هل يقف القانون عائقاً أمام السلطات المصريّة لمحاربة الإرهاب؟

تعكف الحكومة المصريّة على إيجاد تشريع قانونيّ جديد يسمح بالإسراع بوتيرة إجراءات التقاضي في جرائم الإرهاب، خلال مهلة زمنيّة ضيّقة حدّدها البرلمان بـ30 يوماً كحدّ أقصى، باعتباره الإجراء الحاسم في ردع الإرهاب، لكنّه يفتح الباب أمام التخوّفات من مزيد من الإجراءات الاستثنائيّة وتوسيع دوائر الاشتباه تحت مسمّى "العدالة الناجزة".

المواضيع

terrorist attacks, terrorism, egyptian parliament, egyptian constitution, courts, christians in egypt, abdel fattah al-sisi

ينا 3, 2017

القاهرة – تعكف الحكومة المصريّة على إيجاد تشريع قانونيّ جديد يسمح بالإسراع بوتيرة إجراءات التقاضي في جرائم الإرهاب، خلال مهلة زمنيّة ضيّقة حدّدها البرلمان بـ30 يوماً كحدّ أقصى، باعتباره الإجراء الحاسم في ردع الإرهاب، لكنّه يفتح الباب أمام التخوّفات من مزيد من الإجراءات الاستثنائيّة وتوسيع دوائر الاشتباه تحت مسمّى "العدالة الناجزة".

كان الرئيس عبد الفتّاح السيسي قد أطلق مصطلح "العدالة الناجزة" خلال حديثه عن أهميّة تعديل القوانين وتشديد العقوبات الجنائيّة ضدّ المتشدّدين والجماعات الإرهابيّة، عقب حادث مقتل النائب العام المصريّ هشام بركات في حزيران/يونيو من عام 2015، قائلاً: "يدّ العدالة مغلولة بالقوانين"، وهو ما أعاد الحديث عنه في خطابه خلال جنازة شهداء أحداث تفجير الكنيسة البطرسيّة في 12 كانون الأوّل/ديسمبر قائلاً: "إنّ القوانين مكبّلة، والقضاء لن يتعامل بحسم في ظلّ القوانين الحاليّة".

بعد يوم واحد من خطاب عبد الفتّاح السيسي كان التحرّك الأوّل من مجلس النوّاب ليس فقط لتعديل القوانين، لكنّه امتدّ إلى طرح إمكانيّة تعديل الدستور نفسه، إذ قال رئيس مجلس النوّاب علي عبد العال في الجلسة العامّة للبرلمان بـ13 كانون الأوّل/ديسمبر: "سنقوم بتعديل الدستور بما يسمح للقضاء العسكريّ بالنظر في قضايا الإرهاب".

ورغم الرسائل التي حملتها كلمة علي عبد العال عن إمكانيّات تعديل الدستور، إلاّ أنّ عدداً من النوّاب أكّد استبعاده لهذه الخطوة في الوقت الحاليّ وتمسّكه بالمكتسبات الدستوريّة، حيث قال النائب ضياء داود في حديث مع "المونيتور": "لا مساس بأيّ حقوق قانونيّة مكتسبة من الدستور الحاليّ، والبرلمان سيضع في اعتباره عدم الموافقة على قوانين سالبة للحريّات يمكن الطعن بها دستوريّاً".

وتتّجه آراء الخبراء القانونيّين في معظمها إلى أنّ حزمة القوانين الصادرة للتصدّي للظواهر الإرهابيّة منذ عام 2013 مثل قانون العقوبات وقانون الكيانات الإرهابيّة ومكافحة الإرهاب هي قوانين كافية لردع الإرهاب، بل إنّ قانون حماية المنشآت الحيويّة والعسكريّة يعطي السلطات الحقّ في إحالة المدنيّين على القضاء العسكريّ من دون التعارض مع الدستور.

من جهته، قال أستاذ القانون الدستوريّ محمّد نور فرحات في حديث مع "المونيتور": "إحالة المدنيّين على القضاء العكسريّ قائمة بالفعل، وليست في حاجة إلى تعديلات تشريعيّة أو دستوريّة، إذ أنّ قانون تأمين المنشآت الحيويّة وحمايتها تم تمديد العمل به لخمس سنوات أخرى منذ بداية عام 2016".

وأدان فرحات أيّ مطالبات بتعديل الدستور، قائلاً: "هذه المطالب تدلّ على عدم الثقة بالقضاء المصريّ، ومحاولة إلغاء موادّ دستوريّة كانت بمثابة مكتسب رئيسيّ للمصريّين مثل ضمان الحقوق العامّة وتوزيع النفقات العامّة في موازنة الدولة، ومدّة الرئاسة".

إنّ التخوّفات من إطلاق قوانين تفرض إجراءات استثنائيّة من خلال تسريع عمليّة المحاكمات من دون ضمانات لنزاهة عمليّة التقاضي، باستغلال الحادث الارهابيّ الذي استهدف الأقباط في الكنيسة البطرسيّة، تعود إلى اتّخاذ الحكومة إجراءات مماثلة باستصدار قانون مكافحة الإرهاب، بعد شهر واحد من حادث اغتيال هشام بركات في حزيران/يونيو من عام 2015.

وكان قانون مكافحة الإرهاب قد تضمّن عدداً من البنود التي تستهدف في مجملها الإسراع في إجراءات التقاضي في قضايا الإرهاب، حيث تمّ تحديد دوائر خاصّة بمحكمة الجنايات للنظر بالمتّهمين ورفع عقوبة من يشارك في عمل إرهابيّ إلى الإعدام أو السجن المؤبّد لمدّة 25 عاماً، وإعفاء الجيش والشرطة من المساءلة القانونيّة، وفرض عقوبات على أيّ صحافيّ ينشر بيانات غير حقيقيّة عن عمليّات إرهابيّة، مخالفة للبيانات الرسميّة، وإعطاء الحقّ لرئيس الجمهوريّة باتّخاذ تدابير مواجهة أيّ خطر إرهابيّ بفرض حظر التجوّل.

ورغم أنّ قانون مكافحة الإرهاب يعتبر في مجمله كافياً للتعامل القانونيّ مع مرتكبي الجرائم الإرهابيّة، إلاّ أنّ إجراءات التقاضي ظلّت مرتبطة بقانون الإجراءات الجنائيّة، والذي يتيح إمكانيّة النقض بالأحكام القضائيّة وإعادتها إلى محاكم الجنايّات مرّة أخرى لإعادة النظر فيها. كما أنّه لم ينص مباشرة على جواز محاكمة المدنيّين أمام القضاء العسكريّ، وهو الأمر الذي سيتعارض مع المادّة 204 من الدستور، التي تنصّ على ما يلي: "لا يجوز محاكمة مدنيّ أمام القضاء العسكريّ، إلاّ فى الجرائم التي تمثّل اعتداء مباشراً على المنشآت العسكريّة".

وحسب ما أعلنه وزير الدولة للشؤون القانونيّة مجدي العجاتي، فإنّ التعديلات التي تجريها الحكومة الآن تتمثّل بسرعة الفصل في القضايا عبر إلزام محكمة النقض بالتصدّي للحكم بنفسها في القضايا التي تلغي الحكم فيها، بدلاً من إعادة تلك القضايا إلى محاكم الجنايات للنظر فيها مرّة أخرى لتقليص مراحل الإجراءات الجنائيّة. كما أنّ التعديلات قد تشمل إضافة فقرة تجعل سماع الشهود اختياريّاً من قبل المحكمة، إذا ما رأت ذلك لزوماً للمحاكمة.

وبمتابعة إجراءات التقاضي في المحاكم المصريّة، فإنّ وتيرة المحاكمات في قضايا ما بعد 30 حزيران/يونيو من عام 2013، تظهر أنّ ما يقرب من 16 قضيّة مُتّهم فيها عدد كبير من قيادات جماعة الإخوان المسلمين والجماعات التكفيريّة، فضلاً عن شباب الثورة، لم يتجاوز النظر فيها من 4 إلى 8 أشهر فقط، عكس مدّة التقاضي في القضايا المنظورة منذ ثورة كانون الثاني/يناير من عام 2011، والمتعلّقة بقتل المتظاهرين أو محاكمة رموز نظام حسني مبارك، فضلاً عن أنّ إطالة أمد التقاضي في بعض القضايا المتعلّقة بأحداث عنف ارتكبها متّهمون من التيّارات الإسلاميّة لا علاقة لها دائماً بطلبات المحامين أو سماع الشهود، لكن على الأغلب يكون سبب التباطؤ مسائل لوجيستيّة وإجرائيّة مثل عدم إحضار الشرطة المتّهمين من محبسهم، وغياب شهود الإثبات من ضبّاط الأمن الوطنيّ، فضلاً عن عدم حسم القضاء العسكريّ عدداً من القضايا التي تمّت إحالتها عليه منذ صدور قانون حماية المنشآت العسكريّة في عام 2014.

لا تقف التخوّفات من تعديل القوانين لفرض مزيد من الإجراءات الاستثنائيّة في حجّة مواجهة الإرهاب، ولكن تطوّر الأمر ليشمل المطالبة بتعديل الدستور سيكون بمثابة تهديد مباشر لبعض المكتسبات السياسيّة التي أتت بها ثورتي كانون الثاني/يناير وحزيران/يونيو، ففي ظلّ الأغلبيّة البرلمانيّة المؤيّدة للسلطة السياسيّة قد يتّجه البرلمان إلى حزمة تعديلات تشمل تمديد فترة الرئاسة وتعظيم سلطات الرئيس أمام البرلمان، من دون إيجاد سياسات حقيقيّة لمواجهة الإرهاب الذي لم يعد التحدّي الرئيسيّ أمام الإدارة السياسيّة، بجانب الأزمات الإقتصاديّة والإجتماعيّة المسيطرة على المشهد المصريّ الآن.

بودكاست

فيديو