نبض تركية

لماذا كل هذا التركيز التركي على بلدة الباب السورية؟

p
بقلم
بإختصار
من وجهة نظر عسكرية، الباب بلدة غير مهمة استراتيجياً في النزاع السوري، غير أن ذلك لم يحل دون أن يصبح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مسكوناً بهاجس تحرير البلدة من "الدولة الإسلامية".

الباب هي بلدة صغيرة نسبياً في محافظة حلب. تقع على مسافة 40 كلم (25 ميلاً) شمال شرق حلب، و30 كلم (19 ميلاً) جنوب الحدود التركية، وكان عدد سكّانها 63069 نسمة في العام 2004 معظمهم من العرب السنّة.

من وجهة النظر العسكرية، أصبحت هذه البلدة غير المهمة استراتيجياً المكان الذي تكبّد فيه الجيش التركي خسائر فادحة تخطّت تلك التي لحقت بالجيشَين الأميركي والروسي اللذين انخرطا عسكرياً قبل وقت طويل من الانخراط التركي، وفي منطقة أوسع بكثير.

الصعوبات التي واجهها الجيش التركي دفعت بالرئيس رجب طيب أردوغان إلى اتهام الولايات المتحدة والتحالف بدعم التنظيمات الإرهابية. فقد قال في تصريح في أنقرة: "لقد طوّقنا تنظيم داعش [الدولة الإسلامية] الإرهابي من الجهات الأربع في الباب. لسوء الحظ، لا تفي مصادر التحالف بوعودها. حتى في تلك المسألة، لن نغيّر مسارنا. يستحيل أن نتراجع. اتّهمونا [الولايات المتحدة والتحالف] بدعم داعش. الآن هم يدعمون تنظيمات إرهابية بما في ذلك داعش، ووحدات حماية الشعب، وحزب الاتحاد الديمقراطي. هذا واضح جداً. لدينا أدلّة مؤكّدة، مع صور ومقاطع فيديو".

قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، مارك تونر، لدى سؤاله عن اتهامات أردوغان خلال مؤتمر صحافي في 27 كانون الأول/ديسمبر: "بصراحة، هذا مضحك. لا ينطوي على أي أساس من الصحة، كما يمكنكم أن تتصوّروا".

سأل أحد الصحافيين تونر: "المسألة الأساسية هي الباب. ينتقد التحالف لأنه لم يدعم الهجوم الذي تشنّه القوات المسلحة التركية في بلدة الباب... هل من سبب وراء امتناع التحالف عن دعم تركيا في هذه العملية؟"

فكان جواب تونر: "دعمنا جهودهم على طول الحدود لتطهيرها من [الدولة الإسلامية]. نتحاور معهم حول الخطوات المقبلة التي يمكننا اتخاذها في موضوع الباب... وبالتأكيد لا نريد رؤيتهم يدخلون الباب من دون دعم كافٍ".

سأله صحافي آخر: "أليست للأمر علاقة بالهجمات التركية على وحدات حماية الشعب، حليفة الولايات المتحدة، كما حدث في منبج، وفي تلك المرحلة، كانت هناك تشنّجات كثيرة بين الولايات المتحدة وتركيا، وقد أعلن الجيش الأميركي أن تركيا قد تجاوزت ما هو مسموح في الباب؟ غير أن جوهر المسألة هو الهجمات التركية على وحدات حماية الشعب، حليفة الولايات المتحدة، والتي تقاتل في شمال سوريا وحول منبج ومناطق أخرى. أليس هذا هو جوهر المشكلة؟" تابع صحافي آخر وطرح عليه السؤال الآتي: "في الماضي، القريب جداً، وصفتم الخطوات التركية في محيط بلدة الباب بأنها غير منسَّقة وغير بنّاءة. هل ما زلتم تعتبرون أن هجوم الباب غير منسَّق وغير بنّاء؟"

حاول تونر التهرّب من الإجابة، وشدّد على أهمية تركيا كدولة حليفة في مواجهة "الدولة الإسلامية"، وزعم أن المسؤولين الأميركيين على تواصل مستمر مع نظرائهم الأتراك.

لكن لا شيء يمكن أن يحجب أن التحالف التركي المستجِد في ساحة المعارك السورية هو مع روسيا، وتنخرط أنقرة في المبادرة الثلاثية (موسكو وطهران وأنقرة) لتسوية المسألة السورية.

لقد تعاونت تركيا مع روسيا في حلب، ووقّعت إعلان موسكو الذي أقرّ بشرعية نظام بشار الأسد وتمتُّعه بحقوق السيادة. كان ذلك بمثابة اعتراف بهزيمة السياسة التي انتهجتها تركيا في الملف السوري على امتداد خمسة أعوام والتي منحت الأولوية لإطاحة الأسد. وشكّل أيضاً تبدّلاً كاملاً ومفاجئاً في الموقف.

سعت تركيا، على ضوء استحالة التغطية على الفشل الواضح لسياستها، خلف قصة نجاح تساعدها على إنقاذ ماء الوجه في سياستها في الملف السوري، فكان التركيز على التقدم نحو الباب وتطهيرها من تنظيم "الدولة الإسلامية".

بعد سقوط حلب في أيدي النظام السوري (بمساعدة من أنقرة)، تشكّل السيطرة على بلدة الباب من قبضة "الدولة الإسلامية" ذريعة للحؤول دون نشوء الرواق الكردي بمحاذاة الحدود التركية مع سوريا.

يبدو أن صنّاع القرار القوميين في تركيا ضلّوا السبيل في سياستهم المتعلقة بالملف السوري، إبان سقوط حلب واغتيال السفير الروسي أندريه كارلوف في أنقرة. فمن دون عميق تفكير، تعاقبوا على إطلاق التصريحات المنافية للمنطق عن الباب.

قال نائب رئيس الوزراء نور الدين جانيكلي في تصريح له في مسقط رأسه جايرصن على ساحل البحر الأسود في تركيا: "خط الدفاع عن جايرصن يجب أن يتم إرساؤه في الباب. أمن أنقرة مرادف لأمن الباب. إذا تعذّرت السيطرة على تلك المناطق، لا يمكن الدفاع عن أنقرة، ولا عن جايرصن".

واقع الحال هو أنه يجب عبور الكتلة البرية الكاملة التي تشكّلها آسيا الصغرى للوصول من الباب الواقعة في محيط مدينة حلب إلى ساحل البحر الأسود. لأول مرة، يُقام رابط استراتيجي بين الباب وجايرصن.

وقد عبّر دولت بهجلي، رئيس "حزب العمل القومي" والحليف السياسي الأبرز لأردوغان، عن رأي مماثل قائلاً: "إذا عدنا صفر اليدَين من عملية الباب، سوف نعرّض ديار بكر للخطر، ونهدّد أمن أنقرة".

أصبحت الباب التي كانت حتى فترة وجيزة بلدة مغمورة في شمال سوريا، مصدراً لتقويمات استراتيجية لم يُسمَع بها من قبل. السبب الكامن خلف التركيز على الباب مرتبط بالتنظيمَين الكرديَّين، "حزب الاتحاد الديمقراطي" و"وحدات حماية الشعب"، أكثر من ارتباطه بتنظيم "الدولة الإسلامية" الذي لا يزال يسيطر على البلدة.

في أعقاب التفوق السياسي-العسكري الروسي بعد تطهير شرق حلب من الثوّار المدعومين من تركيا، وتحوُّل أنقرة نحو موسكو لبذل جهود ديبلوماسية من أجل تسوية المسألة السورية، فضلاً عن الاستياء المتزايد الذي يشعر به أردوغان من الدعم الأميركي لـ"وحدات حماية الشعب" حول الرقة، تحوّلت السياسة التركية في الملف السوري إلى هوس غير مبرّر وغير عقلاني بالسيطرة على بلدة الباب.

لقد تحقّقت المخاوف من أنه يمكن جر تركيا للتورّط في المستنقع السوري، من دون أن تكون لديها استراتيجية للخروج.

وهكذا تحوّلت الباب، التي كانت في ما مضى مجرد واحدة من البوابات التي تقود إلى حلب، إلى بوابة التخبّط التركي في سوريا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : tsk, turkish policy on syria, turkish-russian relations, kurdish alliance, is, bashar al-assad, aleppo, al-bab
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept