نبض تركية

هل تريد سوريا فعلاً التّصالح مع الأكراد؟

p
بقلم
بإختصار
مستقبل الأكراد السّوريّين غير أكيد، لكنّهم أوضحوا على الأقلّ أنّ الأمور يجب أن تتغيّر.

القامشلي، سوريا – يعمل الأكراد السّوريّون بهدوء لكن بشكل حثيث لبناء كيان دولة له أجهزته الأمنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الثقافية الخاصّة. لكن ماذا لو رفضت دمشق هذا النّظام واختارت الحرب؟

جلت مؤخّرًا في البلاد سالكًا الطّريق الرّئيسي الذي يسيطر عليه الجيش السّوري بين المطار ومجمّع المكاتب الرّسميّة خارج القامشلي. عند تخطّي الجزء من الطّريق الذي تسيطر عليه الحكومة، نجد مباشرة مزيجًا من الكتابات على الجدران. تتنافس على المساحة كلّ من ملصقات تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش)، وجبهة فتح الشام والجيش السّوري الحرّ؛ والصّور المؤطّرة بالأسود للذين قتِلوا في الاشتباكات مع الجيش؛ وصور قائد حزب العمال الكردستاني المسجون عبد الله أوجلان.

وترفرف على أعمدة الكهرباء أعلام وحدات حماية الشّعب ووحدات حماية المرأة التّابعة لها – وهي قوّات الدّفاع الخاصّة بالنظام الاتّحادي الدّيمقراطي في شمال سوريا، الذي ما زال يُعرَف باسم روج آفا غير الرّسمي. وليس الجيش من يسيطر على الشّوارع، بل وحدات الأسايش الكرديّة (تنظيم أمني كردي).

في مساحة من الأرض إلى الشّمال، بدأ كيان للحكم الذّاتي مخطّط له مسبقًا يتشكّل ببطء من القامشلي إلى الحسكة، ومن تل أبيض إلى كوباني ومنبج. ومع أنّهما غير مرتبطين فعليًا بالجسم الرّئيسي، يُعتبَر كلّ من عفرين وحيّ شيخ مقصود بحلب جزءًا منه.

يتكلّم مسؤولون سوريّون تحدّثت معهم، عن القضاء على تنظيمات كداعش وجبهة فتح الشام أوّلاً، ثمّ استعادة السّيطرة على المنطقة بدون محاربة الأكراد – لكن بدون السّماح لهم أيضًا بالتّحوّل إلى النّظام الاتّحادي. يريد الأكراد في نهاية المطاف أن يوجّهوا سوريا نحو هيكل اتّحادي وأن يجري الاعتراف بالحكم الذّاتي لروج آفا في الدّستور. آخر ما يريده الأكراد هو الحرب. وهم يدركون أيضًا أنّه في ظلّ الظّروف الرّاهنة، لا يمكنهم التّفكير بتقسيم البلاد أو بإقامة دولة مستقلّة.

يقترب الطّرفان من نقطة حاسمة تثير أسئلة استفزازيّة: كيف سيتعامل النّظام السّوري مع الأكراد؟ ماذا سيحدث لروج آفا إذا قرّرت تركيا وسوريا التّعاون؟ هل بإمكان الأكراد المخاطرة بمحاربة الجيش السّوري؟

خطا الأكراد بالفعل خطوات كبيرة نحو هيكل دولة مع دستور، ومجلس تأسيسي، ولجان شعبيّة، وقوّات دفاع وأمن ومؤسّسات تعليميّة وثقافيّة.

في دار الضّيافة الجديد لقوّات الأسايش في تل أبيض، التقيت عمر علوش، مسؤول العلاقات الخارجيّة في ائتلاف "حركة المجتمع الدّيمقراطي"، الذي يشكّل القوّة الدّافعة لعمليّة الحكم الذّاتي. وقال إنّ "حركة المجتمع الدّيمقراطي" تريد تطبيق نموذج روج آفا في كافّة أنحاء سوريا.

سألته، ماذا لو فشل الأمر وأدّى إلى الحرب؟ فتراجع بعض الشّيء قائلاً: "إذا لم نستطع إقناع الدّولة، فسنتحوّل إلى الشّعب. يجب إجراء استفتاء في الشّمال وعلى الحكومة القبول بالنّتيجة. نحن لا نصرّ على النّظام الاتّحادي أو الحرب. نحن نسعى إلى حلّ لا مركزي. نحن لن نرضى بحكم مركزي أو بعثي".

ويبدو أنّ تلك التّصريحات تلخّص تصميم الأكراد وكذلك واقعيّتهم.

بعد اجتماعين رتّبهما الرّوس بين النّظام والأكراد في قاعدة حميميم الجويّة، عُقِد اجتماع ثالث في دمشق، لكن في غياب أيّ ممثّلين عن "حركة المجتمع الدّيمقراطي" وحزب الاتّحاد الدّيمقراطي القومي الكردي، اللّذين يشكّلان القوى المهيمنة في المنطقة. وقد جرت دعوة المجموعات الأقلّ نفوذًا فحسب، ما أثار تساؤلات بشأن نوايا دمشق.

قال علوش إنّ ذلك كان تكتيكًا لجأ إليه النّظام لتجنّب التوصّل إلى حلّ. وقال إنّ "حزب الاتّحاد الدّيمقراطي لم يكن في دمشق لأنّ له مشروعًا محدّدًا ملموسًا. وقد حضرت غيره من الحركات الكرديّة لأنّه ليس لديها أيّ مشاريع. في الواقع، مشروعنا يلائم النّظام السّوري أكثر من مشاريع أخرى"، مشيرًا إلى أنّ المجموعات الأخرى تريد دولة كرديّة مستقلّة. "النّظام يعلم ذلك، ولهذا السّبب هو يدعو أحزابًا لا يمكنه التّصالح معها. هناك إمكانيّة لأن يتوصّل النّظام إلى تسوية مع حزب الاتّحاد الدّيمقراطي، لكنّه لا يريد المصالحة".

بالإضافة إلى ذلك، لم تكن دعوة الأكراد دون سواهم إلى تلك الاجتماعات أمرًا عمليًا، إذ إنّ الأكراد يعملون مع مجتمعات أخرى. وقد سألت ايزو غويريه، رئيس حزب الاتّحاد السّوري وعضو تجمّع سوريا الدّيمقراطيّة، عن طبيعة اجتماع دمشق.

فقال إنّ "العرب، والأكراد والسّريان وضعوا مطالبهم في بيان مشترك بعد اجتماعي حميميم الأوّل والثاني. ... نحن منفتحون للاجتماع والمناقشة. لكنّنا لم نلق ردًا. نحن نقول إنّ سوريا بأكملها يجب أن تتحوّل إلى نظام اتّحادي".

وقال غويريه إنّ النّظام مرن في بعض المسائل، كالسّماح للأكراد باستعمال لغتهم الأمّ في التّعليم والقبول بأنّ جميع الأحزاب مسؤولة عن الأمن في مناطقها. وقال إنّ "دمشق تفكّر في توسيع سلطة الإدارات المحليّة. هم يوافقون على أن تصبح وحدات الأسايش الشّرطة المحليّة، لكنّهم لا يريدون مناقشة نظام أمن شامل معهم. وبالنّسبة إلى دمشق، إنّ وضع وحدات حماية الشّعب، ووحدات حماية المرأة وقوّات سوريا الدّيمقراطيّة ليس قابلاً للنّقاش".

أضاف أنّ مستقبل روج آفا يتوقّف على مواقف أطراف المشكلة: "هي ليست مشكلة يمكن أن تحلّها القوى المحليّة. من غير الممكن التّوصّل إلى حلّ بدون الولايات المتّحدة. وكذلك روسيا، أو إيران أو تركيا لا يمكن أن تخرج بحلّ من طرف واحد".

فرق الاغتيال في الاستخبارات التّركيّة

دار الضّيافة الخاصّ بوحدات الأسايش هو مبنى بسيط جرى بناؤه بالموادّ المحليّة، بما في ذلك الطّين والحجارة خارج مركز مدينة القامشلي. وقد جلس الصّحفي السّابق جوان ابراهيم، القائد الحالي لقوّات الأسايش، على وسادة بالقرب من المدفأة.

قال ابراهيم، وهو من أمّ كرديّة وأب عربي، إنّ نظام دمشق يشكّل تهديدًا لهم تمامًا كداعش: "كلاهما يحاولان تحريض الجماهير العربيّة ضدّ الأكراد". وأشار ابراهيم إلى خطر تركيا المتزايد على روج آفا، قائلاً إنّ أنقرة، إلى جانب رئيس كردستان العراق مسعود بارزاني، تحاول القضاء على حركة الحكم الذّاتي في روج آفا. واتّهم ابراهيم جهاز الاستخبارات التّركي باغتيال الأكراد. وأضاف قائلاً، "في السّنوات الثّلاث الماضية، قتلوا ثمانية أشخاص من حزب الاتّحاد الدّيمقراطي. تعقّبنا القتلة وقضينا عليهم بإلقاء القبض على 23 من بينهم، جميعهم من العرب. ولقد كشفنا ارتباطهم بتركيا".

الأسايش: موضع خلاف مع النّظام

شرح ابراهيم مسألة الأمن العشوائي غير الرّسمي في المنطقة، الذي يفتقر إلى التّواصل والتّنسيق بين المجموعات المختلفة هناك. فقال، "لا يوجد أيّ اتّصال بيننا وبين النّظام. لنقل إنّه جرى احتجاز واحد منّا. لا بدّ من وجود أحد في الوسط يسمح لنا بالتّواصل مع النّظام. وبالطّريقة عينها، كيف سيتواصل معنا النّظام عندما نعتقل شرطيًا أو جنديًا مع النّظام؟ نلجأ أحيانًا إلى زعماء القبائل للتوسّط بيننا، لكنّنا لا نستطيع التّواصل معهم مباشرة. نواجه مشاكل جديّة مع القوى غير الرّسميّة وغير المنظّمة التّابعة للنّظام".

تطرّق بعدها إلى موضوع المسيحيّين. فقال ابراهيم، "نحن حذرون مع المسيحيّين. هم مسالمون. إنّ سوتورو، وحدة الأمن المحلّي [المسيحيّة] السّريانيّة، تسيطر على اثنين من الأحياء في القامشلي، ولدينا قاعدة تبعد 100 متر عنهم. ندخل ونخرج بحريّة. هم لا يتدخّلون. ونحن لا نتدخّل بتحرّكاتهم. وتحرص وحدات الأسايش الكرديّة على عدم دخول المناطق التي يسيطر عليها النّظام، وجنودهم يبقون بعيدين عن مناطقنا. إذا أراد جندي أو شرطي تابع للنّظام عبور منطقتنا، عليه ألا يكون مرتديًا زيّه الرّسمي وألّا يكون مسلّحًا. وإلا فسنحتجزه".

ما هي وحدات الأسايش؟

في روج آفا، ليس رجال الشّرطة والجنود التّابعون للنّظام وحدهم من يخضعون للقيود، فالأمر ينطبق أيضًا على أيّ شخص يأتي من خارج المنطقة. يحتاج السّوريّون غير المتحدّرين من منطقة روج آفا إلى تصريح إقامة إذا أرادوا العيش هناك، ولا بدّ أن يكفلهم أحد سكّان روج آفا. وقال ابراهيم إنّ هذا التّدبير الشّبيه بالتّأشيرة موقّت وسيجري إلغاؤه عندما يتغيّر الوضع في دمشق.

وقال ابراهيم إنّ عدد أفراد الأسايش اليوم هو 10,000 في الجزيرة، و3,000 في عفرين، و2,000 في كانتون كوباني. وتجدر الإشارة إلى أنّ نصف أفراد الأسايش في الجزيرة هم من العرب. وفي تل أبيض، نجد عددًا قليلاً من التركمان؛ ومن بين جميع أفراد الأسايش، نجد 300 تركماني. وتشكّل النساء حوالي 30% من أفراد الأسايش. يتلقّى أعضاء الأسايش راتبًا شهريًا قدره 120$، علمًا أنّه في سوريا، تتراوح الرواتب الشّهريّة للموظّفين الرّسميّين بين 80 و100$، ما يجعل العمل ضمن وحدات الأسايش مغريًا.

إنّ جهاز الشّرطة السّرياني سوتورو تابع لوحدات الأسايش، لكنّه مستقلّ ذاتيًا في شؤونه الدّاخليّة. يتمتّع سوتورو بتمثيل في مجلس الأسايش التّنفيذي المؤلّف من أربعة أشخاص. وضحك ابراهيم قائلاً، "إذًا، هم يقولون لنا ما يتوجّب علينا فعله لكن لا يمكننا نحن أن نملي عليهم ما يفعلونه. إذا أرادوا تعيين شخص، كلّ ما يقومون به هو إعلامنا بالأمر، لكن إذا أردنا نحن تعيين شخص، علينا الحصول على موافقتهم".

لا أحد يستطيع أن يتنبّأ أين ستنتهي المفاوضات في دمشق، لكنّ النّظام لا يستطيع أن يتجاهل إلى الأبد الوقائع في الشّمال. قدّمت حركة الحكم الذّاتي في روج آفا على الأقلّ فكرة اللامركزيّة للنّظام السّوري، وعليه، أخذت الإدارات المحليّة خطوات صغيرة لوضع التّشريعات.

الأمور يجب أن تتغيّر. حتّى داخل البنية البعثيّة القويّة، هناك نقاش بشأن التّحوّل من القوميّة العربيّة إلى القوميّة السّوريّة. عدد قليل جدًا من السّوريّين سيوافقون على الحكم الذّاتي الكردي، لكن يقول البعض إنّ النّظام يستطيع أن يتعلّم من تجربة الأكراد.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : iraqi kurdistan, qamishli, kurdistan region, autonomy, rojava, bashar al-assad, pkk, syrian kurds
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept