معرض جديد يبث الحياة في التاريخ التونسي

p
بقلم
بإختصار
يسلّط معرض بعنوان "صحوة أمة" في القصر في مدينة قصر السعيد، الضوء على وثائق أساسية عن صعود تونس الحديثة والديمقراطية، فضلاً عن 300 لوحة وزي وغرض ديني وقطعة أثاث من الحقبة العثمانية.

قبل وقت طويل من اندلاع ثورة 2011 في تونس، التي أسفرت عن إطاحة الديكتاتور زين العابدين بن علي، وأطلقت حقبةً من الانتقال الديمقراطي، والتي يُعتقَد أنها كانت الشرارة التي أشعلت موجة الاحتجاجات في العالم العربي، شهِد هذا البلد الواقع في شمال أفريقيا انتفاضة شعبية أخرى عندما كان خاضعاً للحكم العثماني: إنها ثورة 1864 التي اندلعت بتحريض من زعماء القبائل الغاضبين من التشريعات القضائية والمالية التقدّمية.

تُعرَض الآن وثائق قانونية – منها وثيقة تنص على إلغاء العبودية، ودستور جديد يمنح حقوقاً متساوية لجميع التونسيين – على الملأ لأول مرة إلى جانب 300 لوحة وزي وغرض ديني وقطعة أثاث من الحقبة العثمانية. لا يتردّد المعرض، الذي يحمل عنواناً مناسباً "صحوة أمة"، في استكشاف مراحل من التشنّجات التاريخية – لا بل هذا هو الهدف في الواقع.

قال رضا مؤمني، القيّم على المعرض، لموقع "المونيتور": "ننظر إلى الماضي، لأننا نعتبر أنه أصبح في غياهب النسيان. المهم بالنسبة إلينا هو إعادة الاستثمار في تاريخنا، والاستثمار في شكل أفضل في حاضرنا. لا نتكلم عن الماضي بهدف التلطّي خلفه، بل من أجل التطلع نحو المستقبل".

المعرض الذي يُنظَّم داخل القصر في مدينة قصر السعيد من 27 تشرين الثاني/نوفمبر إلى 27 شباط/فبراير، استغرق تحضيره 11 شهراً فقط. يُشكّل القصر الذي جرى ترميمه ليستعيد رونقه العربي-الأندلسي، مساحة رائعة لعرض الأغراض المزخرَفة واللوحات المرمّمة. لقد كان مقراً لآخر الباشوات العثمانيين في تونس، لكن على الرغم من عظمته، ظلّ مقفلاً زهاء قرن من الزمن.

يقدّم المعرض نظرة استبطانية إلى صعود "تونس الحديثة"، ويركّز في شكل خاص على أعمال أُنجِزت بين العامَين 1837 و1881. وقد تعمّد المنظمون تصميم المعرض وفقاً لجدول زمني قوسي الشكل: عند دخول المكان، تستقبل الزوّار لوحتان تُصوِّران عمليات بيع الجنود العثمانيين وشرائهم. يحمل يهود تونسيون يعتمرون القبعات التقليدية ويرتدون "الجلابيات"، العملة النقدية، فيما يحمل الجنود سيوفاً. ونحو الأمام في الرواق، تُعرَض قطع نقدية ذهبية وفضّية، وسيوف ثقيلة الوزن مطعّمة بالمرجان ومغلّفة بالمخمل الأحمر.

المعروضات الأهم نجدها في وسط القاعة، وتشمل الدستور الموضوع على قاعدة حمراء داخل علبة زجاجية. إنها المرة الأولى التي يتم فيها إخراج الدستور من الأرشيف الوطني وعرضه أمام الرأي العام التونسي. هذا الدستور الذي وُضِع قبل 12 عاماً من دستور اسطنبول، والذي يُعتبَر الدستور الأول في العالم العربي-الإسلامي، ينص على منح حقوق قانونية متساوية لجميع التونسيين بغض النظر عن العرق أو الدين. (إنما ليس للنساء: ما خلا بعض الأزياء، العنصر النسائي غائب بطريقة لافتة عن المعرض، وهذا الأمر له علاقة بالحقبة الزمنية أكثر منه بالقيّمين على المعرض). أُقِرّ الدستور في أعقاب صدور مرسوم نصّ على إلغاء العبودية – قبل عامَين من إلغائها في فرنسا – وميثاقٍ أوقَف العمل بالضرائب الخاصة المفروضة على اليهود. ومن الوثائق الأخرى التي يتم الكشف عنها لأول مرة سجلّات عن السكّان اليهود مكتوبة باللغة العبرية المتّصلة الأحرف.

نادراً ما يتحدّث التونسيون عن تلك الحقبة الزمنية. لقد تزامنت نهاية النظام الملَكي في العام 1957 مع استقلال تونس عن مستعمريها الفرنسيين؛ وفي عهد الرئيس حبيب بورقيبة الذي حاول دفع تونس نحو تكوين هويتها السياسية والثقافية الخاصة، "أصبحت هذه المرحلة من المواضيع التي تندرج في إطار المحظورات"، كما يشرح مؤمني مضيفاً: "الآن، تتيح لنا الثورة شيئاً فشيئاً أن نتمتّع بقدر أكبر بقليل من حرية التعبير، وكذلك بحرية التحرّك".

المعرض هو ثمرة تعاون بين "مؤسسة رامبورغ" و"المعهد الوطني للتراث". والمعروضات تمت استعارتها بصورة مؤقتة أو دائمة من متحف للا حضرية في جربة، ومكتبة ألكازار في مرسيليا، والمعهد الوطني للتراث، ووزارة الثقافة، ومجموعات خاصة في بلدان عدة. على الرغم من أن المعرض سيستمر لثلاثة أشهر فقط، إلا أن هناك خططاً لإبقاء قصر السعيد مفتوحاً خلال الأعوام الأربعة المقبلة. في مرحلة ثانية، يعمل المنظِّمون على تحويل القصر إلى متحف يضم مجموعة دائمة عن تونس في القرن التاسع عشر. وسوف يكون الأول من نوعه في البلاد.

قال مؤمني: "إنه مكان من الذاكرة، والهدف هو إعادة الاستثمار في مكان من الذاكرة". لقصر السعيد مكانة متجذّرة في التاريخ. في الجزء الأخير من المعرض نجد "معاهدة باردو" التي أدّت إلى تحويل تونس إلى محميّة فرنسية. وبين المعروضات أيضاً الطاولة الرخامية الملوّنة التي وُقِّعت عليها المعاهدة. يقع القصر على قاب قوسين أو أدنى من متحف باردو الشهير، الذي كان بلاط النفوذ الفعلي خلال حكم الباشوات، والذي ارتبط اسمه مؤخراً بالهجوم الإرهابي الذي أسفر عن مقتل 21 شخصاً في العام 2015.

يضم متحف باردو في شكل أساسي تحفاً أثرية، ولا يحتوي على معروضات من التاريخ التونسي الحديث. وقد تنبّه المنظّمون إلى هذا النقص. قال مؤمني: "أردنا أن يكون هذا المعرض جسراً للذاكرة، وهو ما ليس موجوداً في متحف باردو". ليس من قبيل الصدفة أن يكون المكانان متجاورَين، ويأمل مؤمني بأن يُقدّما للأشخاص الذين يزورونهما معاً نظرة أكثر غنى عن التاريخ التونسي.

يضيف: "إنها مسائل مرتبطة بالهوية وذات أهمية كبرى بالنسبة إلى جميع التونسيين". على الرغم من الطبيعة الرصينة للمعرض، بذل المنظّمون مجهوداً خاصاً كي يكون متاحاً أمام الأولاد. ولذلك تعمّدوا فتح أبوابه خلال أيام العطل الوطنية؛ وقد استقبلوا، في الأسبوع الأول من المعرض، مجموعة من الطلاب من مدينة توزر جنوب البلاد، وأولاد ضحايا الهجمات الإرهابية.

فيما كانت جولتنا على المعرض تشارف على الانتهاء، مرّت مجموعة فتيات بجانبنا، وقد بدونَ أسيرات مشاعر الحماسة الطفولية من جهة والتوتّر الذي يترافق مع التواجد في مكان هادئ كهذا من جهة ثانية. انحنى مؤمني الذي كان يضع نظارة ويرتدي ثياباً من الجلد الأسود، نحوهن وسألهن إذا كنّ يستمتعن بالمعرض. فكان ردّهن إيجابياً. فبادرهن بالقول مبتسماً: "جيد. كل شيء ملكٌ لكنّ".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : memory, tunisian revolution, tunisian government, tunisian constitution, ottoman history, museum, bardo museum
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept