كيف أربكت "أوبك" و11 دولة أخرى الإقتصاد المصريّ مجدّداً؟

يبدو أن أزمة الاقتصاد المصري بعد وقف السعودية تصدير الجزء الأكبر من احتياجات مصر من المواد البترولية في الطريق إلى الأسوأ بعد قرار منظمة أوبك و11 دولة خارج المنظمة بتخفيض إنتاجهم من النفط مع مطلع عام 2017 مما أدى بالفعل إلى زيادات ملحوظة في أسعار النفط مع مجرد إعلان القرار، ومن المرجح أن يؤدي إلى مزيد من الزيادات مع دخول القرار حيز التنفيذ.

al-monitor .

المواضيع

petroleum, opec, exports, economy, currency, crisis, cairo, aramco

ديس 26, 2016

يتمثّل الحلّ البسيط لأزمة انخفاض سعر سلعة ما عادة في توافق منتجيها على خفض الإنتاج لتنخفض بالتبعيّة درجة تشبّع السوق من تلك السلعة، ويرتفع حجم الطلب على العرض لزيادة سعرها. ورغم بساطة الحلّ واعتياد مختلف الأسواق عليه، إلاّ أنّ نتائجه تبدو أكثر تعقيداً وخطورة عندما يرتبط الأمر بسلعة استراتيجيّة كالنّفط، وتبدو مصر نموذجاً مهمّاً عن خطورة هذه النوعيّة من القرارات، إذ أنّ حالاً من التوتّر والقلق تخيّم على الإقتصاد المصريّ، في ظلّ الإرتفاع المتواصل لأسعار النفط، وبلغت أعلى مستوياتها منذ تمّوز/يوليو من عام 2015، بحسب ما نشر في 13 كانون الأوّل/ديسمبر، 57,89 دولاراً للبرميل من خامّ برنت، وسط توقّعات أن يواصل إرتفاعه إلى 60 دولاراً.

ونتج إرتفاع أسعار النّفط من مرحلتين من المفاوضات والإتفاقات على خفض الإنتاج، وكانت الأولى بإتّفاق أعضاء منظّمة الدول المصدّرة للنّفط "أوبك"، خلال إجتماعهم الأربعاء في 30 تشرين الأوّل/نوفمبر بالعاصمة النمسويّة فيينّا، على التّشارك في خفض الإنتاج النفطيّ اليوميّ 1.2 مليون برميل يوميّاً ابتداء من كانون الثاني/يناير من عام 2017، ليصل إجماليّ الإنتاج حينها إلى 32،5 مليون برميل يوميّاً. وتمّت المرحلة الثانية بإتّفاق "أوبك" مع 11 دولة من غير أعضائها، في إجتماع عقد في 10 كانون الأوّل/ديسمبر بفيينّا، على خفض إنتاجها بمقدار 558 ألف برميل يوميّاً.

وعلى هامش الإجتماع، وصف رئيس "أوبك" ووزير الطاقة القطريّ محمّد بن صالح السادة في تصريحات صحافيّة الإتّفاق بأنّه تاريخيّ، إذ أنّ الدول المنضمّة إليه هي: روسيا، المكسيك، كازاخستان، ماليزيا، عمّان، أذربيجان، البحرين، غينيا الاستوائيّة، السودان، جنوب السودان، وبروناي.

ويعاني الإقتصاد المصريّ حاليّاً أزمة في احتياطات النّقد الأجنبيّ وسيولته، أدّت إلى إصدار البنك المركزيّ قراراً في 3 تشرين الثاني/نوفمبر بتحرير سعر صرف الجنيه، مقابل العملات الأجنبيّة، ليصل سعر الدولار الرسميّ حاليّاً إلى 18 جنيهاً، بعد أن كان 8،88 جنيهاً (100 في المئة زيادة)، وشهد اليوم نفسه إصدار وزارة البترول قراراً بزيادة أسعار الموادّ البتروليّة، وتشمل البنزين بفئاته كافّة، الغاز الطبيعيّ، السولار، والمازوت، بنسب تتراوح بين 30 و40 في المئة.

ولكن لا يبدو أنّ تحريك أسعار الموادّ البتروليّة كافياً للتغلّب على الأزمة، إذ أعلن وزير البترول طارق الملاّ خلال مؤتمر صحافيّ عقده في 6 تشرين الثاني/نوفمبر، أنّ الدعم المستهدف للموادّ البتروليّة في السنة الماليّة الحاليّة 2016/2017 كان 35 مليار جنيه على أساس سعر صرف 9 جنيهات للدولار وسعر خامّ برنت 40 دولاراً، مشيراً إلى أنّه مع قرار تحرير سعر الصرف والارتفاع العالميّ، الطفيف آنذاك، لأسعار النفط سيبلغ الدعم 64 مليار جنيه، رغم تحريك أسعار الموادّ البتروليّة، ممّا يكشف عمق الأزمة.

وعلّق مدير عام المخاطر في البورصة المصرية مدحت نافع لـ"المونيتور" على قضيّة تداعيات إرتفاع الأسعار العالميّة للنّفط على الإقتصاد المصريّ قائلاً: "من المؤكّد أنّها ستسبّب في أزمة، وأخشى أن تضطرّ الحكومة إلى خفض الدعم عن الموادّ البتروليّة مرّة أخرى في موازنة 2017/2018 أو خلال العام الماليّ الحاليّ لأنّ تقليص عجز الموازنة هو جزء أساسيّ في خطّة الإصلاح الإقتصاديّ وشروط قرض صندوق النّقد الدوليّ لمصر. وبالطّبع، يعتبر تقليص الدعم الوسيلة الأبرز لخفض عجز الموازنة".

أمّا أستاذ الإقتصاد في جامعة القاهرة فرج عبد الفتّاح فقال لـ"المونيتور": "أفضّل أن نسمّي إرتفاع الأسعار العالميّة للنّفط بالتحدّي، إلاّ أنّه من المبكر وصفه بالأزمة، لأنّ الأمر يتوقّف عند قدرة الحكومة المصريّة على التّفاوض للحصول على عقود وإتفاقيّات طويلة الأمد للبترول بالأسعار الحاليّة قبل استمرار زيادتها أو إبرام عقود وإتفاقيّات بتسهيلات في السداد وفترات سماح كإتفاقيّة أرامكو حتّى تتمكّن الدولة من التعافي إقتصاديّاً وأن تؤتي خطّة الإصلاح الإقتصاديّ ثمارها".

وأضاف عبد الفتاح: "ارتفاع أسعار النفط العالمي سينعكس إيجابيا على الاقتصاد المصري بزيادة اسعار صادراتها من المواد البترولية مما سيزيد موارد مصر من النقد الأجنبي"

ويذكر أنّ شركة "أرامكو" السعوديّة أوقفت منذ تشرين الأوّل/أكتوبر تصدير الموادّ البتروليّة إلى مصر، رغم أنّ الجانبين وقّعا إتفاقيّة في نيسان/إبريل الماضي تقضي باستيراد مصر الجزء الأكبر من حاجاتها البتروليّة من السعوديّة، وتحديداً من شركة "أرامكو"، وكان قرار الشركة بوقف التصدير في أعقاب تصويت عمرو أبو العطا مندوب مصر لدى مجلس الأمن في 9 تشرين الأوّل/أكتوبر، لصالح مشروع قرار روسيّ لوقف الحرب في حلب، وكانت السعوديّة من المعارضين للمشروع.

وأحدث وقف "أرامكو" تصدير الموادّ البتروليّة إلى مصر نزيفاً إقتصاديّاً حادّاً، حيث أنّ أقلّ تقدير نشر عن حجم الإتفاقيّة [اتفاقية إبريل] كان 23 مليار دولار، تسدّدها مصر على 15 عاماً، نظير إمداد "أرامكو" لها بـ400 ألف طنّ سولار، و200 ألف طنّ بنزين، و100 ألف طنّ مازوت (حوالى 80 في المئة من حاجات مصر من الموادّ البتروليّة المستوردة) شهريّاً لمدّة 5 سنوات بفائدة ثابتة 2 في المئة وبفترة سماح في السداد لمدّة 3 سنوات، أيّ أنّ إجماليّ ما كان على مصر تسديده خلال 18 عاماً، شاملاً فترة السماح الـ3 سنوات، يبلغ حوالى 30 مليار و800 مليون.

وربّما رفعت فترة سماح الـ3 سنوات عن مصر عناء تدبير النّقد الأجنبيّ اللاّزم لاستيراد ما يقرب من 80 في المئة من حاجاتها البتروليّة بـ3 مليار و840 مليون دولار سنويّاً، في ظلّ أزمة النّقد الأجنبيّ في مصر وتراجع الاحتياطيّ النقديّ، حيث أنّ طارق الملاّ أعلن في تصريحات صحافيّة في يناير 2016 قبل توقيع إتفاقيّة "أرامكو" أنّ مصر تستورد الموادّ البتروليّة شهريّاً بحوالى 400 مليون دولار، ويتكبّد الإقتصاد المصريّ عناء تدبير المبلغ نفسه، على أقلّ تقدير مجدّداً بعد وقف "أرامكو" شحناتها.

ويرجّح أنّ قرار البنك المركزيّ المصريّ بتحرير سعر صرف الجنيه، مقابل العملات الأجنبيّة، تأثّر في شكل واضح بوقف "أرامكو" تصدير الموادّ البتروليّة، حيث أنّ ضغوط تدبير النّقد الأجنبيّ اللاّزم لاستيراد الموادّ البتروليّة من بدلاء الشركة السعوديّة، رّبما أعجزت المركزيّ عن تدبير الجزء الأكبر من عطاءاته الدولاريّة الأسبوعيّة وقدرها 120 مليون دولار (5 مليارات و760 مليون دولار سنويّاَ) بواقع 8،88 جنيهاً للدولار، قبل تحرير سعر الصرف، وتجدر الإشارة إلى أنّ تلك العطاءات توقّفت بعد قرار التحرير.

ويبدو أنّ الإقتصاد المصريّ على مشارف أزمة حادّة جديدة، إذا لم يفلح صنّاع القرار في التوصّل إلى إتفاقيّات استثنائيّة مع مصدّري الموادّ البتروليّة، خصوصاً في الخليج، قبل بداية العام ودخول قرارات "أوبك" حيّز التنفيذ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو