نبض فلسطين

فتيات غزّة يكسرن حدود المجتمع ويقتحمن التمثيل الكوميديّ

p
بقلم
بإختصار
تشقّ الفتاة ريهام الكحلوت (19 عاماً)، طريقها في التمثيل الكوميديّ في قطاع غزّة، بصعوبة بالغة، كون النظرة المجتمعيّة لا تقبل مشاركة الإناث في مثل هذه الأدوار التمثيليّة، باعتبارها مخالفة للعادات والتقاليد الرافضة لهذه المظاهر. وعلى الرغم من هذه النظرة، إلّا أنّ الكحلوت وعدداً ضئيلاً جدّاً من الفتيات قرّرن التحدّي، وكسر حدود المجتمع من خلال التمثيل الكوميديّ.

مدينة غزّة - تشقّ الفتاة ريهام الكحلوت (19 عاماً)، طريقها في التمثيل الكوميديّ في قطاع غزّة، بصعوبة بالغة، كون النظرة المجتمعيّة لا تقبل مشاركة الإناث في مثل هذه الأدوار التمثيليّة، باعتبارها مخالفة للعادات والتقاليد الرافضة لهذه المظاهر.

وتقول الكحلوت لـ"المونيتور": "إنّ نظرة المجتمع حيال أدواري التمثيليّة هي نظرة سلبيّة سيّئة، تحمل في طيّاتها انتقاداً لاذعاً بسبب مشاركتي في التمثيل كفتاة إلى جانب الشبّان، على اعتبار أنّ ذلك عيب. كما أنّ المجتمع يعتبر التمثيل مضيعة للوقت، وينظر إلى الممثّلين الكوميديّين بنظرة ساخرة، من دون منحهم أيّ احترام".

هذه النظرة المجتمعيّة السلبيّة تجاه ما تقوم به الكحلوت، لم تشمل عائلتها التي ساعدتها وشجّعتها على الاستمرار في الطريق ذاته. وعلى الرغم من ذلك، إلّا أنّ العائلة لم تقبل برغبة ابنتها في إكمال تعليمها الجامعيّ في مجال السينما والتمثيل، وأجبرتها على دراسة القانون في جامعة فلسطين في غزّة، من دون معارضة استمرارها في التمثيل كطريق مستقبليّ ثانويّ.

ونشأت موهبة التمثيل لدى الكحلوت منذ الصغر، وبدأت بممارسة هذا الفنّ فعليّاً، عندما بلغت الـ16 عاماً، بمشاركتها في أدوار صغيرة على نطاق المسرح المدرسيّ، ومن ثمّ بدأت بأعمالها الكوميديّة الأولى المعروضة للعامّة من خلال مشاركتها في عام 2015 في ستاند أب كوميدي، يطلق عليه اسم "بس يا زلمة"، وهي حلقات تمثيليّة كوميديّة صغيرة يقوم بأدائها شبان من غزة، وتتناول الواقع الفلسطينيّ وعادات المجتمع الفلسطينيّ وتقاليده بقالب ساخر، وتعرض عبر قناة خاصة بها في موقع "يوتيوب" تحظى بصدى واسع من قبل الجمهور المحليّ، حتى وصل عدد المشتركين بهذه القناة إلى نحو 97 ألف مشترك، وعدد المشاهدات إلى نحو 17 مليون مشاهدة. وبدأ البرنامج الكوميدي الساخر بعرض أولى حلقاته في عام 2012، وهو لا يزال مستمراً حتى اليوم.

وما يشدّ الانتباه في هذه الحلقات، أنّ الممثّلين من الرجال يضطرّون إلى ارتداء الحجاب ووضع الماكياج على وجوههم وتنعيم أصواتهم، لتمثيل أدوار النساء، بسبب قلّة الفتيات اللواتي يمتلكن الشجاعة لاقتحام عالم التمثيل الكوميديّ، ومواجهة نظرة المجتمع السلبيّة تجاههنّ.

وتقول الكحلوت: "أسعى من خلال مشاركتي في أداء الأدوار الكوميديّة إلى تشجيع الفتيات صاحبات موهبة التمثيل على الظهور وكسر العوائق المجتمعيّة"، مضيفة: "حريّة الاختيار والمبادرة لا يمكن أن يحتكرها الرجل، بل يجب أن تمارسها المرأة أيضاً من دون أيّ قيود".

وتشكّل الكحلوت نموذجاً لعدد قليل جدّاً من الفتيات اللواتي يمتلكن الشجاعة في تحدّي نظرة المجتمع السلبيّة تجاه المشاركة إلى جانب الشبّان، في ممارسة موهبتهنّ في أداء الأدوار الكوميديّة التمثيليّة.

ومن بين تلك الفتيات أيضاً، الفتاة سيرين البرقوني (21 عاماً)، التي تخرّجت من قسم الصحافة والإعلام من كليّة الدراسات المتوسّطة في جامعة الأزهر في غزّة، وشاركت في حلقات عدّة من برنامج "بس يا زلمة" سالف الذكر، كما ستنضمّ قريباً للمشاركة في أداء أدوار كوميديّة في ستاند أب كوميدي يدعى "سحابة صيف"، والذي يسلّط الضوء على القضايا الاقتصاديّة، مثل الفقر والبطالة في المجتمع الفلسطينيّ بطريقة ساخرة، ويعرض عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ.

وتقول البرقوني لـ"المونيتور": "العادات والتقاليد تفرض على الفتاة أن تبقى منغلقة داخل منزلها حتّى يأتي العريس ليخطبها من أهلها، وهذا ما أحاول التمرّد عليه، وكسره من خلال مشاركتي في أداء الأدوار التمثيليّة الكوميديّة".

وتضيف البرقوني أنّها كسرت حدود المجتمع بمساعدة عائلتها التي وفّرت لها الغطاء العائليّ للسير في هذا الاتّجاه، ممّا ساهم كثيراً في تعزيز صمودها أمام نظرة المجتمع السلبيّة.

وتابعت: "ربّما لو كانت أعمالي التمثيليّة في إطار التمثيل الجادّ والدراما، لكانت نظرة المجتمع أخفّ حدّة تجاهي، ولكن المجتمع ينظر إلى أداء الفتاة الأدوار الكوميديّة على أنّه يفقدها أنوثتها ورزانتها".

ويرجع أستاذ علم الاجتماع في جامعة الأقصى في غزّة الدكتور درداح الشاعر، النظرة المجتمعيّة السلبيّة تجاه مشاركة المرأة في التمثيل الكوميديّ إلى عاملين أساسيّين، وهما أنّ المجتمع الفلسطينيّ الإسلامي يمنح المرأة هالة من القداسة والحرمة، من خلال مظاهر عدّة، من بينها عدم السماح لها بالمشاركة في الأعمال خارج البيت والتي تقدّم خلالها خدماتها إلى الآخرين.

وأضاف الشاعر لـ"المونيتور": "لذا فإنّ أداء المرأة الأدوار الكوميديّة التي تهدف إلى إضحاك أفراد المجتمع، يعدّ خروجاً عن المألوف وعن هذه الحرمة والقداسة، وقد يخرجها عن الرزانة والاحتشام، وبالتالي سيتضايق المجتمع من هذا السلوك وسيهاجمه وينتقده".

أمّا عن العامل الثاني الذي يقف خلف النظرة السلبيّة للمجتمع تجاه تمثيل المرأة الأدوار الكوميديّة، فيقول الشاعر: "هذا العامل يرتبط بالثقافة الفلسطينيّة الخشنة نوعاً ما، بسبب الاحتلال والظروف السياسيّة والاقتصاديّة المأساويّة التي يعيشها المجتمع، لذلك لا يقبل المجتمع بالسلوك الأنثويّ الناعم، ويعتبره خارجاً عن المألوف والعادة".

ورأى الناقد السينمائيّ نورس أبو صالح، أنّ مشاركة الفتيات في الأعمال الكوميديّة المحليّة تشكّل إضافة نوعيّة إلى العمل الكوميديّ الفلسطينيّ الذي لا يزال في طور النشأة، مشيراً إلى أنّ معظم الأعمال الكوميديّة المنتجة محليّاً هي صنيعة أفراد يمتلكون مواهباً دفينة في التمثيل الكوميدي، وقرروا الظهور لإطلاق مواهبهم في التمثيل، بهدف تطوير مجال التمثيل الكوميدي في الأراضي الفلسطينية".

وقال أبو صالح لـ"المونيتور": "إصرار الفتيات على المشاركة في التمثيل الكوميديّ، يعكس إصرارهنّ على إحداث التغيير في الظواهر المجتمعيّة السلبيّة التي تتمّ معالجتها في الأعمال الكوميديّة، ويعكس أيضاً رغبتهنّ في تغيير وجهة النظر المجتمعيّة تجاه مشاركة النساء في التمثيل الكوميديّ، والتي تعدّ خارجة عن العرف والعادة".

ورأى أنّ الكوميديا الفلسطينيّة في شكل عامّ تتّخذ في الغالب قالب الكوميديا السوداء الساخرة التي تتناول أحداثاً سياسيّة أو مظاهر اجتماعيّة سلبيّة، وتضعها في قالب ساخر تهكّميّ يعكس تمرّداً على الواقع.

وبيّن أبو صالح أنّ مواقع التواصل الاجتماعيّ والمنصّات الرقميّة مثل "يوتيوب" و"فيسبوك"، تعدّ ساحات لعرض هذه الأعمال الكوميديّة، في ظلّ عدم اهتمام التلفزيونات الفلسطينيّة المحليّة في عرض هذه الأعمال للجمهور، لأسباب عدّة، أبرزها نظرة المجتمع التي تنتقد مشاركة الفتيات في هذه الأدوار، أو انشغالها في تغطية الأحداث الجادّة التي يفرضها الواقع السياسيّ في المجتمع الفلسطينيّ الذي يعاني من الاحتلال.

أخيراً، يرى أبو صالح أنّ تغيير هذه النظرة المجتمعيّة تجاه مشاركة الفتيات في أداء الأدوار التمثيليّة الكوميديّة، يتطلّب نشر الوعي وتغيير المفاهيم والثقافة القديمة، وهما جزء من مسؤوليّة المنظومة التعليميّة والثقافيّة في المجتمع الفلسطينيّ، مثل المدارس والجامعات وحتّى قنوات التلفزة والإذاعات المحليّة. وحتّى تحقيق ذلك، تقول الفتاة الكحلوت إنّها لن تسمح للعوائق المجتمعيّة أن توقفها عن تحقيق حلمها بأن تصبح ممثّلة مشهورة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : gaza strip, women and islam, actor, comedy, women's role, women in the workforce, women in society

رشا أبو جلال كاتبة وصحافية مستقلة من غزة مختصة بالأخبار السياسية والقضايا الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بالأحداث الراهنة.

x
keyboard_arrow_up

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept