روسيا تبرز كمركز ثقل بالنسبة إلى إسرائيل

تقدّم إسرائيل إلى روسيا فرصة لتوسيع دورها في الشرق الأوسط، وبإمكان روسيا أن تضفي ثقلاً على وجود إسرائيل هناك في الوقت الذي تنأى فيه الولايات المتّحدة بنفسها.

al-monitor .

المواضيع

vladimir putin, unesco, temple mount, russian foreign policy, russian diplomacy in syrian crisis, russia in middle east, israeli-palestinian relations, benjamin netanyahu

نوف 7, 2016

تنمو بين إسرائيل وروسيا علاقة تكافليّة قويّة بما يكفي لتخطيّ التوتّرات.

وبينما يستعدّ رئيس الوزراء الروسيّ فلاديمير ميدفيديف لزيارة إسرائيل وفلطسين بين 9 و11 تشرين الثاني/نوفمبر لتسهيل مفاوضات السلام، تتخطّى روسيا وإسرائيل خلافاً دبلوماسيّاً كان ليعرقل هذه المساعي ويفسد أيضاً العلاقة بين الدولتين.

في 13 تشرين الأول/أكتوبر، أصدرت منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) قراراً مثيراً للجدل انتقدت فيه "اعتداءات إسرائيل المتصاعدة" على مكان مقدّس في القدس يسمّيه اليهود جبل الهيكل والمسلمون الحرم الشريف. ويشير القرار، الذي أيّدته روسيا، إلى المكان المقدّس باسمه العربيّ ليس إلا، ما أثار طبعاً غضب القدس.

وبعد أسبوع، في 21 تشرين الأول/أكتوبر، اتّصل الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين برئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو لتهنئته بمناسبة عيد ميلاده. وبحسب مصادر إسرائيليّة، عبّر نتنياهو عن خيبة أمله بسبب تأييد روسيا لقرار اليونسكو "المناهض لإسرائيل" واحتجّ على هذه الخطوة. وقد بذل بوتين جهداً كبيراً لمعالجة هذه المسألة وأرسل وفداً رفيع المستوى يمثّل وزارة الخارجيّة إلى القدس لشرح الموقف الروسيّ من قرار اليونسكو.

لكنّ هذا النوع من الأحداث بعيد كلّ البعد عن التفاهم العامّ الموجود بين إسرائيل وروسيا في سياقات متعدّدة. فمع أنّ نتنياهو لم يكن راضياً عن تدخّل طائرات "سوخوي سو" الحربيّة الروسيّة في المعادلة السوريّة المعقّدة أصلاً، لكنّه وجد فيه بلا شكّ بعض المنافع. وتتمتّع روسيا وإسرائيل، على الرغم من رؤيتيهما المختلفتين لسوريا ما بعد الحرب، بقاسم مشترك وهو أنّهما لا تريدان رؤية مزيد من الحكومات يهتزّ في الشرق الأوسط لأنّ تداعيات عدم الاستقرار ستطال كلّاً منهما في نهاية المطاف.

في ما يتعلّق بالحرب السوريّة، تقضي مصالح إسرائيل بحماية حدودها من مخاطر متعدّدة، بما في ذلك توغّلات حزب الله وقوّته المتنامية، ومطالبة الحكومة السوريّة بهضبة الجولان، وبناء الثوّار السنّة بنى تحتيّة عسكريّة على طول الحدود الإسرائيليّة، والأهّم من ذلك كلّه، هجمات إيرانيّة. في هذا السياق، قد لا يكون وجود القوّات الروسيّة في سوريا مخالفاً لمصالح إسرائيل بالضرورة، بما أنّه قد يساعد على احتواء هذه المخاطر.

فمشاركة الضبّاط الروس في التخطيط العسكريّ للرئيس السوريّ بشار الأسد سيردع دمشق عن القيام بأيّ تحرّك ضدّ إسرائيل، وهي ضمانة جيّدة بالنسبة إلى نتنياهو في الظروف الحاليّة. فقد سافر رئيس الوزراء الإسرائيليّ إلى روسيا مرّتين هذه السنة وأصرّ على الحصول على تطمينات من بوتين بشأن عدم انتهاك حدود بلاده في خلال الحرب الحاليّة، وهو أمر تعجز واشنطن، حليفة إسرائيل الأقرب، عن توفيره حالياً. ولهذه الغاية، اتّفقت موسكو والقدس على تنسيق تحرّكاتهما في سوريا وتشارك المعلومات الاستخباراتيّة.

فعلى الرغم من بعض العمليّات العابرة للحدود من حين إلى آخر، تفضّل إسرائيل تفادي التدخّل عسكرياً في سوريا لئلا تجرّ نفسها إلى ردّ أكبر أو استفزازيّ. ويعود تشارك المعلومات الاستخباراتيّة أيضاً بالنفع الكبير على موسكو، التي تتلقّى معلومات استخباراتيّة أكثر توازناً، إذ إنّه يتيح لها تحليل المعلومات التي يقدّمها إليها حلفاؤها من مركز التنسيق في بغداد. فالمراحل الأوليّة من العمليّة الروسيّة في سوريا أظهرت أنّ المعلومات الاستخباراتيّة التي تجمعها دمشق وطهران ليست دائماً دقيقة.

وليس الأسد من يثير قلق إسرائيل، بل بالأحرى تأثير إيران على الأسد. فاحتواء طهران وحلفائها في المنطقة، بما في ذلك الزعيم السوريّ وحزب الله، هو في الوقت الحاليّ الهدف النهائيّ بالنسبة إلى القدس. وتشكّل السيطرة على تدفّق الأسلحة إلى مقاتلي حزب الله جزءاً من الجهود الهادفة إلى احتواء القوّات المعادية، وتضطلع روسيا بدور جوهريّ في تحقيق ذلك. فبعد أن زادت روسيا مساعداتها للحكومة السوريّة في منتصف العام 2014، لاحظت إسرائيل ارتفاعاً في عمليّات تسليم حزب الله صواريخ أرض أرض. وطلبت إسرائيل من الكرملين السيطرة على مبيعات الأسلحة في سوريا.

وقالت بعض المصادر في الأوساط الدبلوماسيّة الإسرائيليّة لـ "المونيتور" إنّ روسيا ذهبت إلى حدّ تأخير عمليّة تسليم إيران أنظمة صاروخيّة من نوع "أس-300" بسبب إخلالها بوعدها بعدم نقل أسلحة روسيّة إلى حزب الله. وقد شجّعت هذه الأحداث موسكو والقدس على التوصّل إلى اتّفاق تحتفظ بموجبه إسرائيل بحقّ مهاجمة مواكب حزب الله التي تحمل أسلحة يمكن أن تُستخدم ضدّها، وتلقّت روسيا تطمينات من إسرائيل بالامتناع عن التدخّل عسكرياً في سوريا طالما أنّ الأراضي الإسرائيليّة غير مهدّدة.

وبعيداً عن سوريا، يبقى تأثير روسيا في الشرق الأوسط محدوداً. فالدور الذي تضطلع به موسكو في هذا النزاع هو الذي يجعل رأيها مهمّاً بالنسبة إلى صانعي السياسات في المنطقة. وبما أنّ بوتين بذل جهوداً كبيرة وأنفق أموالاً طائلة لمحاولة حلّ الأزمة السوريّة، فهو يعتبر أنّه سيخسر جيوسياسياً إذا عجز عن تعزيز تأثير روسيا في المنطقة بعيداً عن النزاع الحاليّ. ولهذا السبب، تبحث روسيا عن نقاط دخول أخرى تتيح لها أن تصبح من صانعي القرار الرئيسيّين في الشرق الأوسط على المدى الطويل. ويُعتبر النزاع الإسرائيليّ الفلسطينيّ نقطة من نقاط الدخول هذه.

وقد برزت الدلائل الأولى على أنّ رؤية روسيا لدورها في الشرق الأوسط تتغيّر في أواخر العام 2015. فبعد مرور شهرين على حملة روسيا العسكريّة في سوريا، غيّر بوتين المسؤولين الرئيسيّين. فاستغنى عن نائب وزير الخارجيّة ومبعوثه الخاصّ لشؤون الشرق الأوسط، ميخائيل بوغدانوف، ووضع الدوائر الاستخباراتيّة العسكريّة في الواجهة. وأكّد دبلوماسيّ في موسكو لـ "المونيتور" أنّ بوغدانوف أوكل بمعالجة عدد من المسائل "الثانويّة" المتعلّقة بالشرق الأوسط والتي يمكن أن تضطلع روسيا فيها بدور الوسيط، بما في ذلك الأزمة في اليمن وليبيا والنزاع الإسرائيليّ الفلسطينيّ.

وتعتبر روسيا أنّ الحائط المسدود الذي اصطدمت به محادثات السلام الفلطسينيّة الإسرائيليّة منذ العام 2014 يشكّل فرصة مثاليّة لها لترؤّس جهود دبلوماسيّة جديدة في هذا المجال. ونظراً إلى المشاكل في جولات المحادثات السابقة، يتوخّى الكرملين الحذر في طموحاته لكنّه اقترح استقبال نتنياهو وعباس في موسكو لإجراء محادثات مباشرة، وقد وافق الاثنان على اقتراحه بحسب ما أشيع.

ومن المستبعد أن تجد روسيا حلاً للحائط المسدود بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين، لكنّ القدس ستجاريها في كلّ الأحوال. فالحالة السوريّة والنزاع الإسرائيليّ الفلسطينيّ يشيران إلى احتمال انسحاب الولايات المتّحدة تدريجياً من الشرق الأوسط، ما يعني أنّه قد يتعيّن على الشركاء الأميركيّين في المنطقة البحث عن تحالفات جديدة. وقد لا يكون إذاً أمام إسرائيل خيار سوى الميل نحو موسكو مع توخّي الحذر في الوقت نفسه من نوايا روسيا في الشرق الأوسط.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو