نبض العراق

مساكن عصرية في العراق مُشيّدة من طابوق بابل الأثري

p
بقلم
بإختصار
في إثناء إدامة وهدم منازل سكنية في مدينة الحلة الواقعة قرب مدينة بابل التاريخية في العراق، يُعثّر على طابوق نُقشت عليه كتابات بابلية قديمة

بغداد، العراق - يكتشف مواطنون عراقيون بين الحين والآخر، طابوقا سُرِق على مدى العقود العشرة الأخيرة الماضية، من مدينة بابل التاريخية التي ازدهرت كعاصمة للعالم القديم في 1880 قبل الميلاد، وبُنيت به مساكن مدينة الحلة (100 كم جنوبي بغداد) الواقعة على مسافة 20 كيلومترا من موقع بابل التاريخي.

واكد ذلك محمد الحلي (معمار من الحلة، 75 سنة) للمونيتور، بالقول ان "العثور على طابوق بابلي الأصل في إثناء تهديم البيوت الآيلة للسقوط، يحدث في مناسبات كثيرة"، مؤكدا على ان "نقل الطابوق من مدينة بابل لاستخدامه في تشييد المساكن، كان أمرا معتادا الى الخمسينات من القرن الماضي، حيث توقف، بعد تعزيز الإجراءات الأمنية، وتزايد اهتمام السلطات ببابل".

وقال الحلي ان "حارات قديمة في الحلة وأبرزها "محلة الجامعينو"حي الكعود" و"تعيس"، لاتزال تضم بيوتا شُيّدت من طابوق بابل الأثري بعد إن نقله الأجداد على ظهور الحيوانات لغرض بناء المساكن".

وفي انسجام مع ما قاله الحلي، تنقل مشاهد كبار السن، ان مدينة الحلة كانت تضم سوراً بُني بطابوق، نُقِل بواسطة المراكب النهرية البدائية من بابل". ويتطابق حديث الحلي مع ما نشره الاكاديمي عدنان بهية بأن الحلة بُنيت عام 1101 ميلادي من طابوق بابل القديمة.

وزار المونيتور مدينة بابل الاثرية ميدانيا في 2 ديسمبر/كانون اول، حيث تسقط العين على الأبنية الضخمة المشيّدة من الطابوق المفخور الذي لا يختلف عن الطابوق الذي يستخدم في البناء في الوقت الحاضر.

وتقول المصادر التاريخية ان الملك نبوخذ نصر الثاني شيّد مدينة بابل باستخدام 15 مليون قطعة من الطابوق المحروق في تشييد المباني الرسمية، وعادة ما كانت قطع الطابوق مربعة الشكل، وتنقش عليها أحرف الكتابة المسمارية بختم خاص.

ويبدو ان بابل عانت الكثير من سرقة بقايا أطلالها، حيث يشير بحث منشور في وسائل الاعلام إلى سدة الهندية التي بُنيت في العام 1890 من طابوق بابل ومن قطع الآجر والقرميد الكبيرة التي نُقلت من قصر الملك نبوخذنصر في بابل التاريخية بعد تفجيره بالديناميت.

واذا كانت هذه الفعاليات الضارة بالارث الثقافي العراقي، قد حصلت في بدايات القرن الماضي، الا ان رديفها من الأعمال التي اثرت سلبا على المدينة وتاريخها لم تتوقف، حتى من قبل السلطات الحكومية، ذلك أن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ولكي يخلّد اسمه، شوّه المدينة، حين قام في العام 1988 بأعمال صيانة للآثار في بابل، من دون مطابقتها لمعايير يونسكو، فاستخدم مواد مخالفة للمواد الأصلية التي استعملها البابليون، وحفر على قطع الطابوق عبارة "من نبوخذ نصر إلى صدام حسين"، وعلى ضوئها أوصت اليونسكو بعدم إدراج مدينة بابل الأثرية ضمن لائحة التراث العالمي.

ثم نال المدينة ما نالها من أعمال سلبية، بعد سقوط نظام صدام حسين العام 2003 حيث تحولت المدينة التاريخية الى معسكر للقوات الأمريكية وشوهت الدبابات شوارعها القديمة.

وكل هذه التجاوزات على القيمة التاريخية في بابل، تدفع عضو لجنة الثقافة والاعلام سروة عبد الواحد، في حديثها للمونيتور إلى دعوة "الجهات الثقافية والاثارية الحكومية، إلى التدخل السريع للإشراف على المنازل والأماكن التراثية في المدن، لاسيما في الحلة حيث بُني بعضها من أطلال بابل".

وقالت سروة "العثور على طابوق يحتوى على نقوش سومرية بين انقاض المنازل، يستدعي إشرافا لاسترجاع هذه القطع الأثرية التاريخية وحفظها في أماكن تخصص لها في المتاحف ".

 أما مدير آثار بابل حسين فليح فقد اكد للمونيتور على ان "بابل اليوم تحظى بمستوى جيد من الحراسة الأمنية، وان أعمال سرقة طابوقها التي حدثت في عشرينات وأربعينات القرن الماضي، انتهت من فترة طويلة". لكن حسين يشير الى "ضرورة الإشراف على عمليات هدم البيوت القديمة في مدينة الحلة لانتشال طابوق بابل من الأنقاض وإعادة تأهيله وحفظه".

وأشار حسين الى ان "تأهيل أبنية بابل التأريخية قطع شوطا كبيرا في إزالة الطابوق الجديد الذي ادخله النظام السابق في عملية الترميم، والشروع في أعمال الترميم على ضوء مواصفات يونسكو". ولهذا السبب يبدو حسين متفائلا في إدراج المدينة على قائمة التراث العالمي في نهاية العام 2017.

ولكي يتحقق هذا الأمل، اطلق مجموعة من الإعلاميين والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، في 21 حزيران حملة "نحن بابل" لحث منظمة اليونسكو لادراج اثار بابل ضمن لائحة التراث العالمي، فيما اكد الناشط والمهتم في تاريخ بابل عباس الكيم للمونيتور على ان "أهالي الحلة يدركون أهمية الحفاظ على اثار بابل، ولهذا يسارع الكثير منهم الى تسليم القطع الاثارية الى الجهات المختصة حال العثور عليها ".

فيما يشير رئيس اتحاد وأدباء كتاب بابل جبار الكواز، للمونيتور الى "فعاليات ثقافية لتطوير الوعي بأهمية التراث" مؤكدا على ان "منازل الحلة القديمة ذات أهمية تراثية وتاريخية بسبب احتواء قسم منها على طابوق بابلي نقشت عليه كتابات سومرية، لذلك فان عملية إعادة ترميم تلك المنازل يجب ان تتم ضمن الضوابط التي تعمل عليها الهيئة العامة للآثار".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

وسيم باسم هو صحفي عراقي متخصص في متابعة الظواهر الاجتماعية من خلال التحقيقات والتقارير المنشورة في وسائل الإعلام المختلفة بما في ذلك الاسبوعية، باب نور وإيلاف.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept