الصراع وأثبتت وجودها كمركز جديد للنشاط الاقتصادي الأمر الذي وفّر لقمة العيش لسكان المدينة وأبقى خزينة الإيرادات الحكومية قادرة على الوفاء بالتزاماتها. وبالإضافة إلى ذلك، تمكنت الحكومة المعترف بها دولياً، بمساعدة التحالف الذي تقوده السعودية، وخاصة الإمارات العربية المتحدة، من استعادة السيطرة على مضيق باب المندب الواقع في أحد أهم معابر التجارة العالمية وتصدير النفط من المنطقة.

تجدر الإشارة الى أن جماعة الحوثيين المتمردة والمتحالفة مع القوات الموالية للرئيس اليمنى السابق علي عبد الله صالح تقاتل حالياَ بشراسة لتحافظ على سيطرتها على الساحل الغربى للبلاد. ولا يُشكل القتال الدائر حالياً تهديداً للتجارة العالمية فحسب، بل يمثّل أيضا تهديداً وجودياً لجماعة المتمردين الحوثيين. وربما يُعتبر عدم موافقة هذه الجماعة المتمردة على التقسيم الجغرافي المحدد للدولة الفيديرالية اليمنية المستقبلية أحد الأسباب التي أدّت إلى استيلائها على العاصمة، إذ حرمها هذا التقسيم من منفذ بحري وحاصرها في المناطق الجبلية حيث الموارد غير كافية للبقاء على قيد الحياة. وكان قد تم اقتراح هذا التقسيم في نهاية مؤتمر الحوار الوطني في شباط/ فبراير 2014 كحل لمشاكل اليمن الإقليمية المزمنة. وفي هذا السياق، يعتبر الحوثييون السيطرة على ميناء الحديدة وهو أحد أكثر الموانئ ازدحاماً في البلاد، مسألة وجودية من حيث توليد الدخل، لاسيما بعد أن أدى نقل البنك المركزي اليمني إلى عدن إلى قطع خطوط التواصل التي كانت قائمة بين البنك المركزي والمصارف التجارية في صنعاء من جهة والمصارف والمؤسسات المالية الدولية من جهة أخرى.

وتُظهر المعارك الأخيرة على طول الساحل الغربي للبلاد والاعتداءات التي نفذّها تحالف الحوثي - صالح، ضدّ سفن في البحر الأحمر، الاهتمام الاستراتيجي الذي يوليه هذا التحالف للمناطق الغربية من البلاد والخسارة الاستراتيجية الكبيرة التي ستعاني منها الجماعة المتمردة في حال فقدت السيطرة على هذه المنطقة .هذا وتجدر الإشارة إلى إستنزاف إيرادات الجماعة المتمردة نتيجة نقل البنك المركزي اليمني وإعادة توجيه عائدات البلد المحدودة ولكن القائمة إلى مقر البنك المركزي الجديد في عدن بالتزامن مع عدم قدرة البنك المركزي اليمني في صنعاء على تلبية طلبات المستوردين من العملات الأجنبية مما أدى إلى تراجع الأنشطة الاقتصادية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وبعدما شعرت جماعة المتمردين الحوثيين بوطأة تضييق الخناق عليها من قبل الحكومة المعترف بها دوليًا بدأت تبحث عن استغلال مصادر أخرى من عائدات الدولة. بالرغم من خسارة مساحات من الأراضي (غير المأهولة) في معركتها مع الحكومة المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية أدركت جماعة الحوثيين المتمردة تقدّمها من حيث السيطرة على المناطق المأهولة. وقد لا يُسيطر تحالف الحوثي-صالح على مناطق جغرافية بمساحة المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، غير أنه على أرض الواقع يبسط هذا التحالف سيطرته على المناطق الأكثر اكتظاظاً بالسكان مما سمح للحوثيين بالاستمرار بتحصيل الضرائب والرسوم الجمركية من السكان في هذه المناطق. ومع توقف تصدير النفط عند اندلاع الحرب، أصبحت الرسوم الجمركية على السلع المستوردة وضريبة القيمة المضافة على جميع أنواع السلع المباعة في الأسواق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تُمثل جزءًا كبيراً من عائدات الدولة. وفي حال فوز الحكومة المعترف بها دولياً بالمعركة من أجل ميناء الحديدة، ستفقد جماعة الحوثيين المتمردة أحد أكبر مصادر دخلها.

عندما تم تحرير مدينة عدن من قبضة الحوثي في تموز/ يوليو 2015، استؤنف العمل في ميناءها ببطء مما يعني أن أجزاء كبيرة من البلاد عادت لتعتمد مرة أخرى على الواردات التي يتم شحنها إلى ميناء عدن، الأمر الذي خفف الضغط عن ميناء الحديدة، مع ازدياد حركة تفريغ السلع في ميناء عدن. ولذلك قررت جماعة الحوثيين المتمردة فرض رسوم إضافية على البضائع التي يتم تفريغها في الموانئ الجنوبية ونقلها إلى المدن الشمالية للتعويض عن انخفاض الضرائب والرسوم الجمركية التي كان يتم تحصيلها من ميناء الحديدة. كما وقامت الجماعة برفع الرسوم الجمركية على الشحنات الآتية من الدول العربية والتي تُفرّغ بضائعها في ميناء الحديدة.

وبما أن جماعة الحوثيين المتمردة تسيطر على مناطق مأهولة أكثر من المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، فإن الأثر المدمر للحرب على الأمن الغذائي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة المتمردة كان الأكثر وضوحاً.

وقد أظهر تحالف الحوثي-صالح مقاومة شرسة وعنيفة بمواجهة توسع القوات الحكومية مؤخراً على طول الساحل الغربي للبلاد بما أنه يدرك تماماً أن فقدان الساحل الغربي لليمن من شأنه أن يحرمه من مصادر الدخل الرئيسية، أي الضرائب والرسوم الجمركية.

وأدى ارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى جانب أزمة السيولة في اليمن - والتي حرمت نحو مليون موظف حكومي يؤمنون لقمة العيش لنحو 7 ملايين يمني من رواتبهم على مدى الأشهر الستة الماضية - إلى تفاقم حالة الأمن الغذائي الهشة أصلا لدى اليمنيين. وقد ساهم قرار جماعة الثوار الحوثيين بفرض رسوم جمركية على السلع المستوردة – والتي يتكون جزء كبير منها من المواد الغذائية - في ارتفاع أسعار المواد الغذائية. ويأتي ذلك في الوقت الذي تحذّر فيه الأمم المتحدة من تفشي المجاعة في البلد.

تشهد صنعاء وغيرها من المدن الخاضعة لسيطرة الحوثين حصاراً اقتصادياً مزدوجاً. فرضت الحكومة المعترف بها دولياً والتحالف الذي تقوده السعودية الحصار الأول نتيجة القتال على طول الساحل الغربي وإغلاق مطار صنعاء منذ آب/ أغسطس 2016، مما أدى إلى تباطؤ أو في بعض الأحيان توقف تسليم السلع الأساسية. أما الحصار الثاني ففرضته جماعة المتمردين الحوثيين التي تُحصّل الضرائب والرسوم الجمركية من السكان الذين فقدوا في معظمهم مصدر دخلهم مع بداية الحرب أو أثناءها.

على الرغم من الحصار الاقتصادي الذي يواجهه الحوثييون اليوم والذي يهدد استمرارية هذه المليشيا غير أن الكلفة البشرية لاستنزاف مصادر دخل هذه الجماعة المتمردة أعلى مما يستطيع معظم اليمنيين تحمّله.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض الخليج

al-monitor
السودان... بقاء رمزيّ في اليمن لحفظ ماء وجه التحالف
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | فبر 3, 2020
al-monitor
كيف تسير المشاورات السعوديّة مع الحوثيّين؟
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | نوف 26, 2019
al-monitor
حوار جدّة... تأصيل للتواجد السعوديّ-الإماراتيّ بوجوه يمنيّة
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | سبت 23, 2019
al-monitor
التحالف... جاء لاستعادة الشرعيّة في صنعاء فأسقطها في عدن
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | سبت 4, 2019