هل التحول في الموقف التركي من الأسد يؤشر إلى بداية نهاية الحرب السورية؟

p
بقلم
بإختصار
يقول نائب رئيس الوزراء التركي "علينا أن نعمل بما هو متاح لنا"؛ لا انقسامات مذهبية في حلب؛ خط التصدّع السوري-الكردي.

قال نائب رئيس الوزراء التركي محمد شيمشك في 20 كانون الثاني/يناير الجاري إن "الوقائع على الأرض تغيّرت بصورة دراماتيكية، ولذلك لم يعد بإمكان تركيا الإصرار على التوصل إلى تسوية من دون [الرئيس السوري بشار] الأسد، فهذا ليس أمراً واقعياً. علينا أن نعمل بما هو متاح لنا".

جاء تصريح شيمشك قبل ثلاثة أيام من انطلاق المحادثات حول سوريا بوساطة روسية في الأستانة في كازاخستان في 23 كانون الثاني/يناير الجاري.

لقد صرّح الأسد أن الأهداف التي يصبو إليها من خلال محادثات الأستانة هي أن تكون "على شكل محادثات بين الحكومة والمجموعات الإرهابية من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار والسماح لتلك المجموعات بالانضمام إلى المصالحات في سوريا، ما يعني تخلّيها عن أسلحتها والحصول على عفو من الحكومة. هذا هو الشيء الوحيد الذي نستطيع توقّعه في هذا الوقت".

لن ترسل الولايات المتحدة وفداً إلى الأستانة، وسوف تكون ممثَّلةً في المؤتمر بالسفير الأميركي لدى كازاخستان الذي سيحضر بصفة مراقب.

يأتي التحول في الموقف التركي من الأسد فيما تتوقع أنقرة بدايةً جديدة في العلاقات الأميركية-التركية مع تسلّم إدارة ترامب زمام السلطة. اعتبر وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في مقال نُشِر في صحيفة "الواشنطن بوست" في وقت سابق هذا الشهر، أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس باراك أوباما "انتقدت [تركيا] وأهملتها وتجاهلتها في شؤون حيوية".

ربما تهلّل تركيا لآفاق تحسّن العلاقات في عهد الرئيس دونالد ترامب. كتب مستشار الأمن القومي الأميركي مايكل فلين في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي أنه على الولايات المتحدة أن تعطي الأولوية لعلاقاتها مع تركيا، مضيفاً أن فتح الله غولن، الداعية المقيم في بنسلفانيا والذي تُحمِّله تركيا مسؤولية الانقلاب الفاشل في تموز/يوليو 2016، "يمارس الخداع"، و"يجب ألا نمنحه ملاذاً آمناً".

لكن سميح إيديز كتب من جهته: "يبدو أن المشكلة هي أن الترقّبات التركية تستند حصراً إلى تلبية واشنطن لطلبات أنقرة، وهذا بالكاد يترك مجالاً أو لا يترك أي مجال على الإطلاق للتفاوض أو التسويات العقلانية. ما تقوله أنقرة فعلياً هو أنه إذا لم تتم تلبية مطلبَيها المحدّدَين بوضوح، الأمل ضئيل بتحسّن العلاقات".

المطلب الأول هو قطع الولايات المتحدة علاقاتها مع "حزب الاتحاد الديمقراطي" الكردي السوري وجناحه العسكري، "وحدات حماية الشعب"، الذي تزعم أنقرة أنه على ارتباط بـ"حزب العمال الكردستاني" الذي تعتبره تركيا تنظيماً إرهابياً. أما المطلب الثاني فهو ترحيل غولن.

وصف رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم الدعم الاميركي لـ"وحدات حماية الشعب" بـ"المشين"، واشتكى جاويش أوغلو في مقاله من أن واشنطن "تُلقي علينا مواعظ عن الإجراءات القانونية، والسبب الوجيه، ومعايير الإثبات"، رداً على الطلب الذي تقدّمت به أنقرة بترحيل غولن.

غالب الظن أن الخلافات حول مسألتَي غولن والأكراد السوريين لن تُسوّى بسهولة أو بصورة سريعة. ينبغي على الولايات المتحدة التقيد بالإجراءات القانونية ومعايير الإثبات عند النظر في ترحيل أي مواطن أجنبي، بما في ذلك غولن، وقد تتعرض لضعوط شديدة للتخلي عن "حزب الاتحاد الديمقراطي" و"وحدات حماية الشعب" اللذين يشكّلان نواة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد "الدولة الإسلامية" في سوريا، لا سيما في الوقت الذي يستعد فيه التحالف لشن هجوم على الرقة الخاضعة لسيطرة "الدولة الإسلامية".

تلفت أمبرين زمان إلى أن "وجود غولن في الولايات المتحدة يبقى شوكة في العلاقات التركية-الأميركية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى سجن القس الأميركي أندرو برونسون الذي مرّ مرور الكرام إلى حد كبير في تركيا، إنما ليس في الولايات المتحدة". تضيف زمان: "وُجِّهت إلى برونسون تهمة الانتماء إلى تنظيم إرهابي، ويُحتجَز في سجن في إزمير. مما لا شك فيه أنه نُسِب إلى حزب العدالة والتنمية الفضل في أن ما قدّمه للمجموعات غير المسلمة يتفوّق على ما قدّمه أيٌّ من أسلافه. غير أن الأجواء أصبحت سيئة منذ الانقلاب في 15 تموز/يوليو. فقد جرى اعتقال عشرات آلاف الأشخاص في تهمٍ مدعومة غالباً بأدلّة واهية عن امتلاكهم روابط مع غولن، وعلقت في المعمعة أعدادٌ لا تحصى من الأشخاص الذين يُرجَّح أن يكونوا أبرياء من التهم المنسوبة إليهم".

"لا انقسامات مذهبية في سوريا"

كتب فهيم تشتكين في تقرير من حلب: "على النقيض من التحاليل التي تصل تباعاً من الخارج وتلقى رواجاً، ليست البلاد منقسمة. على الرغم من الحملات والصدامات المذهبية التي يشنّها جهاديون حصلوا على المال من الخليج، لم ينقسم السوريون مذهبياً. لم يحص انقسام مذهبي بين الجيش السوري والشعب، كما قال البعض. عند معاينة الديناميات الداخلية عن كثب، نستنتج أنها لم تكن حرباً بين العلويين والسنّة أو المسيحيين والمسلمين. في حمص فقط، عند بدء الصدامات، أثارت الهجمات المنظّمة من السنّة على العلويين والشيعة والمسيحيين انقساماً مذهبياً، لكنه لم يدم طويلاً".

أضاف تشتكين: "حلب هي خير مثال عن أنها لم تكن حرباً مذهبية. لقيت ست شخصيات دينية سنّية مرموقة على الأقل مصرعها في حلب لأنها رفضت الانتفاضة المسلّحة. كان رجال الدين السنّة معرّضين على الدوام للتهديد بسبب عدم انضمامهم إلى الحرب. السؤال الأكثر إزعاجاً الذي يمكن طرحه على الجنود على جبهة حلب هو إذا كانوا سنّة أم علويين. لا شيء يثير غضب السوريين بقدر هذا السؤال".

إلى جانب الأزمات الهائلة المرتبطة بإعادة الإعمار والأوضاع الإنسانية، تعاني سوريا أيضاً من آفة الفساد. كتب تشتكين: "بحسب ما أراه، الأسد أكثر شعبية اليوم من السابق. بالطبع، ليست هذه الشعبية معمّمة على نظامه كاملاً. وفقاً للبيروقراطيين والسياسيين والمدنيين الذين تحدّث معهم موقع المونيتور في حلب ودمشق، المنظومة غارقة في الرشاوى والفساد ولا يمكنها أن تصمد طويلاً. سيرغب الناس في رؤية بعض المسؤولين الذين يحكمون البلاد يواجهون العقاب. دفعت البلاد ثمناً باهظاً جداً للحرب، ولن تتسامح مع أولئك الذين أفادوا من المحسوبيات والمحاباة والفساد والتجاوزات".

يكتشف تشتكين تعقيدات الدور الإيراني في سوريا، بالمقارنة مع روسيا و"حزب الله" على السواء. ويكتب في هذا الصدد: "لا يتحدّى أحد الدور الذي ستؤدّيه روسيا. لكن المسألة مختلفة بالنسبة إلى إيران، الحليفة الأساسية الأخرى. ليس من الصعب أن نلمس استياءً لدى الناس، وحتى لدى المسؤولين في الحكومة، من موقف إيران التدخلي. حتى إن عدداً كبيراً من السوريين يفضّل التحالف مع روسيا لأنهم يعتبرون أن موسكو لن تتدخل في شؤونهم الداخلية. فضلاً عن ذلك، قال البعض لموقع المونيتور إن موقف إيران المتعجرف والمسيطِر يثير غضب الجيش السوري في شكل خاص".

يتابع تشتكين: "الغريب أن انزعاج السوريين من الإيرانيين لا يُترجَم انزعاجاً من حزب الله المدعوم من إيران الذي يتخذ من لبنان مقراً له، والذي يتحدر من البيئة الثقافية نفسها مثل السوريين. يتمتع أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله بمكانة مرموقة في سوريا مساوية تماماً لمكانة الأسد. ففي دمشق وحمص وأماكن أخرى – حتى في حلب التي يطغى عليها الطابع السنّي – نرى ملصقات عليها صورة حسن نصرالله في كل مكان، ويكنّ له المسيحيون مودّة كبيرة".

خط التصدع السوري-الكردي

ربما كانت لدى الحكومتَين السورية والتركية مصلحة مشتركة في كبح الحكم الذاتي الكردي في شمال سوريا. كتب تشتكين هذا الأسبوع أنه "في الدوائر السياسية العسكرية والمدنية في دمشق، يمهّد شعار ’الحكم الذاتي الديمقراطي‘ الذي يرفعه الأكراد، الطريق أمام الانقسام. يعتقد السوريون أن الولايات المتحدة تقوم بمناورات في تلك المنطقة، لذلك يستغربون الأمر عندما تقول إنك ذاهب إلى القامشلي". يروي تشتكين ما عاينه لدى وصوله إلى مطار القامشلي: "مطار القامشلي هو بمثابة بوابة حدودية تقود إلى تركيا. يسيطر الجيش السوري على المباني العامة المجاورة، وعلى مجمّع سكني وكذلك على الطريق الرئيس الذي يربط المجمع بالمطار. لا تقترب الشرطة الكردية ووحدات حماية الشعب من المنطقة. حتى داخل القامشلي، يستخدم الراغبون في الانتقال من أقصى البلدة إلى أقصاها، طريقاً التفافياً معقّداً لتجنّب حواجز التفتيش التي يقيمها الجيش. لا يدخل الجنود السوريون المنطقة الخاضعة لسيطرة الأكراد في بزّاتهم العسكرية ومع أسلحتهم. الطريق السريع الذي يسيطر عليه الجيش انطلاقاً من المطار يزيّنه عدد كبير من الملصقات التي يظهر فيها معاً الأسد وأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله. الجدران مغطّاة بصور لحافظ الأسد ونجله بشار وشعارات عنهما. الشعار الذي ينتشر على نطاق واسع عند تقاطع الطريق الرئيس قرب المباني العامة هو: ’دافعوا عن سوريا‘... أبعد من الطريق السريع الخاضع لسيطرة الجيش، تختلف الأمور. فقد استُبدِلت صور الأسد بصورة زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون عبدالله أوجلان".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : turkish-us relations, fethullah gulen, donald trump, kazakhstan, iran-syria relations, hezbollah in syria, ypg, aleppo, bashar al-assad
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept