نبض إيران

إيران ترى حربًا ضروريّة في سوريا

p
بقلم
بإختصار
من خلال تقارير جديدة تشرح قرار إيران بالتدخّل في الحرب السّوريّة، يجري تسليط الضّوء على فصل مهمّ من النّزاع لم نكن نعرفه سابقًا.

بعد ستّ سنوات من الأزمة في سوريا، ترى إيران أنّ نتيجة النّزاع ترسم شكل الشّرق الأوسط الجديد. كان هذا أوّل تدخّل خارجي صريح لإيران منذ عقود، وهو تدخّل وصفه بعض الأيديولوجيّين الإيرانيّين بحرب من أجل الوجود. ويقول المسؤولون الإيرانيّون إنّها جنّبت الجمهوريّة الإسلاميّة الحاجة إلى خوض حرب مماثلة داخل حدودها الخاصّة. مع ذلك، كانت هذه الحرب مكلفة ومستنزِفة ولا ترحم من حيث الخسائر الماديّة، وحتّى أسوأ في ما يتعلّق بصورة إيران في العالم الإسلامي. لقد حدّت من خيارات إيران وأدّت إلى تحالفات – على الرّغم من الأرضيّة المشتركة التي تتشاطرها إيران مع شركائها - يبدو أنّها متزعزعة وهشّة للغاية.

قال مصدر عسكري إيراني للمونيتور شرط عدم الكشف عن هويّته إنّ "إيران تعلّمت الكثير من هذه السّنوات". وقال المصدر إنّ النّزاع في سوريا لم يكن حربًا تقليديّة حيث يسهل توقّع الأمور: "فالوكالات كانت تتغيّر من يوم إلى آخر، وعندما قرّرت إيران المشاركة في الحرب عبر مستشارينا العسكريّين، كان الرّئيس السّوري بشار الأسد على وشك السقوط. كان أكثر من 70% من البلاد واقع تحت [سيطرة] المجموعات الإرهابيّة التي كانت تتمتّع بدعم دولي وإقليمي وشعبي واسع النّطاق. أمّا اليوم، فالرّئيس بشار الأسد هو الأقوى، ويعلم العالم جيّدًا أنّه الخيار الوحيد لأولئك الذين يريدون فعلاً دحر الإرهاب. مع ذلك، هذه ليست المرحلة الأخيرة".

في طهران، تعتقد النّخب السّياسيّة والعسكريّة أنّ أعداء "محور المقاومة" خلقوا الأزمة في سوريا للانتقام ممّا تراه النّخب الإيرانيّة إنجازات هذه الأخيرة وشعبيّتها الكبيرة في المنطقة. وقال مسؤول إيراني للمونيتور اشترط عدم الكشف عن هويّته، "من الواضح أنّه بعد حرب الثلاثة وثلاثين يومًا في لبنان وانتصار حزب الله على إسرائيل [في العام 2006]، بدأ الأميركيّون ووكلاؤهم المحليّون بالتّفكير في كيفيّة إلحاق الهزيمة بنا". وأضاف المسؤول، "بما أنّهم لا يستطيعون شنّ حرب على إيران وبعد فشل محاولتهم القضاء على حزب الله، لم يبق أمامهم سوى خيار واحد في ذلك الوقت، وهو توجيه ضربة إلى الصّميم: سوريا". إذًا، بحسب المسؤول الإيراني، لم يكن أمام الجمهوريّة الإسلاميّة سوى خيار الدّفاع عن نفسها وبالتّالي إنّ "صراع إيران في سوريا يختلف عن صراع الآخرين: فهو حرب وجوديّة حيث لا خيار لنا سوى النّصر. بإمكان كلّ الأطراف الأخرى التي تقاتل في سوريا تحمّل الفوز أو الخسارة، باستثناء إيران. فعدم الفوز في هذه الحرب سيترتّب عليه عواقب وخيمة لا فقط على إيران بل أيضًا على شيعة العالم بأسره. وبالتالي صدر قرار مساعدة سوريا عن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وكان لذلك القرار طابع ديني وسياسي في الوقت عينه".

تساءل كثيرون عن قصّة القرار الإيراني بالتدخّل في سوريا، بخاصّة في ما يتعلّق بكيفيّة اتّخاذ القرار وما إذا كانوا قد وضعوا خطّة منذ اليوم الأوّل. ومن قام بتوضيح الصّورة كان عضو مجلس الشّورى السّابق اسماعيل كوثري – وهو قائد سابق في الحرس الثّوري الإيراني – الذي قال لوكالة أنباء فارس شبه الرّسميّة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2013 كيف توجّه أمين عام حزب الله حسن نصرالله إلى آية الله الخامنئي وأطلعه على مخاوفه بأنّ الأسد ستجري الإطاحة به. وقال كوثري إنّ نصر الله، بعد تسعة أشهر على بداية الحرب السّوريّة، استنتج أنّ الوضع سيّئ وشارف على نهايته. ونقل عن نصرالله قوله، "توجّهنا مع بعض المسؤولين إلى المرشد [الأعلى] وشاركناه أفكارنا. وبعد أن انتهينا من الكلام، قال: 'كلا، ليس هذا هو الحال. علينا القيام بواجبنا فحسب. إذا قمنا بواجبنا، سينعم كلّ من الأسد وسوريا بالاستقرار'".

أكّد المصدر العسكري الإيراني هذا التّقرير للمونيتور مضيفًا، "عندما عاد نصرالله إلى بيروت، التقى مجلس الشورى في [حزب الله] وأخبره عن وجهة نظر المرشد [الأعلى]؛ وطلب منهم إعداد خططهم. في الوقت عينه، بدأ آية الله الخامنئي اجتماعاته مع قيادة الحرس الثّوري الإيراني وطلب منها جمع آرائها وخارطة الطّريق للطّريقة التي سينتهي بها هذا النّزاع". وأضاف المصدر الإيراني أنّ الخامنئي كان له شاغلان أساسيّان: الحفاظ على خطّ تدفّق الأسلحة إلى لبنان وإبقاء الأماكن المقدّسة في سوريا آمنة. وقال المصدر إنّ القائدين الرّئيسيّين اللّذين جرى اختيارهما للحرص على تحقيق هذه الأهداف كانا نصر الله وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني.

وكان هناك أيضًا رجل ثالث اضطلع بدور رئيسي وهو الجنرال في الحرس الثوري الإيراني حسين همداني الذي قُتِل في سوريا في شهر تشرين الأوّل/أكتوبر 2015. كان دور همداني أساسيًا في قيادة القوّات على الأرض. وقد ترك خلفه تقريرًا كاملاً عمّا حصل في الطّريق إلى سوريا؛ ويركّز الكتاب الذي يحمل عنوان "رسائل الأسماك" على حياة همداني. هو يذكر دهشته عندما طُلِب منه الذّهاب إلى سوريا وكيف التقى عددًا من الشّخصيّات وزار مناطق عدّة. وقال إنّ 75% من البلاد "كانت واقعة تحت سيطرة المجموعات الإرهابيّة". وأضاف أنّه "بعد مرور بعض الوقت، أرسلت تقريرًا مفصّلاً إلى المرشد الأعلى طالبًا منه أن يسمح لي بالعودة إلى إيران، بما أنّ السّوريّين لم يقوموا بالاستفادة من وجودنا. فقال المرشد الأعلى للحاج قاسم [سليماني]: 'لا يجوز أن تغادروا سوريا وتعودوا! سوريا مريضة، لكنّها لا تعرف أنّها مريضة؛ ولا بدّ من شرح هذا المرض للسيّاسيّين ورجال الدّولة في سوريا'".

أرسل همداني أيضًا تقريرًا إلى قيادة الحرس الثّوري الإيراني. وقام آية الله الخامنئي لاحقًا بقراءة ذلك التّقرير، وطلب من همداني التّشاور مع نصرالله الذي – بحسب الكتاب – كان "مسؤولاً عن جميع سياسات محور المقاومة في سوريا". كان بين يدي همداني أكثر من 100 اقتراح للخطوات التي يمكن تطبيقها، فضلاً عن خمسة اقتراحات رئيسيّة في المجالات السّياسيّة، والاقتصاديّة، والثّقافيّة، والعسكريّة والأمنيّة. وبما أنّ نصرالله كان الرّجل المسؤول عن مسألة سوريا، توجّه همداني ومساعدوه للقائه في بيروت، ودامت النقاشات "من صلاة العشاء حتّى صلاة الفجر". ويقول الكتاب إنّ أمين عام حزب الله لم يرَ حاجة إلى أيّ خطوات سياسيّة، أو ثقافيّة أو اقتصاديّة آنذاك، قائلاً إنّ "بشار الأسد وحزب البعث يغرقان بشكل كامل في هذا المستنقع. لن يبقى شيء عندما يغرقون بالكامل". ثمّ يقتبس همداني كلام نصرالله كالتالي، "من النّاحية الثّقافيّة، هل تريد تعليمهم كيف يصلّون؟ أو فتح صفوف وتدريسهم؟ أو مناقشة المسائل الرّوحانيّة معهم؟ الوقت ليس مناسبًا؛ هم يغرقون! ومن النّاحية الاقتصاديّة، هل تريد خياطة الملابس لهم؟ أو إعطاءهم الطّعام؟ هؤلاء الناس ليسوا بحاجة إلى طعام؛ فهم إلى زوال. وعلى الجبهة السّياسيّة، هل تريد مناقشة الهيكل الصّحيح للنّظام وإصلاحه؟ هم يخسرون كلّ شيء!" واختتم نصرالله بقوله، "علينا أوّلاً إخراج بشار والحكومة السّوريّة من المستنقع؛ ثمّ نقوم بتنظيفهم، وإعطائهم الملابس، وإطعامهم، والطّلب منهم أن يدرسوا ويؤدّوا صلاتهم. الآن وقت إخراجهم [من المستنقع]، وهذه الخطوة الاستراتيجيّة".

إذًا من خلال تقرير همداني وتقارير أخرى صادرة عن عدد من القادة الإيرانيّين، يمكننا معرفة الكثير عن الحرب السّوريّة وعن الطّريقة والسّبب وراء حرص إيران على القتال حتّى آخر رمق. واليوم، تمامًا كما كان الحال عندما قرّرت إيران دخول سوريا، ما زالت الجمهوريّة الإسلاميّة تعتقد أنّ التّفريط بدمشق أشبه بالتّنازل عن طهران، وأنّه مهما كان ثمن الحرب، لن يكون أكبر من كلفة خسارتها.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : west, irgc, hezbollah in syria, shiism, syrian civil war, qasem soleimani, ali khamenei, hassan nasrallah

علي هاشم کاتب متابع للشؤون الإيرانية. على مدى العقد الماضي غطى العديد من المواضيع من إيران والمنطقة والعالم  لقنوات الميادين والجزيرة وبي بي سي و هو يكتب بشكل مكثف للمونيتور حول إيران وقضايا إقليمية، نشرت له مقالات أيضا في الغارديان وصنداي تايمز البريطانيتين، الهافنغتون بوست، الناشونال، ومجلة فاكتا اليابانية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept