نبض مصر

قناة الأزهر: بين تعثّر تمويلها وفوضى الخطابين الدينيّ والإعلاميّ

p
بقلم
بإختصار
هل يكون إطلاق الأزهر قناة فضائيّة لمحاربة الفكر المتطرّف ونشر ما يسمّيه مشايخ الأزهر بـ"مبادئ الإسلام الوسطي ّالمعتدل" خطوة ذات فعاليّة؟

فوضى الفتاوى هو مصطلح شاع استخدامه على لسان مسؤولي مشيخة الأزهر ووزارة الأوقاف أثناء محاولتهم المستمرّة للقضاء على الخطاب الدينيّ المتشدّد لبعض الشيوخ المنتمين إلى تيّارات سلفيّة أو المؤيّدين لجماعة الإخوان، ويسعى الأزهر إلى لعب دور محوريّ حاليّاً في ذلك الصراع، بعد أن تصدّرت مشهده وزارة الأوقاف في عامي 2014 و2015 بمنع الأئمّة غير المجازين من الأزهر أو من الأوقاف اعتلاء منابر صلاة الجمعة والخطبة في المصلّين، فهل يكون إطلاق الأزهر قناة فضائيّة لمحاربة الفكر المتطرّف ونشر ما يسمّيه مشايخ الأزهر بـ"مبادئ الإسلام الوسطي ّالمعتدل" خطوة ذات فعاليّة؟

تكرّرت الدعاوى والتصريحات في شأن إطلاق قناة خاصّة بالأزهر مرّات عدّة في الأعوام الماضية، إلاّ أنّها انتهت إلى لا شيء، وجدّد تلك التصريحات القائم بأعمال رئيس جامعة الأزهر الدكتور إبراهيم الهدهد في 25 تشرين الثاني/نوفمبر، حيث قال في تصريحات صحافيّة: إنّ الأزهر ما زال ساعياً إلى إطلاق القناة، لكنّه يواجه العديد من الصعوبات.

وعن الصعوبات، أوضح إبراهيم الهدهد أنّ من يرغب في إطلاق قناة عاديّة تعرض الأفلام والبرامج والمسلسلات وتسعى إلى تحقيق أرباح عن طريق الفترات الإعلانيّة لا يواجه صعوبة، بينما يواجه الأزهر صعوبة لأنّ القناة لا بدّ أن تكون ذات طابع خاص وغير ربحيّة، تعرض قيم الإسلام الوسطيّ والدين الصحيح بألوان متعدّدة.

ولذلك، توقّع ألاّ تقلّ تكلفتها عن مليار جنيه، مشيراً في سياق متّصل إلى أنّ شيخ الأزهر، أحمد الطيب، يسعى إلى إيجاد مصادر تمويل لها.

وفي حوار مع الشباب المشاركين في فعاليّات الحوار المجتمعيّ للأزهر بـ28 تشرين الثاني/نوفمبر، أشار وكيل الأزهر عبّاس شومان إلى أنّ القناة تأخّر إطلاقها بالفعل لظروف خارجة عن إرادة المشيخة، وإنّه يجري الإعداد لها، بشكل وصفه بالجيّد لتخرج بشكل ومضمون يليقان بالأزهر وتاريخه، لافتاً إلى أنّه من المقرّر ألاّ تكون قناة دينيّة، وإنّما ستكون قناة عاديّة تقدّم كلّ البرامج إلى كلّ الفئات وتناقش المواضيع بحياديّة وموضوعيّة.

ويذكر أنّ الحاجة إلى إطلاق قناة أزهريّة لمواجهة الخطاب المتشدّد، ربّما نشأت ممّا خلّفته قنوات دينيّة متشدّدة مؤيّدة لجماعة الإخوان والتيّارات السلفيّة من فتاوى، وانطلقت أغلب تلك القنوات في عامي 2011 و2012 عقب ثورة 25 كانون الثاني/يناير وما أعقبها من تنامي نفوذ التيّارات الإسلاميّة في الإعلام، جنباً إلى جنب مع تنامي نفوذها السياسيّ، إلاّ أنّ تلك القنوات تمّ إغلاقها منذ 3 تمّوز/يوليو من عام 2013 عقب سقوط حكم الرئيس الأسبق محمّد مرسي على خلفيّة ثورة شعبيّة انطلقت ضدّه في 30 حزيران/يونيو من العام نفسه.

وعن جدوى قناة الأزهر، قال مستشار التدريب الإعلاميّ في صندوق الإنماء التابع لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" ياسر عبد العزيز لـ"المونيتور": إنّ إطلاق قناة الأزهر لمحاربة الخطاب الدينيّ المتشدّد وتجديد الخطاب الدينيّ. ونشر قيم الإسلام الوسطيّ سيكون خطوة مهمّة إذا توافرت الضوابط اللاّزمة لنجاحها.

وواصل ياسر عبد العزيز حديثه عن الضوابط اللاّزمة قائلاً: "إنّ الخطاب الدينيّ يعيش حالاً من الفوضى مثل الخطاب الإعلاميّ. وإنّ مبادئ الخطابين تحتاج إلى مراجعة، لا يجب أن تقتصر على شكل الخطاب، ولكن يجب أن تشمل مضمونه أيضاً، فالفتاوى المتشدّدة وليدة أخطاء متوارثة في فهم بعض النصوص الدينيّة وتفسيرها، ويجب تصحيح ذلك الفهم بجرأة وحياديّة وشفافيّة خاصّة في قضايا التكفير والجهاد والمرأة التي أفرزت فكر أغلب التنظيمات المتطرّفة".

أضاف: إنّ الخطاب الإعلاميّ يحتاج إلى ضوابط تحترم عقليّة المشاهد وتقدّر الظرف الفكريّ المضطرب، خصوصاً في ما يخصّ بعض القضايا الدينيّة لدى الشباب.

وأشار إلى أنّ بعض المنتمين إلى الجماعة الإعلاميّة يحاول استثمار الأحداث وبعض الفتاوى الشاذّة أو المتطرّفة لصناعة ضجّة بهدف تحقيق مكاسب من دون سقف أو ضوابط لحريّة الإعلام، "ممّا يزيد المشاهد المصريّ تشويشاً ويروّج بالخطأ لتلك الفتاوى".

وشهدت فترة حكم جماعة الإخوان لمصر 2012/2013 وتزايد القنوات الدينية المؤيدة لهم العديد من الفتاوى الموصوفة بالتشدد في قضايا الجهاد والمرأة، وأصدر سيد زايد، عضو لجنة الفتاوى بالأزهر، دراسة بعنوان "الفتوى الضالة عن الإخوان والسلفيين" في نوفمبر 2013، شملت حصرا لـ51 فتوى اعتبرها متشددة وشاذة في عهد حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، من أشهرها إجازة نزول المرأة والأطفال إلى المظاهرات ووقوفهم كدروع بشرية لحماية المظاهرات كنوع من الجهاد في سبيل الله، وإجازة زواج الفتيات في سن العاشرة، واعتبار نزول المرأة البحر زنى، وتحريم خروج الطالبات للدراسة، بخلاف عشرات الفتاوى بتكفير بعض المعارضين للإخوان وإجازة العنف ضد المسيحيين.

وشهدت الساحات الإعلامية عقب سقوط حكم الإخوان عددا من الفتاوى الموصوفة بالتطرف في الاتجاه المقابل مثل فتوى أحمد كريمة، أستاذ الشريعة في الأزهر، في أغسطس 2013، باعتبار الإخوان كفار ومرتدين عن الإسلام، وفتاوى توجب تطليق الزوج للزوجة الإخوانية ورفض زواج البنات من شباب جماعة الإخوان وامتناع الأب عن الانفاق على أبنائه إذا كانوا من مؤيدي الإخوان أو معارضين لأجهزة الدولة، وتحريم التخلف عن التصويت في الانتخابات الرئاسية لعام 2014، وهي أول انتخابات بعض سقوط الإخوان.

ومن جهته، قال العميد الأسبق لكليّة الإعلام الرئيس الأسبق لإتّحاد الإذاعة والتلفزيون سامي الشريف لـ"المونيتور": إنّ بعض وسائل الإعلام أفسدت العديد من القيم والمفاهيم الدينيّة لدى الشباب وتسبّبت في بعض الأوقات بنشر التطرّف.

وأشار إلى أنّ الأزهر الشريف قادر على تصحيح ما أفسدته وسائل الإعلام، داعياً إلى سرعة إطلاق قناة الأزهر وضرورة توفير الدعم اللاّزم لها فنيّاً وماليّاً لخروجها بأفضل صورة، وقال: "أتصوّر أنّ القناة ستساهم، في شكل كبير، بتجديد الخطاب الدينيّ ومحاربة التطرّف".

وبسؤاله عن الضوابط اللاّزمة لنجاح القناة وسط "المناخ المضطّرب للخطابين الدينيّ والإعلاميّ"، على حدّ وصف عبد العزيز، قال سامي الشريف لـ"المونيتور": "بالطبع، هناك حال من الاضطراب، ويتمثّل علاج حال الاضطراب بإسناد تجديد الخطاب الدينيّ للمتخصّصين، وهم أئمّة الأزهر الشريف. وإنّ أحد أسباب تعثّر محاولات تجديد الخطاب الدينيّ ومحاربة التطرّف هو أنّ العديد من القنوات الفضائية تستضيف غير المتخصّصين من غير المنتمين إلى الأزهر للتعليق على الشؤون الدينيّة وإصدار الفتاوى".

أضاف: "من بين الضوابط أن يميّز الإعلام بين الأزهر كمؤسّسة دينيّة ومن يتحدّثون باسمه وبين خرّيجيه، لأنّ بعض الفتاوى المتشدّدة يخرج من خرّيجي كليّات الأزهر ومعاهده، إلاّ أنّه يعبّر عن فكرهم، وليس عن فكر المؤسّسة. وبالطبع، أيّ مؤسّسة لا تستطيع أن تكون مسيطرة على فكر كلّ الدارسين فيها وخرّيجيها".

ويبدو أنه على الأزهر أن يخوض العديد من الصعاب في مواجهة فوضى الخطابين الديني والإعلامي قبل إطلاق قناته المرتقبة لتحقق نتائجها المرجوة، وربما تكون القناة أداة هامة في السيطرة على حالة الفوضى إذا توفرت لها الإمكانيات المالية والفنية.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : television, muslim brotherhood, islam, fatwa, extremism, egyptian salafists, egyptian media, al-azhar

ديفيد عوض صحفي مصري بدأ حياته العملية كمتدرب في الأهرام الاقتصادي ثم انتقل ليكون معدا في راديو مباشر الاقتصادي، مهتم بقضايا الاقتصاد والإعلام والفنون.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept