نبض تركية

أين يترك الاستفتاء علاقات تركيا مع الغرب؟

p
بقلم
بإختصار
يتوقّع الخبراء مزيدًا من المتاعب بين تركيا والولايات المتّحدة وأوروبا في الفترة المقبلة، لكن هل سيؤدّي ذلك إلى انهيار تامّ في العلاقات؟

يبدو أنّ علاقات أنقرة بأوروبا ستبقى متوتّرة في القريب المنظور، بعد الرّدود الأوروبيّة السّلبيّة على نتائج الاستفتاء الدّستوري التّركي في 16 نيسان/أبريل.

أعطت تلك النّتائج الرّئيس رجب طيب أردوغان نصرًا أضعف ممّا توقّعه لكنّها أيّدت مع ذلك ما يخشى الأوروبيّون أن يكون حكمه الاستبدادي.

على الرّغم من ذلك، يقول الخبراء الذين تحدّث معهم المونيتور إنّ علاقات تركيا بالاتّحاد الأوروبي لن تنقطع بالشّكل الذي يدعو إليه البعض من الجانبين. ويضيفون بالقول إنّ "العلاقة غير السّعيدة" ستبقى قائمة بسبب المصالح الحيويّة.

من المتوقّع أيضًا أن يبقى الاضطراب قائمًا في علاقة تركيا بالولايات المتّحدة، على الرّغم من واقع أنّ الرّئيس دونالد ترامب كان الزّعيم الغربي الوحيد الذي هنّأ أردوغان على فوزه في الاستفتاء. لكن قلّة يتوقّعون انهيارًا جديًا في تلك العلاقات أيضًا.

اعترف أردوغان بنفسه أنّه كان يتوقّع تأييدًا تصل نسبته إلى 60% على التّعديلات الدّستوريّة التي من المزمع أن تحلّ محلّ نظام تركيا البرلماني مع رئاسة تنفيذيّة خالية من الضوابط والموازين التي نراها في الأنظمة الدّيمقراطيّة الغربيّة.

وكانت نسبة الدّعم هذه لتضع حدًّا للانتقادات المحليّة والدّوليّة بشأن ديكتاتوريّته بحيث يستطيع القول إنّه خيار الشّعب. لكن نظرًا للنّتيجة، بما أنّ واحدًا على اثنين رفض رئاسته التّنفيذيّة، جرى إضعاف هذا المزعم بقوّة.

في تعليقاتهم الأولى على نتائج الاستفتاء، سلّط الزّعماء الأوروبيّون الضّوء على الانقسامات العميقة في تركيا التي كشف عنها الاستفتاء ودعوا أردوغان إلى أن يكون قائدًا توفيقيًا.

قال كلّ من المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل ووزير الخارجيّة سيغمار غابرييل في بيانهما المشترك، "تُظهِر نتائج الاستفتاء المتقاربة عمق الانقسام في المجتمع التّركي وهذا يعني مسؤوليّة كبيرة بالنّسبة إلى القيادة التّركيّة وإلى الرّئيس أردوغان نفسه".

سرى هذا الشّعور نفسه في كافة أنحاء أوروبا، حتّى إنّ بعض القادة المعارضين بشدّة لطلب تركيا الانضمام إلى الاتّحاد الأوروبي ذهبوا بالمسألة إلى مكان أبعد، وقالوا إنّه يجب الآن إعادة النّظر في طلب العضويّة.

وقال وزير الخارجيّة النّمساوي سباستيان كورتس، "لا يمكننا العودة ببساطة إلى الرّوتين اليومي بعد الاستفتاء التّركي. نحتاج في النّهاية إلى بعض الصّراحة في العلاقات بين الاتّحاد الأوروبي وتركيا". وتجدر الإشارة إلى أنّ بلاده تعارض بشدّة قبول تركيا في الاتّحاد الأوروبي لأسباب ثقافيّة ودينيّة.

ألقت أيضًا منظّمة الأمن والتّعاون في أوروبا بِغَيْمة قاتمة على نصر أردوغان في الاستفتاء. فقالت في تعليقات أوليّة إنّ "عدم تكافؤ الفرص، والتّغطية الإعلاميّة الأحاديّة الجانب، والقيود المفروضة على الحريّات الأساسيّة أوجدت ملعبًا غير مستوٍ" للاستفتاء. ومن المرتقب أن تنشر منظّمة الأمن والتّعاون في أوروبا تقريرًا أوليًا مفصّلاً عمّا توصّلت إليه.

يبدو أنّ رأي منظّمة الأمن والتّعاون في أوروبا وتصريحات القادة الأوروبيّين ستضمن للوقت الحالي استمرار غضب أردوغان من أوروبا الذي يتّسم بهجمات لاذعة ضدّ القادة الأوروبيّين مع وصفهم بـ"النّازيّين" و"الفاشيّين".

وتكشف تصريحاته في ليلة الاستفتاء واليوم التالي أنّه لم ينته من أوروبا بعد. وقد تطرّق إلى اثنين من مواضيعه المفضّلة وقال إنّه قد يحاول إجراء استفتاء حول ما إذا كان يجب المضيّ قدمًا بطلب عضويّة تركيا في الاتّحاد الأوروبي وما إذا كان يجب إعادة عقوبة الإعدام.

ومع تجاهل النّقد القادم من أوروبا، يرحّب أردوغان بمطالبات مؤيّديه بعقوبة الإعدام بعد محاولة الانقلاب الفاشلة العام الماضي. وردًا على الهتافات المؤيّدة لهذه العقوبة والصّادرة عن مؤيّدين له في اسطنبول ليلة الاستفتاء، قال أردوغان إنّه سيناقش المسألة مع القادة السّياسيّين، وإذا لم يؤدّ ذلك إلى نتائج، سيرفع المسألة إلى الشّعب.

وكان رئيس المفوّضيّة الأوروبيّة جان كلود يونكر قد أعرب في شهر آذار/مارس الماضي عن وجهة نظر أوروبا المشتركة، بأنّ عقوبة الإعدام ستؤدّي إلى رفض طلب عضويّة تركيا.

يبدو أنّ أردوغان لم تثر قلقه هذه التّصريحات، أو ما توصّلت إليه منظّمة الأمن والتّعاون في أوروبا بشأن الاستفتاء، وهو كان قد سارع إلى التّنديد بها.

وفي خطاب أمام مناصريه خارج القصر الرّئاسي في أنقرة في اليوم الذي تلا الاستفتاء، قال لمنظّمة الأمن والتّعاون في أوروبا "إنّ عليها معرفة حجمها"، مضيفًا أنّ "تركيا لن تأخذ تقريرها السّياسي في عين الاعتبار".

وفي ما يتعلّق بطلب عضويّة تركيا في الاتّحاد الأوروبي، قال أردوغان "إنّهم جعلونا ننتظر على أبواب الاتّحاد الأوروبي طوال 54 عامًا. لذا سنجلس ونتحدّث في الموضوع، ونجري استفتاء بهذا الشّأن أيضًا".

يبقى الدّبلوماسيّون الغربيّون غير مقتنعين بهذا الخطاب. وقال دبلوماسي أوروبي للمونيتور شرط عدم الكشف عن هويّته، "إذا ذهب أردوغان في هذا الطّريق، سيفرح عدد كبير من الأوروبيّين".

وأضاف الدّبلوماسي أنّ "ما يشكّل خطرًا على تركيا هو أنّ أردوغان لا يسير باتّجاه أزمة مع الاتّحاد الأوروبي فحسب، بل أيضًا مع منظّمة الأمن والتّعاون في أوروبا ومجلس أوروبا، اللّذين تشكّل تركيا عضوًا فيهما منذ تأسيسهما".

يقرّ السّفير المتقاعد علي تويجان بعدم القدرة على التنبؤ بنتائج فورات أردوغان ضدّ أوروبا، لكنّه لا يتوقّع انقطاعًا كاملاً في العلاقات. وقال تويجان للمونيتور، "نظرًا إلى المصالح الاقتصاديّة الكبيرة، وعضويّة تركيا في حلف الناتو والتّعاون الاستراتيجي في مجالات أخرى، لا تستطيع تركيا ولا الاتّحاد الأوروبي المخاطرة بانهيار تامّ في العلاقات. بل ستستمرّ هذه العلاقة غير السّعيدة".

ويشير تويجان إلى اتّهامات أردوغان المستمرّة بشنّ "حملة صليبيّة أوروبيّة ضدّ تركيا" ولا يتوقّع أن تتحسّن العلاقات في المستقبل القريب. وهو يلقي اللّوم أيضًا على الجانب الأوروبي.

فقال إنّه "لو رحّبت أوروبا أكثر بتركيا بدلاً من محاولة إبقائها بعيدة، لكان الوضع اليوم شديد الاختلاف. هناك انعدام للرّؤية الاستراتيجيّة في أوروبا أيضًا".

وتبرز صورة مماثلة في ما يتعلّق بالعلاقات التركيّة الأميركيّة بعد الاستفتاء. لا شكّ في أنّ اتّصال ترامب بأردوغان لتهنئته بالفوز كان حافزًا معنويًّا لأنقرة.

لكن هذا الحماس لا بدّ أن يكون قد أضعفه الرّدّ الحذر الصّادر عن البيت الأبيض ووزارة الخارجيّة على الأسئلة عمّا إذا كان الاستفتاء عادلاً.

فقد قال المتحدّث باسم البيت الأبيض شون سبايسر للمراسلين، رافضًا الالتزام بموقف محدّد، "ما أعرفه هو أنّ هناك لجنة دوليّة تراجع هذا وسوف تصدر تقريرًا في غضون 10 إلى 12 يومًا. سوف ننتظر وندعهم يؤدّون عملهم".

وقال المتحدّث باسم وزارة الخارجيّة مارك تونر في ردّ على سؤال حول الاستفتاء في مؤتمر صحفي يوم 11 نيسان/أبريل، "نحن نقدّر مساهمات منظّمة الأمن والتّعاون في أوروبا بتعزيز الدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان، ويشمل ذلك جهودها في مجال مراقبة الانتخابات". وأضاف قائلاً، "نحن نتطلّع إلى صدور التّقرير النّهائي".

وقال تونر بعد أن ضغط عليه المراسلون، "نحن نحثّ تركيا باستمرار على جميع المستويات على احترام وضمان الحريّة السّياسيّة، وحريّة التّعبير، واستقلال القضاء، وغير ذلك من الحريّات الأساسيّة".

ويتوقّع السّفير المتقاعد فاروق لوغوغلو، الذي شغل أيضًا منصب سفير تركيا لدى واشنطن، أيامًا صعبة للعلاقات التّركية الأميركيّة.

وقال لوغوغلو للمونيتور إنّه "يمكن أيضًا قراءة اتّصال ترامب بأردوغان لتهنئته كمحاولة لتهدئة أردوغان وتليين موقفه قليلاً. لكنّ المشاكل بشأن حزب الاتّحاد الدّيمقراطي في سوريا وفتح الله كولن مستمرّة". وكان يشير إلى واقع أنّ واشنطن تتعاون مع حزب الاتّحاد الدّيمقراطي في سوريا مع أنّ تركيا تؤكّد أنّه تنظيم إرهابي كردي.

وكان لوغوغلو يشير أيضًا إلى عدم قيام واشنطن بتسليم فتح الله كولن، رجل الدّين الإسلامي الذي تتّهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة العام الماضي.

وأضاف لوغوغلو بقوله إنّ "موقف ترامب من إسرائيل وفلسطين، ورغبته في إعلان لاشرعيّة جماعة الإخوان المسلمين فضلاً عن بيانه [المقبل] يوم 24 نيسان/أبريل المتعلّق بقضيّة الإبادة الأرمنيّة، قد تخلق أيضًا مشاكل بين أنقرة وواشنطن".

لكن على الرّغم من هذه المشاكل، لا يتوقّع لوغوغلو انهيار العلاقات التّركيّة الأميركيّة. وقال لوغوغلو إنّ "هذه العلاقات لن تزداد سوءًا، لكن أغلب الظّنّ أنّها لن تتحسّن أيضًا".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : angela merkel, presidential system, authoritarian, referendum, european union, turkish-us relations, recep tayyip erdogan
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept