نبض مصر

تفجيرات الكنائس تدفع بعدد كبير من المصريين إلى التشكيك بـ"الحرب على الإرهاب" التي يشنها السيسي

p
بقلم
بإختصار
الوعود بتعزيز الأمن في مواجهة الإرهاب، والتي أوصلت السيسي إلى السلطة، أُطلِقَت من جديد في أعقاب هجومَين إرهابيين على كنيستين قبطيتين يوم أحد الشعانين.

في كانون الأول/ديسمبر 2016، فجّر تنظيم "الدولة الإسلامية" الكنيسة البطرسية في القاهرة، ما أسفر عن مقتل 29 شخصاً، وأعلن إبان الاعتداء عن عزمه على تنفيذ مزيد من الهجمات على "الكفّار". قبل أسبوع من أحد الشعانين، الذي يحتفل به المسيحيون في يوم الأحد الواقع قبل عيد الفصح، تم العثور على عبوة ناسفة وتفكيكها في كنيسة مار جرجس في طنطا في محافظة الغربية. يوم أحد الشعانين، توجّه آلاف المسيحيين في مختلف أنحاء مصر إلى دور العبادة، فتحوّلوا أهدافاً سهلة للإرهاب. عند الساعة 9:05 صباحاً، فجّر انتحاري من تنظيم "الدولة الإسلامية" نفسه داخل قاعة الصلاة في كنيسة مار جرجس-طنطا، ما أسفر عن مصرع 28 شخصاً على الأقل وإصابة 71 آخرين بجروح.

 يقول مينا ثابت، الباحثة في شؤون الأقليات والمجموعات الهشة في المفوضية المصرية للحقوق والحريات: "التفجير في طنطا هو نتيجة إخفاق أمني ذريع. دخل الإرهابي إلى الكنيسة من الباب الأمامي".

بعد بضع ساعات، استهدف هجوم آخر كنيسة ثانية، مع إقدام انتحاري من تنظيم "الدولة الإسلامية" على تفجير حزام ناسف عند بوابات الكاتدرائية المرقسية في الإسكندرية، مباشرةً بعد مغادرة البابا تواضروس الثاني ومسؤولين دينيين وحكوميين آخرين المكان. ثمة احتمال بأن يكون القصد من الهجوم استهداف البابا، بحسب ثابت. وقد لقي 17 شخصاً مصرعهم فيما أصيب 41 آخرون بجروح.

قال علي الرجّال، الخبير في العلوم الاجتماعية السياسية: "أعلن تنظيم إرهابي عن الجهة التي سيستهدفها وتوقيت الهجمات، فكان الأداء الأمني في التعامل مع هذه التهديدات كارثياً. كان يجب أن يكونوا في حالة من التأهب الشديد". العم نسيم، حارس الكنيسة، هو الذي منع منفّذ الهجوم من الدخول إلى حرمها.

في كانون الأول/ديسمبر الماضي، تعهد الرئيس عبد الفتاح السيسي بإنزال العقاب بكل من يقف خلف الإرهاب، وقطع وعداً بتعزيز الأمن. الوعود نفسها هي التي جلبت السيسي إلى السلطة في العام 2013، عندما نزل الملايين إلى الشارع لمنح تفويض إلى رجل ذي خلفية عسكرية من أجل "التخلص من الإرهاب"، فيما طالب معسكران في التظاهرات بعودة الرئيس محمد مرسي. وقد لجأ السيسي إلى العنف لتفريق المحتجّين في هذين المعسكرَين، وأخذ على عاتقه شن حرب على الإرهاب.

إلا أنه نُفِّذَت هجمات عدة منذ وصوله إلى السلطة، ومعظمها في مدينة العريش شمال سيناء. تشكّل شبه جزيرة سيناء معقل المقاتلين حيث يتمركزون وينفّذون عملياتهم. وقد بلغت الأزمة أشدّها عندما اضطُرّ ثلاثمئة قبطي إلى مغادرة منازلهم بعد مقتل سبعة مدنيين. تقول ثابت إن تنظيم "الدولة الإسلامية" هدّد بقتل المزيد، مضيفةً: "الأمن معدوم في تلك المنطقة".

قال أشرف الشريف، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في القاهرة، إنه للاستراتيجية التي ينتهجها تنظيم "الدولة الإسلامية" في مصر أهداف متعددة: تصوير النظام بأنه ضعيف وعاجز عن بسط الأمن والاستقرار، وتقويض مصداقية الدولة، وزرع الخوف في نفوس الأقليات الدينية.

الأمن معدوم، لكن الدولة لن تقرّ أبداً بالأمر، لأن ذلك يسحب منها أساس شرعيتها، كما يقول الشريف الذي يضيف أن الدولة لن تقبل أبداً بأن تكون موضع مساءلة، وبأن تسمح للرأي العام والمجتمع بالإشراف على ممارساتها.

أشار أيمن عاشور، المخضرم في القطاع الأمني، إلى أن السيسي ينتصر في الحرب على الإرهاب على الجبهة الأمنية، إنما لا تزال الأجهزة الأمنية بحاجة إلى مزيد من التحسن.

تابع عاشور: "اعتماد منظومة التناوب في المسؤوليات الأمنية يجعل من الصعب على المهنيين أن يصبحوا خبراء ضالعين في أدوارهم والبيئة المحيطة بهم. إن المنظومة القائمة على توليد اختناقات أو ما يُعرَف بعنق الزجاجة عند مداخل المطارات أو الكنائس أو عند نقاط التفتيش على الطرقات، لا تتناسب مع طبيعة التهديد الذي تواجهه مصر. فالإرهابيون يبحثون عن اختناقات مكتظّة من أجل إحداث أكبر قدر من الضرر". ولفت إلى أن "أحد العوامل الإضافية يتمثّل في دوام العمل الطويل في حالة عناصر الأمن، وضعف الإشراف على أدائهم المهني".

بيد أن الرجّال يعتقد أن هناك "خللاً جوهرياً ما" في المنظومة الأمنية، قائلاً: "تفكيرها موجَّه نحو القمع، وليس نحو بسط الأمن الذكي والناعم".

كتب شادي نور عبر مواقع التواصل الاجتماعي: "هل هذا هو الأمن الذي تخلّينا عن حرياتنا من أجله؟"

في الواقع، لقد تسببت حملة القمع التي استهدفت المعارضين باسم الأمن في مصر ببلوغ عدد السجناء السياسيين أكثر من أربعين ألفاً، وبإسكات وسائل الإعلام، فضلاً عن حالات الاختفاء القسري، والإعدام خارج نطاق القضاء، وتجسس وزارة الداخلية على النشاط الرقمي للمواطنين، وسط إجراءات أخرى تُتَّخَذ تحت مظلة "الحرب".

وقد شدّد عاشور على أن مشكلة الإرهاب ليست المشكلة الأساسية، مضيفاً: "هناك استقطاب سياسي ومجتمعي غير مسبوق، وتحتاج مصر في نهاية المطاف إلى مسار من المصالحة مع الإسلاميين الذين يمكن إبعادهم عن التطرف. هناك إخفاقات مجتمعية وسياسية لا يستطيع الأمن إصلاحها".

أضاف الشريف مزيداً من القُطع إلى الأحجية: "الإرهاب في مصر هو مشكلة متفرّعة من أزمات أخرى تشكّل الأزمات الجوهرية في البلاد، مثل العلاقات بين الدولة ومختلف أطياف المجتمع... وبالطبع الإصلاح الديني وإعادة الهيكلة الاقتصادية".

تعهّد تنظيم "الدولة الإسلامية" في بيانه الذي تبنّى فيه المسؤولية عن الهجومَين اللذين وقعا يوم أحد الشعانين، بأن "أطفال الأقباط سيدفعون الثمن في أنهر من الدماء".

ليل الأحد، ألقى السيسي كلمةً أكّد فيها أن الهجومَين لم يقعا نتيجة التراخي الأمني. لكنه أعلن حال الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر. وبعدما كان الرأي العام يرتقب إقالة وزير الداخلية مجدي عبد الغفار، بات يتوقّع الآن فرض مزيد من الإجراءات القمعية. وقد ألغى مجلس النواب جلسة اللجنة العامة التي كان من المقرر عقدها لاستجواب عبد الغفار حول التقصير الأمني ووزير العدل أحمد الزند حول عدم صدور تعديلات قانون الإجراءات الجنائية التي كُلِّفت بها الوزارة في كانون الأول/ديسمبر الماضي.

ليلة الهجوم، صودِر عدد صحيفة "البوابة" الموالية للحكومة الذي كان من المقرر توزيعه في اليوم التالي، أي في العاشر من نيسان/أبريل الجاري، بسبب توجيه أصابع الاتهام في الهجومَين إلى التراخي الأمني.

وأوردت الصحيفة في بيان بعد مصادرة العدد: "أعلنا صراحة، وهذا رأينا، أن هناك تقصيراً أمنياً كبيراً يستوجب محاسبة المقصِّرين وتغيير الاستراتيجية الأمنية المتّبعة حالياً".

ولفت الشريف إلى أن حال الطوارئ ليست له أي فاعلية، لأن النظام يعتمد أصلاً الدرجة القصوى من القمع، إنما من دون جدوى.

وخلص الرجّال إلى أن هناك "الكثير من العسكريتارية ومن الإنفاق والعنف في مقابل النذر اليسير من الفاعلية".

في العاشر من نيسان/أبريل، أي في اليوم التالي للهجومَين، دخل مراسلٌ إحدى الكنائس حاملاً حقيبة على ظهره من دون أن يخضع للتفتيش.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : state of emergency, bombings, abdel fattah al-sisi, terrorist attacks, is, coptic church, christians in egypt, coptic christians

Aya Nader is an independent journalist based in Egypt, published in Open Democracy, The National and Daily News Egypt, among others. She is an MA candidate in International Relations at the American University in Cairo. On Twitter: @AyaNaderM

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept