مواجهة جديدة بين "حماس" وإسرائيل في الفضاء الافتراضيّ

كشف الجيش الإسرائيليّ عن نجاح "حماس" في التجسّس عليه، والتّواصل مع جنوده وضبّاطه من خلال انتحال أسماء فتيات، ممّا قد يؤكّد قدرات "حماس" التقنيّة والتجسسيّة، فيما التزمت "حماس" الصمت إزاء اعتراف إسرائيل... مقالي يناقش دقّة هذه الاعترافات الإسرائيليّة، وهل تسعى إسرائيل إلى تضخيم قدرات "حماس" العسكريّة، أم يتعلّق الأمر بنجاح حقيقيّ للحركة؟ ومن أين لـ"حماس" هذه الإمكانات الاستخباراتيّة المتقدّمة؟

al-monitor .

ينا 19, 2017

في الوقت الذي تشهد الأوضاع الأمنيّة في غزة هدوءاً حذراً بين "حماس" وإسرائيل، اعترف الجيش الإسرائيليّ في 11 كانون الثاني/يناير بأنّ "حماس" نجحت في التنصّت على اتّصالات ضبّاطه وجنوده، وسيطرت على هواتف العشرات منهم، وفتحت حسابات مزيّفة على موقع "فيسبوك"، وحصلت عبرها على معلومات حسّاسة. وجاء في اعتراف الجيش الإسرائيليّ أنّ أعضاء "حماس" وضعوا فيروسات سيطرت على هواتف عشرات الجنود، وأنّ الحسابات الوهميّة على "فيسبوك" مليئة بصور فتيات جميلات، وأنّ أعضاء "حماس" اتّصلوا عبرها بالجنود، وأجروا محادثات مطوّلة معهم.

القناة الإسرائيلية العاشرة كشفت يوم 11 كانون ثاني/يناير أن التعرف على عناصر حماس الذين اتصلوا بالجنود والضباط الإسرائيليين تم أوائل يناير الجاري، عقب عملية استخبارية نفذها الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الإسرائيلي العام الشاباك، لعدة أشهر، برصد حسابات وأرقام مجهولة استهدفت الجنود، للإيقاع بهم، والحصول على معلومات مهمة عنهم، وعن وحداتهم العسكرية، واستخدام برمجيات وفيروسات للتجسس على هواتفهم النقالة ، وبعد طول فحص وتدقيق تبين أن الفتيات المتصلات بجنوده هن في الأساس عناصر متنكرة من حماس.

وفي هذا السياق، قال المهندس الفلسطينيّ المتخصّص بشبكات التّواصل الإجتماعيّ خالد صافي لـ"المونيتور": "إنّ عناصر حماس وضعت تطبيقات تجسّس على هواتف الجنود والضبّاط الإسرائيليّين تسمّى حصان طروادة، قادرة على السيطرة عليها، والتحكّم بها عن بعد، والاطّلاع على المكالمات والرسائل الواردة والصادرة، وتشغيل كاميراتها داخل المواقع العسكريّة على حدود غزّة، لكنّ لا أحد يعلم خطورة المعلومات التي حصلت عليها حماس من الجنود، مع أنّ المخابرات الإسرائيليّة لديها تقنيّات متقدّمة جدّاً قادرة على فعل الأمر ذاته مع المقاومة الفلسطينيّة".

ونشر موقع الجيش الإسرائيليّ يوم 13 كانون/ثاني يناير ملفاً يتضمن توثيقا لهذا الاختراق الأخير الذي قامت به "حماس" لجنوده وضبّاطه، وتضمن الملف تعليمات أمنية للجنود للتشدّد في استخدام الهواتف الذكيّة، خشية وقوعهم في مرّات مقبلة بشراك "حماس" الاستخباراتيّة.

وبثّت القناة الإسرائيليّة الثانية في 12 كانون الثاني/يناير حديثاً لجنديّ استدرجته "حماس"، لم تذكر اسمه، وقال: "إنّ فتاة حسناء اتّصلت بي، وخضنا محادثات طويلة. وبعد أن تعزّزت علاقتنا، وبدأت أثق بها، طلبت مني تنزيل تطبيق خاص بالمحادثة السريّة، فقمت بتحميل التطبيق على هاتفي، لكنّه لم يعمل، ولم أحذفه من هاتفي، وعدنا للحديث عبر ماسنجر فيسبوك، لكنّي اكتشفت بعد فترة أنّي وقعت في الفخ، وأنّي كنت أتحدّث مع أحد عناصر حماس".

من جهته، قال أستاذ الدراسات الأمنيّة في كليّة العودة بغزّة إسلام شهوان لـ"المونيتور": "إنّ اعتراف إسرائيل يحتمل تفسيرين: إمّا أنّ اختراق حماس للجنود حقيقيّ ويطرح أسئلة حول سبب اعتراف إسرائيل بذلك ومنح حماس هذا الإنجاز، أو أنّ حديث إسرائيل يأتي لتضخيم قدرات حماس الأمنيّة والعسكريّة وإظهارها أمام الإسرائيليّين أنّها تشكّل خطراً على الدولة، ممّا قد يمهّد لتوجيه ضربة استباقيّة للحركة، مع أنّ مواقع حماس العسكريّة منتشرة على طول حدود غزّة، وبإمكانها مراقبة الوضع الأمنيّ في إسرائيل، من دون اختراقات أمنيّة من هذا النوع".

وكان لافتاً أنّ الاعتراف جاء من إسرائيل، الطرف الوحيد الذي أعلن روايته عمّا حصل، فيما التزمت "حماس" الصمت، ولم تصدر بياناً، مع أنّ الأمر قد يعتبر إنجازاً أمنيّاً لها في مواجهة إسرائيل، ويزيد من شعبيّتها بين الفلسطينيّين. ولقد أجرى "المونيتور" اتّصالات مع الناطقين باسم "حماس"، لأخذ تعقيب منهم، لكنهم رفضوا الحديث، لأن حماس قررت عدم التعليق على الأمر، من دون ذكر الأسباب.

وتفاعل روّاد شبكات التّواصل الإجتماعيّ في 12 كانون الثاني/يناير مع اختراقات "حماس" للجنود الإسرائيليّين، وأطلقوا هاشتاغ #هكر_حماس، وتركّزت التغريدات على السخرية من الجيش الإسرائيليّ وتدنّي مستواه وضعف قدراته الاستخباراتيّة، وهناك من أنصار "حماس" من استبعد الرواية الإسرائيليّة، لأنّ "حماس" لا تستخدم أساليب رخيصة كانتحال صور فتيات، بما يخالف قيمها الدينيّة.

وبدوره، قال لـ"المونيتور" الأسير الفلسطينيّ المحرّر محمود مرداوي، وهو من كوادر "حماس"، التي أطلقت إسرائيل سراحها بصفقة التبادل في عام 2011، ومتابع جيّد للشؤون الإسرائيليّة: "إنّ أسباب اعتراف إسرائيل بمحاولة حماس استدراج ضبّاطها، تكمن في تسليطها الضوء على مخاطر التكنولوجيا وتضخيم أضرارها على أمن إسرائيل، وتخويف جنودها من التساهل باستخدام الجوّالات الذكيّة، وعدم التّواصل مع عناصر غير معروفة قد تنتحل شخصيّات وهميّة بهدف اختراق الجوّالات والحصول على معلومات حسّاسة خطيرة عن الجيش، وعدم تخزين معلومات وبيانات كصور مواقع عسكريّة أو أسرار حسّاسة قد تؤدّي إلى وقوع أضرار بالغة لو وصلت إلى جهات معادية".

لكنّ مسؤولاً أمنيّاً فلسطينيّاً، رفض كشف هويّته، قال لـ"المونيتور": "الفضاء الافتراضيّ بات جبهة قتاليّة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، ويستخدم الفلسطينيّون فيها طرقاً ثلاث: الأولى دخول مجموعات شبكات تواصل متخصّصة بقضايا عسكريّة وتوافر مصدر معلومات أمنيّة، والثانية التوجّه مباشرة إلى الجنود الإسرائيليّين بإظهار رغبة شاب في التواصل مع سيّدة للحصول على معلومات منهم، والثالثة سيطرة المقاومة على هاتف الجنديّ يمكّنها من رؤية مكان وجوده والتنصّت على مكالماته، وتعقّب الرسائل التي يتلقّاها ويرسلها".

حظي موضوع اختراقات "حماس" للجنود والضبّاط بحيّز كبير في نقاشات الإسرائيليّين، ففي حين أعلن أفيخاي أدرعي المتحدّث العسكريّ الإسرائيليّ في 13 كانون الثاني/يناير أنّ عناصر "حماس" استخدمت تكنولوجيا متطوّرة وتحدّثت بلغة عبريّة عالية المستوى، وانتحلت 16 شخصيّة فتاة من شتّى أنحاء العالم، أثنى معلّق الشؤون الاستخباراتيّة الإسرائيليّ بصحيفة "معاريف" يوسي ميلمان في مقاله بذات الصحيفة يوم 12 كانون الثاني/يناير على ضبّاط استخبارات "حماس" لأنّهم أظهروا إبداعاً في اختراق مواقع التّواصل الإجتماعيّ، مشيراً إلى أنّ "حماس" تمتلك وحدة حرب إلكترونيّة لديها قدرات لا يستهان بها.

كما أكّد الخبير العسكريّ الإسرائيليّ في صحيفة "مكور ريشون" عمير ربابورت بـ13 كانون الثاني/يناير أنّ "حماس" لا توقف عمليّاتها التجسسيّة على إسرائيل عبر الفضاء الإلكترونيّ، والجيش الإسرائيليّ يعرف حجم الجهد الذي تبذله "حماس" في هذا المجال الاستخباراتيّ.

من جهته، قال مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيليّ والفلسطينيّ علاء الريماوي لـ"المونيتور": "إنّ خشية إسرائيل من الاختراقات الأمنيّة لحماس تتجاوز حصولها على معلومات عسكريّة، فقلق إسرائيل يعود إلى أنّ حماس قد تنتقل بهذه الاختراقات إلى مرحلة التجنيد السايبري للجنود والضبّاط لكي يساعدوها في تهريب بعض المعدّات إلى غزّة عبر المعابر الإسرائيليّة".

وأخيراً، هذه جولة جديدة من المواجهة تخوضها "حماس" وإسرائيل، لكنّها من دون قذائف ورصاص، وإنّما معركة تجري في الفضاء الافتراضيّ، يقودها عشرات المقاتلين من الجانبين خلف شاشات الحواسيب والهواتف الذكيّة، يوجّهون إلى بعضهما ضربات قاسية، ورغم أنّ الدماء لا تسيل فيها، لكنّ ما يتسرّب منها من معلومات أمنيّة وعسكريّة قد تلحق الضرر الكبير بأحدهما أو بكليهما.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020