نبض فلسطين

سيرك الشارع في القدس... البهجة في المدينة المهمّشة بلا تمويل

p
بقلم
بإختصار
في مدينة القدس تجمّع ثلاثة شبّان بمواهبهم الموسيقيّة والبهلوانيّة، وأسّسوا "سيرك الشارع" لتقديم عروضهم من دون أيّ تمويل ومجّاناً إلى أهالي المدينة التي تعاني من أوضاع أمنيّة وإقتصاديّة صعبة.

الضفّة الغربيّة، رام الله – عزيزة نوفل: في أحياء شرقي مدينة القدس المحتلّة خرج ثلاثة شبّان بآلاتهم وأدواتهم البسيطة إلى الشارع، وما أن يبدأوا بعروضهم حتّى يجتمع الأهالي والأطفال حولهم. وعلى صوت موسيقى القيثار التي يعزفها الشاب مؤمن أبو صبيح، يبدأ أحمد الجعبة ومعتزّ قواسمي بأداء عروض السيرك البهلوانيّة.

الجعبة وقواسمي وأبو صبيح ثلاثة شبّان من مدينة القدس تجمّعوا بمواهبهم الخاصّة، وأسّسوا فرقة "سيرك الشارع". لقد بدأوا بأداء عروضهم مجّاناً في الشارع، وكان عرضهم الأوّل في بداية كانون الأوّل/ديسمبر الفائت.

وفي هذا السياق، قال بشار المشني، مدير مؤسسة تاج للسياحة والفنون الذي نظّم هذه العروض ونسّقها بشكل تطوعيّ، دعماً منه لمواهب الشبّان الثلاثة، ومن يمكن أن ينضمّ إليهم مستقبلاً: "إنّ الفكرة كانت ردّة فعل على يأس الشباب من دور المؤسّسات في رعايتهم واحتضان المواهب الشابّة. لقد فكّرنا ببناء حاضنة شعبيّة لتوفير أماكن جديدة للمواهب الشابّة، بعيداً عن أجندات المموّلين والدعم الخارجيّ".

أضاف المشني في حديث لـ"المونيتور": "نحن نصل إلى الناس ونوفّر لهم مساحة ترفيه جديدة، وفي شكل مجانيّ، لا سيّما أنّ أهالي القدس في حاجة إلى متنفّس، في ظلّ الأوضاع الأمنيّة المتصاعدة هناك، والحال الاقتصادية السيّئة، وخصوصاً للعائلات التي لديها أطفال".

إنّ عروض سيرك الشارع هي عبارة عن مزيج من العروض البهلوانيّة والسيرك مع الموسيقى، تتخلّلها أيضاً مقاطع كوميديّة ساخرة، في عرض مدّته 20 دقيقة. ولعلّ ما يميّز هذه العروض عدم الإعلان عنها، فالمارّة في الشارع يتفاجأون بها.

وكانت بداية هذه العروض في شارع صلاح الدين داخل محطّة الباصات المركزيّة في القدس، ثمّ انتقلت إلى كلّ شوارع المدينة، وخصوصاً المزدحمة منها، لتعرض على أكبر قدر ممكن من المواطنين.

وقال أحمد الجعبة لـ"المونيتور": "إنّ هدفنا الأساسيّ إعادة الحياة إلى مدينة القدس والبلدة القديمة تحديداً، ففعاليّات كهذه نادرة هنا، وإن وجدت تكون في أماكن محدّدة وبكلفة مرتفعة للعائلات البسيطة".

وإنّ الجعبة (26 عاماً)، هو من حارة النصارى في البلدة القديمة من القدس، وينحدر من أسرة متواضعة، ممّا جعله في صغره غير قادر على تنمية موهبته بالعروض البهلوانيّة والسيرك بالتدريب في المؤسسات الثقافية التي تقوم بتنظيم دورات تدريبية باهظة التكاليف، ويحاول توفير منصّة للمواهب الصغيرة بإمكانات بسيطة.

وأشار الجعبة في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّه عانى، كما غيره من الشبّان المقدسيين من التهميش، رغم موهبته، فكان بالنّسبة إليه الشارع المكان الذي احتضن موهبته ونمّاها. وقبل العمل ضمن الفريق الحاليّ، عمل في الشارع بشكل منفرد كمهرّج ومؤدّ لحركات بهلوانيّة.

وكان العرض الأوّل للجعبة في الشارع خلال عام 2008 في شرقي القدس أثناء الحرب على غزّة. ومنذ ذلك الحين، تابع العمل على تنظيم عروض فرديّة في الشوارع من تمثيل إيمائيّ وسيرك، حتّى التقى بمعتزّ ومؤمن، وشكلوا فريق السيرك الحاليّ.

عازف القيثار مؤمن (23 عاماً) كانت ظروفه صعبة كظروف الجعبة. وبسبّب عدم تمكّنه من دفع تكاليف معهد الموسيقى، بدأ بتعلّم العزف في شكل ذاتيّ منذ الـ14 عاماً حتّى 18 عاماً. وبعدها، انتقل إلى العمل ليتمكّن من الدراسة في المعهد حيث درس العزف على الإيقاع والقيثار.

وقال مؤمن لـ"المونيتور": "نزولنا إلى الشارع للعرض هو رسالة عن حاجتنا إلى مؤسّسات ثقافيّة في القدس لدعمنا والتركيز على مواهبنا، فمدينة القدس فيها مواهب كثيرة تحتاج إلى الدعم والتعليم. وفي المقابل، توفير متنفّس مجانيّ إلى سكّان المدينة للاستمتاع بالعروض من دون كلفة ماديّة عالية، كما هي الحال في العروض الأخرى التي تنظّم في المسارح وأماكن العروض الكبيرة".

ودور مؤمن في العرض هو العزف بما يتلاءم مع الحركات البهلوانيّة أو المقاطع الكوميديّة التي يقدّمها كلّ من أحمد ومعتزّ، وهذا التناغم يأتي بعد تدريب الفريق الثلاثيّ مسبقاً، بحيث يتمّ تقديم لوحة سيرك متكاملة إلى الجمهور.

ويتطلّع مؤمن، كما زملاؤه، إلى توسيع فرقتهم، وإضافة المزيد من المواهب الجديدة إليها، كما قال، لتكون تجربتهم مساحة لتبنّي هذه المواهب ولتوفير لها ما حرم منه في بداياته: "نحاول أن نعطي مساحة إلى المواهب الجديدة، فالمؤسّسات التي تعنى بالفنّ والموسيقى كلفة الانتساب إليها مرتفعة جدّاً".

ما قاله مؤمن، أكّده المشني، إذ قال: إنّ العمل انطلق بثلاثة شبّان حتّى يتمّ ترسيخ فكرة السيرك، ثمّ سيطرح باب الانتساب لمواهب جديدة لتوسيع عمل السيرك واحتضان المزيد من المواهب الجديدة وتطوير هذه المواهب لتكون قادرة على العمل والعطاء، من دون انتظار التمويل الخارجيّ الأجنبي.

ولا يرفض المشني وأعضاء فرقة السيرك التمويل بالمطلق، لكنّهم يتطلّعون إلى تمويل لا يؤثّر على رسالتهم وغير مشروط. وقال المشني: "الإشكاليّة في القدس أنّ التمويل يكون بخطط جاهزة من المموّل ودور الشاب المقدسيّ التنفيذ فقط، نحن لن نقبل بهذا التمويل، وما نتطلّع إليه أن نحصل على تمويل، وفقاً لرؤيتنا التي كرّسناها بعملنا السابق".

ويقوم المشني، بشكل تطوّعي، بالتنسيق لهذه العروض. ورغم أنّ السيرك بدأ عروضه في مدينة القدس، إلاّ أنّه قدّم أكثر من عرض في خراج المدينة، كما أشار إليه المشني، وهو ما يطمح إليه القائمون على السيرك، في ظلّ ردّة الفعل الإيجابيّة لهذه العروض.

من جهته، قال مؤمن: "ردّة فعل الشارع أكثر من جيّدة. لقد شعرنا بتقدير كبير من الشارع، ولكن في المقابل نقابل بتهميش وبعدم اكتراث المؤسّسات الثقافيّة والفنيّة".

ويسعى فريق السيرك إلى تنظيم عروض مدفوعة في المدن الفلسطينيّة لتكون مصدراً للدخل ولدفع كلفة تنقّلاتهم، ولكن ليس في مدينة القدس، وكما قال المشني: إنّ العروض في شوارع القدس ستبقى مجانيّة.

ولعلّ ما يحلم به فريق السيرك هو الإنطلاق من مدينة القدس إلى كلّ فلسطين، ومنها إلى كلّ العالم، لإرسال رسالتهم بأنّ هذه المواهب، ومن دون أيّ دعم أو تمويل، تستطيع أن تبدع وتنشر رسالة الفرح والبهجة إلى كلّ من يتابعهم.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : children, performance, palestinian culture, palestinian youth, jerusalem
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept