سبسطية... عاصمة الرومان الفلسطينيّة مهدّدة بالزوال

p
بقلم
بإختصار
عند نقطة التقاء (الشارع أو المنطقة الفاصلة) مدينتي نابلس وجنين في الضفّة الغربيّة، وتحديداً بين حقول القمح وأشجار السرو واللوز، تمتزج الحضارات في بلدة بدأت أهميّتها في عام 876 ق.م. ففي سبسطية، حطّ الكنعانيّون رحالهم، وعبر الأنفاق والسراديب، تشاهد تماثيل عدّة، من بينها تمثال لـ"رودس أندرياس".

عند نقطة التقاء (الشارع أو المنطقة الفاصلة) مدينتي نابلس وجنين في الضفّة الغربيّة، وتحديداً بين حقول القمح وأشجار السرو واللوز، تمتزج الحضارات في بلدة بدأت أهميّتها في عام 876 ق.م. ففي سبسطية، حطّ الكنعانيّون رحالهم، وعبر الأنفاق والسراديب، تشاهد تماثيل عدّة، من بينها تمثال لـ"رودس أندرياس".

وسط بلدة سبسطية تقع الكاتدرائية التي بنيت في عهد البيزنطيين في القرن الثاني عشر للميلاد، ومن ثم أعاد المهندسون الفرنسيون بناء الكاتدرائية، مما أضفى عليها حياة جديدة، وفي داخلها وضعت الإمبراطوريّات الرومانيّة واليونانيّة والفارسيّة والآشوريّة، وصولاً إلى العثمانيّة بصمات لها، وذلك من خلال الأعمدة والقصور والأبراج والقطع الأثرية. والتي ما زالت باقية إلى يومنا هذا.

وتعرف سبسطية الواقعة على تلّة يصل ارتفاعها إلى 440 متراً في شمال مدينة نابلس، بعاصمة الرومان الفلسطينيّة، وذلك لشهرتها بالآثار التي تعود إلى زمن العصر الروماني بزعامة الملك هيريدوس الأول.

وعلى الرغم من هذه المكانة التاريخيّة، وتزاحم الحضارات في سبسطية، إلّا أنّ التراث الأثريّ الإنسانيّ فيها، والذي يعود عمره إلى أكثر من 3 آلاف عام، تحاصره المستوطنات، وتهدّده الانتهاكات الإسرائيليّة بالزوال، ومنها محاولة نقل الآثار الموجودة في البلدة إلى المتاحف الإسرائيلية، ورفع الأعمدة الأثرية بألواح الخشب لإزالتها.

زار "المونيتور" سبسطية بعد التنقّل عبر الأزقّة الضيّقة للبلدة القديمة في نابلس، وعند الوصول إليها، تكشّفت ملامح الحضارات التاريخيّة. فالمدرّج الرومانيّ كان المكان الأوّل الذي انتقلنا إليه، وإلى جانبه البرج الهلنستيّ الذي يعود إلى حقبة العصر اليونانيّ، وكلّما تعمّقنا أكثر داخل البلدة، شاهدنا بصمات العصور القديمة، ومنها قصر الملك عمري، وتمثال الملك هيريدوس الروماني.

بدأت حكاية هذه الحضارات في عام 876 ق.م، وذلك عندما بنى الملك عمري مدينة سبسطية، وحصّنها بالأسوار، واعتبرها عاصمة له وسمّاها سمارية، لتتعاقب عشرات الحضارات عليها.

ويقول مدير دائرة المواقع الأثريّة في السلطة الفلسطينّية ضرغام الفارس لـ"المونيتور": "بعد حقبة الملك عمري، تعاقبت على سبسطية حضارات عدّة، وكانت أوّلها الكنعانيّة ثمّ العصر الحديديّ، فالحضارات الآشوريّة والبابليّة والفارسيّة واليونانيّة، ومن بعد ذلك كانت الفترة الرومانيّة، ثمّ البيزنطيّة، لتدخل بعدها فترة العصر الإسلاميّ، إضافة إلى فترة مستقطعة من الحكم الصليبيّ".

ومن أهمّ المواقع الأثريّة في سبسطية، بحسب الفارس، منطقة قصر الملك عمري الذي يعود إلى قبل 3 آلاف عام، وكذلك البرج الهلنستيّ في جنوب المدرّج الرومانيّ، والذي يعدّ من أهمّ آثار العصر الرومانيّ، إلى جانب برجين وقصور وشارع الأعمدة الممتدّ بطول 800 متر، فيما يقع على جانبيه 600 عمود أثريّ.

تواجه بلدة سبسطية التي تعدّ بوّابة الحضارات التاريخيّة، اليوم مستقبلاً غزاته مختلفون عن العصور السابقة، إذ يمارسون انتهاكات خطيرة لطمس هذا التاريخ، وإسقاط الرواية اليهوديّة عليه، ومن أخطر تلك الانتهاكات قرار إسرائيليّ يحظّر دخول السيّاح الأجانب إلى أرض الآثار الفلسطينيّة.

ولإحكام سيطرته على سبسطية، أقام الاحتلال عليها مستوطنة شافي شمرون، بعدما صادر غالبيّة أراضيها، وسيطر عليها.

ويقول نائب رئيس بلدية سبسطية نائل الشاعر لـ"المونيتور": "إنّ انتهاكات الاحتلال ضدّ سبسطية تشمل المواقع الأثريّة فيها كافّة، ومنها سرقة الآثار التاريخيّة التي كانت موجودة في المسجد العثمانيّ، ونقلها إلى المتاحف الإسرائيليّة، وكذلك محاولة نقل بعض قطع المقبرة الملكيّة الرومانيّة من وسط القرية، وبعد فشلهم في رفع القبور الحجرية الضخمة، تركوا كل شيء، وأبقت البلدة على الروافع الخشبية لتكون شاهدة على تخريبهم".

ويكشف الشاعر عن خطورة المشروع التهويديّ الجديد في سبسطية، والذي يهدف إلى مصادرة أراضيها كافّة، وذلك من خلال تكثيف اعتداءات المستوطنين بتغطية أمنيّة من قوّات الجيش الإسرائيليّ.

ومن ممارسات المستوطنين في سبسطية، بحسب الشاعر، تدمير الممتلكات، فقد هدم المستوطنون أخيراً ثلاثة أماكن، منها مطعم وبركس ومتجر لبيع التحف، إضافة إلى عمليّات الحفريّات التي تطال المواقع الأثريّة في البلدة، ومنها التلّ الأثريّ الذي تبلغ مساحته 115 دونماً.

وبحسب الشاعر فإن الاحتلال يسعى إلى عزل المنطقة الأثريّة في سبسطية التي تبلغ مساحتها أكثر من نصف المساحة الإجماليّة للبلدة، وفرض رسوم دخول من قبل سلطة الطبيعة والحدائق العامّة الإسرائيليّة.

ولا تقتصر معاناة سكّان سبسطية على اعتداءات المستوطنين، وسرقة أراضيهم فحسب، فمياه مستوطنة شافي شمرون العادمة تتسرّب إلى أراضيهم وتتلف الشجر والمزروعات، إضافة إلى المكاره الصحيّة التي تلوّث حياة المواطنين.

أضطرّ ميسرة الحاطوم، وهو صاحب إحدى الأراضي الزراعيّة القريبة من المستوطنة، إلى التوقّف عن زراعة أرضه، وذلك لأنّ المياه العادمة ستعدم كلّ المحاصيل التي سيزرعها، فيما ستهلك تلك المزروعات من الخنازير والكلاب الضالّة التي تتّخذ من المكان مرتعاً لها.

الانتهاكات الإسرائيلية تقابلها ثمّة محاولات من المؤسّسات الفلسطينيّة الرسميّة لإدراج سبسطية وآثارها في قائمة التراث العالميّ في منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة اليونيسكو، وذلك لحمايتها من خطر التهويد والمصادرة، وإعادة تشجيع السيّاح لزيارتها في شكل دائم.

وللحديث عن ذلك، يقول مدير عام الترميم وإدارة المواقع الأثريّة في وزارة السياحة والآثار الفلسطينيّة إيهاب الحاج داوود لـ"المونيتور" حيث قال: "أعددنا قائمة تضمّ 20 موقعاً أثريّاً في الأراضي الفلسطينيّة، ومن بينها بلدة سبسطية، وذلك لتقديمها إلى منظّمة اليونسكو لتسجيلها ضمن قائمة التراث العالميّ".

ويوضح الحاج داوود أنّ الهدف من إدراج سبسطية على قائمة التراث العالميّ، حمايتها من ممارسات التهويد، واعتداءات المستوطنين، والحدّ من محاولات الاحتلال لطمس هويّتها وآثارها التي حافظ عليها الفلسطينيّون على مدار آلاف السنوات الماضية.

وتحاول وزارة السياحة والآثار الفلسطينيّة، بحسب الحاج داوود، إعداد مشاريع تحمي آثار سبسطية، ومن بينها مخطّط متكامل للحفاظ على الموقع الأثريّ والتاريخيّ في البلدة، وكذلك المشهد الثقافيّ فيها.

وفي سياق متّصل، يقول الحاج داوود: "على الرغم من المحاولات الدبلوماسيّة الفلسطينيّة لتسجيل سبسطية على قائمة التراث العالميّ، إلّا أنّ هناك ثمّة عوائق تعترض تلك الخطوة، ومنها، عدم اعتراف الاحتلال بهذه القائمة، إضافة إلى أنّ الاحتلال يسيطر على المواقع الأثريّة في سبسطية، كونها تقع في المنطقة المصنّفة C، حسب اتّفاقيّة أوسلو".

ويضيف: "بالتالي، لا توجد لدينا كحكومة فلسطينيّة سيطرة على منطقة C، التي تقع فيها المناطق الأثريّة في سبسطية من ناحية أمنيّة، كما لا نمتلك الإمكانات اللازمة لتطويرها سياحيّاً لخدمة الزوّار.

ويتوقع مدير عام الترميم وإدارة المواقع الأثرية في وزارة السياحة الفلسطينية عدم القبول بالقائمة المقدمة إلى اليونيسكو، لأن إسرائيل ستستخدم حق الاعتراض، والتصويت على رفض القائمة المقدمة، معتمدة على اتفاقية أوسلو التي صنفت أراضينا المسلوبة ضمن سيطرة الاحتلال.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : antiquities, west bank, israeli settlers, area c, heritage, palestinian culture, unesco
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept