100 ألف جنيه ترفع السيسي على أكتاف مؤيّديه وتفتح عليه النار من معارضيه

رغم اعتياد الأقباط زيارة السيسي لهم في ليلة عيد الميلاد، إلاّ أنّ زيارة عام 2017 حملت تبرّعاً منه لبناء مسجد وكنيسة في العاصمة الإداريّة الجديدة، ليفجّر تبرّعه موجة من الانتقادات غير المتوقّعة وجدلاً دينيّاً حول تبرّع المسلمين لبناء الكنائس.

al-monitor .

المواضيع

funding, islam, sharia, christians, financial assistance, coptic church, abdel fattah al-sisi, orthodox church

ينا 26, 2017

مع دقّات أجراس عيد الميلاد، اعتاد الأقباط المصريّون في عامي 2015 و2016 أن يروا الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي بين المحتفلين بليلة عيد الميلاد في الكاتدرائيّة بميدان العباسيّة بالقاهرة، وها هو للعام الثالث على التوالي، يزور في 6 كانون الثاني/يناير من عام 2017 الكاتدرائيّة، ويقدّم إلى الأقباط وبابا الإسكندريّة وبطريرك القرازة المرقسيّة الأنبا تواضروس التهاني، وسط ظروف خاصّة هذا العام.

نعم وسط ظروف خاصّة، فالكاتدرائية التي وقف فيها عبد الفتّاح السيسي ليلقي كلمته، متوجّهاً إلى الأقباط والمصريّين عموماً بمناسبة عيد الميلاد، لا تبعد إلاّ أمتاراً قليلة عن الكنيسة البطرسيّة، حيث شهد المئات من المصلّين المسيحيّين تفجيراً مروّعاً أثناء قدّاس يوم الأحد في 11 كانون الأوّل/ديسمبر بداخلها، أسفر عن عشرات القتلى والمصابين، وربّما احتاجت الظروف الخاصّة تعاملاً خاصّاً من السيسي، إذ لم يكتف بزيارة الكنيسة وتقديم التهاني بعيد الميلاد، وإنّما أعلن عن تبرّعه بـ100 ألف جنيه مصريّ من أمواله الخاصة لبناء كنيسة ومسجد في العاصمة الإداريّة بالقاهرة الجديدة.

وتفاعلاً مع تبرّع السيسي، أعلن يوم 6 يناير مقدّم برنامج "نظرة" على فضائيّة "صدى البلد" الإعلاميّ حمدي رزق فتح باب التبرّعات لمسجد وكنيسة العاصمة الإداريّة على الهواء من خلال برنامجه، وأعلنت أستاذة الفلسفة في جامعة الأزهر وعضو لجنة التعليم في البرلمان النائبة آمنة نصير في مداخلة هاتفية لها ببرنامج "نظرة" يوم 7 يناير تبرّعها بمبلغ 100 ألف جنيه مناصفة للمسجد والكنيسة. كما أعلن رئيس لجنة الشباب والرياضة في البرلمان المهندس فرج عامر تبرّعه للمسجد والكنيسة، وكذلك النائب البرلمانيّ مصطفى بكري، إضافة إلى رجل الأعمال المصريّ ومالك شبكة قنوات "صدى البلد" محمّد أبو العينين.

وتواصل "المونيتور" مع رئيس لجنة الإسكان في مجلس النوّاب النائب علاء والي، الذي قال: "دعوة الرئيس إلى التبرعّ لمسجد وكنيسة لا بدّ أن تكون قدوة للجميع، فاقترحت تأسيس صندوق لتلقّي التبرّعات لدور العبادة عموماً لتشمل تبرّعات الصندوق أيضاً ترميم الكنائس التالفة بسبب الأعمال الإرهابيّة، ولكن ستكون الأولويّة لمسجد وكنيسة العاصمة الإداريّة لخروجهما في أفضل صورة".

وقالت آمنة نصير لـ"المونيتور": "دعوت جميع أعضاء مجلس النوّاب إلى التبرّع، لأنّ تلك التبرّعات هي لكلّ المصريّين، وليست للأقباط فقط، فصحيح أنّها ستخصّص لبناء كنيسة، لكنّها ردّ على لسان كلّ المصريين على كلّ من يحاول أن يفرض علينا وصاية خارجيّة، كما حاول الكونغرس الأميركيّ أن يفعل".

ويذكر أنّ الكونغرس الأميركيّ كان بدأ في 28 كانون الأوّل/ديسمبر مناقشة قانون مقدّم من أحد أعضائه، يطالب مصر بتقديم تقرير سنويّ إلى وزارة الخارجيّة الأميركيّة عن عمليّات ترميم الكنائس التي تعرّضت إلى التلف بسبب أعمال التخريب الخاصّة بجماعة الإخوان منذ الإطاحة بهم من الحكم في تمّوز/يوليو من عام 2013، وأعلن المتحدّث باسم وزارة الخارجيّة المصريّ أحمد أبو زيد ببيان صحافيّ في اليوم نفسه، رفض وزارة الخارجيّة المصريّة مناقشة الكونغرس مثل ذلك المقترح، واعتبرها تدخّلاً سافراً في الشؤون المصريّة.

ورغم ما سبق من ترحيب بتبرّع السيسي لمسجد وكنيسة العاصمة الإداريّة، إلاّ أنّ تلك الدعوة فتحت عليه النار من عدد من معارضيه، حيث كتب المحاميّ الحقوقيّ طارق العوضي في حسابه على موقع التواصل الإجتماعيّ "فيسبوك": "حضرتك مصر مش محتاجة كنيسة ومسجد، مصر محتاجة مدرسة ومصنع ومعمل".

من جهتها، كتبت أستاذة الاقتصاد والتنمية الريفية بجامعة عين شمس ماجدة غنيم في حسابها على موقع التدوينات القصيرة "تويتر" بـ7 كانون الثاني/يناير: "لدينا فائض فى دور العبادة لا يفوقه إلاّ فائض المزايدة والنفاق، ما رأيكم في أكبر دار لأطفال الشوارع، وأكبر جامعة، وأكبر مركز تدريب؟".

وفي تدوينة مطوّلة يوم 7 يناير لأستاذ العلوم السياسيّة في جامعة القاهرة حازم حسني في حسابه على موقع التواصل الإجتماعيّ "فيسبوك" لم يستبعد ألاّ تكون الدولة قد وفّرت الاعتمادات الماليّة المطلوبة لبناء المسجد والكنيسة، وأن يكون في نيّة الدولة الاعتماد على التبرّعات المواطنين قائلاً: "الرئيس باديها من الأوّل تبرّعات، يبقى الموضوع كلّه محاولة لتوريط المصريّين في تمويل عاصمته الجديدة بحجة بناء المسجد والكنيسة".

وعلّق الناشط السياسيّ ممدوح حمزة على تبرّع السيسي في تدوينة ساخرة على "تويتر" قائلاً: "تبرّعوا لبناء مساجد وكنائس لأنّ المؤمنين واقفون طوابير على الكام ألف مسجد وكنيسة، وهناك أزمة أماكن للصلاة/اللي يحتاجه البيت محرم على الجامع".

واقتصرت التدوينات السابقة على التقليل من أهميّة بناء المساجد والكنائس في الوقت الحاليّ، إلاّ أنّ هناك مدوّنين ونشطاء مغمورين استنكروا التبرّع للكنائس من الناحية الدينيّة بوصفها تتعارض مع الشريعة الإسلاميّة، وقال مصدر لـ"المونيتور" في الدعوة السلفيّة، فضّل ألاّ يذكر اسمه: "الديانة المسيحيّة تتعارض مع الشريعة والعقيدة الإسلاميّة في العديد من القضايا. لذلك، حرام على المسلم أن يتبرّع لبناء أيّ منشأة تكون مقرّاً لمناقشة والدعوة إلى ما يتعارض مع شريعة الإسلام أو عقيدته".

وقال عبد الفتاح إدريس، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، لـ"المونيتور": "لا يوجد سند أو دليل فقهي من القرآن أو السنة النبوية لتحريم أو إنكار تبرع رئيس الدولة لبناء كنيسة لأن إقامة الكنائس ودور العبادة لأصحاب الديانات السماوية أمر أقرته الشريعة الإسلامية بإقرار النبي محمد حق يهود المدينة في بناء معابدهم، ويعتبر تبرع رئيس الدولة لبناء الكنيسة مساهمة محمودة منه بصفته راعي لجميع الطوائف المقيمة على أرض مصر وبصفته صاحب السلطان الكامل على إقامة دور العبادة لأن تبرعه سيشعر جميع الطوئف بالمواطنة وأنهم جزء من نسيج هذا الوطن وهي منافع حث الإسلام على السعي لها، وساوى رئيس الدولة بين الطائفتين بتبرعه للمسجد أيضا".

ويذكر أنّ جدلاً مشابهاً حول الموقف الشرعيّ لتبرّع المسلمين لبناء الكنائس ثار في عام 2009، عندما التقى شيخ الأزهر الأسبق محمّد سيّد طنطاوي بوفد من الإتّحاد المصريّ لحقوق الإنسان برئاسة مستشار الكنيسة الأرثوذكسيّة نجيب جبرائيل، ونقلت تقارير إعلاميّة أنّه أفتى خلال ذلك اللقاء بأنّ تبرّع المسلم لبناء كنيسة هو حلال شرعاً، إلاّ أنّ مشيخة الأزهر أصدرت بياناً لاحقاً نفت فيه أن يكون شيخ الأزهر قد أفتى بذلك، بعد موجة من الاعتراضات من العديد من الشيوخ الأزهريّين على فتواه.

ويذكر أنّ دار الإفتاء المصريّة أصدرت فتوى في 7 كانون الثاني/يناير من عام 2016، قالت فيها: "يجوز للمسيحيّين في الديار المصريّة، وفقاً للشريعة الإسلاميّة، بناء الكنائس إذا احتاجوا إلى ذلك في عباداتهم، التي أقرّ الإسلام على البقاء عليها، وذلك وفق اللوائح والقوانين التي تنظّمها مصر في ذلك، حيث لم يَرِدْ في الشرع الحنيف المنعُ من ذلك في شيء مِن النصوص الصحيحة الصريحة".

ويبدو أنّ محاولة السيسي احتواء غضب الأقباط، بعد حادث الكنيسة البطرسيّة، بالتبرّع لبناء مسجد وكنيسة في العاصمة الإداريّة، أفرزت العديد من ردود الأفعال المعارضة، ولكن يبدو أنّ المعارضة كانت وليدة حال احتقان مسبقة بينه وبين معارضيه، الذين لا يرون تقدّماً على المستويين الإقتصاديّ والتعليميّ، وهو ما عبّرت عنه تدوينات العوضي وماجدة غنيم.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو