نبض إيران

لماذا مصنّعو السيارات الفرنسيون هم المستفيدون الحقيقيون من الحمائية الإيرانية

p
بقلم
بإختصار
في حين أن الهدف من التعرفات المرتفعة التي فرضتها إيران على استيراد الآليات السيارة هو حماية الصناعة المحلية، يبدو أن المستفيدين الحقيقيين هم مصنّعو السيارات الفرنسيون.

تحتل صناعة السيارات الإيرانية المرتبة الثانية بعد قطاع الطاقة في البلاد، مع استحواذها على حصة عشرة في المئة تقريباً من إجمالي الناتج المحلي وأربعة في المئة من التوظيف. تخضع هذه الصناعة للحماية عن طريق فرض تعرفات مرتفعة على واردات السيارات، ما يُظهر الجهود التي تبذلها الجمهورية الإسلامية كي تصبح اقتصاداً صناعياً. لكن حان الوقت لطرح السؤال، مَن يُفيد فعلاً من هذه التعرفات؟ ففي حين تُفرَض الحواجز التجارية ظاهرياً من أجل حماية مصنّعي السيارات الإيرانيين، يبدو أن المستفيدين الأساسيين هم مصنّعو السيارات الفرنسيون الذين حجزوا لأنفسهم بكل وضوح حيّزاً خاصاً بهم في سوق السيارات الأكبر في منطقة الشرق الأوسط. في هذه المعادلة، يدفع المستهلكون الإيرانيون في نهاية المطاف ثمن السياسات الحمائية التي تطبّقها الحكومة.

تفرض إيران منظومة معقّدة من التعرفات والضرائب على واردات السيارات، والتي تتراوح قيمتها من 40 إلى 55 في المئة بحسب نوع الآلية السيارة. تضيف الحكومة ضريبة على القيمة المضافة قدرها تسعة في المئة، وضريبة مبيعات إجمالية قدرها أربعة في المئة. بناءً عليه، قد يدفع المستهلك الإيراني رسوماً جمركية وضرائب تصل نسبتها إلى 80 في المئة من قيمة السيارة المستوردة كي يتمكّن من قيادتها على الطرقات الإيرانية المحفوفة بالمخاطر وفي شوارع طهران التي تشهد زحمة سير خانقة.

المنطق الذي تعتمده الحكومة – بدعم من مصنّعي السيارات المحليين – بسيط: لا تزال صناعة السيارات الإيرانية في المهد، ويجب حمايتها من المنافسة الأجنبية المتفوّقة تكنولوجياً. صناعة السيارات الإيرانية هي الأكبر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتحتل المرتبة الثالثة عشرة في العالم، مع الإشارة إلى أن إيران تضم 13 جهة مصنِّعة للسيارات تزاول عملها فعلياً. بيد أن العدد الكبير نسبياً لمصنّعي السيارات لا يعني أن هذه السوق تنافسية.

في الواقع، تستحوذ شركتان فقط على حصة 94 في المئة من إجمالي الإنتاج: مجموعة "إيران خودرو" الصناعية، وشركة "سايبا". أبرمت مجموعة "إيران خودرو" الصناعية اتفاقات مع مصنّعَي السيارات الفرنسيين، مجموعة "بي إس إيه" وشركة "رينو"، لتنفيذ مشاريع مشتركة وللإنتاج المرخَّص. تتعلق الاتفاقات بالإنتاج المحلي وتجميع سيارات "بيجو" و"رينو"، والقطاعان معفيّان من التعرفات على الاستيراد. إذاً من خلال الاتفاقات مع مصنّعي السيارات المحليين، تتجنّب شركتا "بي إس أيه" و"رينو" عملياً الحواجز التجارية الصارمة التي تفرضها إيران.

تتولّى مجموعة "إيران خودرو" الصناعية إنتاج أعداد كبيرة من الآليات السيارة الفرنسية وبيعها – وهذه الأعداد في ازدياد. تُظهر الأرقام أن إنتاج "إيران خودرو" ازداد بنسبة 30 في المئة في العام 2016. ومن أصل نحو 400 ألف سيارة أنتجتها الشركة العام الماضي، كانت 94474 سيارة نسخة عن "بيجو 206"؛ و97959 سيارة عبارة عن أنواع مختلفة من نموذج "بيجو 405"؛ وكانت 78703 سيارات نسخة عن "بيجو 405" المعروفة بـ"بيجو بارس". في الإجمال، تُشكِّل السيارات التي يتم إنتاجها في إطار الشراكة مع "بي إس أيه" نسبة 70 في المئة، وهي نسبة مرتفعة جداً، من إنتاج مجموعة "إيران خودرو" الصناعية.

على نحو منفصل، تنتج "بارس خودرو" سيارة "رينو إل 9" – المعروفة بـ"توندار" – وسيارة "ميغان". وشهدت هذه الشركة أيضاً زيادة مذهلة في مبيعاتها وإنتاجها بلغت 190 في المئة العام المنصرم. بالمقارنة مع "إيران خودرو" و"سايبا"، شركة "بارس خودرو" أصغر حجماً بكثير، وتنتج أقل من خمسة في المئة من إجمالي السيارات التي يتم تصنيعها.

بالاستناد إلى أرقام يجري تداولها في وسائل الإعلام الإيرانية، تصل حصة "بي إس أيه" و"رينو" في السوق الإيرانية إلى 33 في المئة. يُقدَّر حجم السوق الإيرانية حالياً بثلث حجم السوق الألمانية. لذلك لا عجب في أن إيران ترتدي أهمية على المستوى العالمي بالنسبة إلى استراتيجيات الأعمال التي تنتهجها كل من "بي إس أيه" و"رينو". وتكتسب إيران أهمية متزايدة على ضوء المنافسة الشديدة التي تتعرّض لها الشركتان في أماكن أخرى حول العالم.

لقد بذلت مجموعة "إيران خودرو" الصناعية، بدفعٍ من التعرفات المرتفعة على الواردات ومن الضغوط لتلبية الطلب المحلي، جهوداً حثيثة للتعاون مع مصنّعي السيارات الفرنسيين، وقد أبدى الفرنسيون حماسة للتعاون لأسبابهم الخاصة. توجَّه الرئيس التنفيذي لمجموعة "إيران خودرو" الصناعية، هاشم يكه زاري، إلى فرنسا في زيارة بعيداً عن الأضواء في ربيع 2015 للتفاوض على إبرام اتفاقات مع المديرين في شركة "بي إس أيه". وقد استكمل المديرون الفرنسيون المفاوضات في طهران في صيف العام نفسه. وهكذا، كانت شركتا "بي إس أيه" و"رينو" مستعدّتَين إلى حد كبير عند بدء تطبيق الاتفاق النووي في كانون الثاني/يناير 2016. تتيح لهما اتفاقات المشاريع المشتركة مع مصنّعي السيارات الإيرانيين، الوصول إلى السوق الإيرانية حيث تقطع التعرفات الطريق على المنافسة.

انطلاقاً من المعطيات في السوق الإيرانية، لدى مصنّعي السيارات الفرنسيين أسباب وجيهة للشعور بالأمان: سياراتهم أرخص ثمناً من السيارات المستوردة، وذات جودة أعلى بالمقارنة مع المنتجات المحلية. تشجّع التعرفات المرتفعة التي تفرضها إيران على الواردات، على استيراد السيارات الفارهة، وليس على الابتكار في تصنيع السيارات. منذ آذار/مارس 2016 إلى شباط/فبراير 2017، استوردت إيران 61245 آلية سيارة تبلغ قيمتها 1.5 مليار يورو (1.6 مليار دولار)- أو ما معدّله نحو 25000 يورو (27000 دولار) للسيارة الواحدة. عند إضافة التعرفات على الاستيراد والضريبة على القيمة المضافة وضريبة المبيعات الإجمالية، من الواضح أن ثمن هذه السيارات ليس في متناول الطبقتَين العاملة والوسطى. فدخل العامل العادي في إيران يبلغ 230 دولاراً في الشهر، بحسب أرقام وزارة العمل.

تنتج شركة "سايبا"، وهي أيضاً من كبار مصنّعي السيارات في إيران، نماذج من سيارة "كيا برايد" بأعداد كبيرة جداً، ويبلغ سعر السيارة نحو 5200 يورو (5600 دولار). لكن نظراً إلى أدائها الضعيف على مستوى الأمان، يفضّل عدد كبير من المستهلكين الإيرانيين شراء سيارة أكثر متانة. وبما أن سيارات "بيجو" و"رينو" تتفوّق في الجودة بالمقارنة مع سيارات "كيا برايد" من "سايبا"، تستطيع مجموعة "إيران خودرو" الصناعية وشركة "بارس خودرو" أن ترفعا قليلاً أسعار سياراتهما؛ تُباع سيارة "بيجو 206" أو "بيجو 405" بسعر نحو 8000 يورو (8600 دولار)، وفي حال كانت تتمتع بمزايا إضافية، يمكن أن يصل سعرها إلى 12000 يورو (12900 دولار). ويمكن أن يصل سعر سيارة "ميغان" إلى 25000 يورو. صحيح أن هذه السيارات أغلى سعراً من التصاميم المحلية الإيرانية، لكنها تبقى أرخص من السيارات المستوردة. فارق الأسعار محميّ بواسطة التعرفات المرتفعة على الاستيراد، ما يؤدّي إلى احتكار مصنّعي السيارات الفرنسيين للسوق. باختصار: يُفيد بعض مصنّعي السيارات الفرنسيين من موقعهم في السوق الإيرانية لتعزيز مكانتهم على الساحة العالمية.

ترتدي السوق الإيرانية أهمية لمصنّعي السيارات الفرنسيين مثل شركة "بي إس أيه" التي سجّلت، مع إضافة مبيعاتها في إطار المشاريع المشتركة واتفاقات الترخيص في إيران، زيادة بنسبة 5.8 في المئة في المبيعات والتوزيع على الساحة العالمية العام الماضي. لولا السوق الإيرانية، كانت مبيعات الشركة لتنخفض بنسبة اثنين في المئة بالمقارنة مع العام 2015. إذاً ساهمت مبيعات الشركة المتزايدة في إيران في منح اندفاعة لنموها الإجمالي، ما أتاح لها ترسيخ مكانتها في السوق. فضلاً عن ذلك، استحوذت شركة "بي إس إيه" مؤخراً على سيارة "أوبل" التي تنتجها "جنرال موتورز"، وهي سيارة لقيت رواجاً في إيران في مرحلة التسعينيات، لتصبح بذلك ثاني أكبر مصنّع للسيارات في أوروبا. وهكذا، تساهم السوق الإيرانية في تعزيز مكانة "بي إس أيه" كجهة أساسية مصدِّرة للسيارات.

في هذا السياق، يسير مصنّعو سيارات أوروبيون آخرون على خطى الفرنسيين في تجاوز الحواجز المفروضة على الاستيراد في إيران. فقد ناقشت شركة "فولسفاغن" الألمانية خططاً لإنشاء خط تجميع في إيران، في إطار مشروع مشترك مع مصنّع السيارات الخاص "ماموت خودرو"، غير أن الطريق من المحادثات إلى التواجد الفعلي في السوق الإيرانية لا يزال طويلاً. في الوقت الراهن، تبقى إيران حكراً على مصنّعي السيارات الفرنسيين، فالتعرفات التي فُرِضت من أجل حماية الشركاء الإيرانيين تُفضي في نهاية المطاف إلى فرض احتكار الشركاء الأجانب للسوق.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : competition, imports, employment, islamic republic, export, industry, cars, automobile industry
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept