قطر تعزز حضورها في تونس من خلال مؤتمر استثماري

تشكّل الديمقراطية التونسية الناشئة بعد الربيع العربي المسرح الأحدث للمنافسة بين دول الخليج.

al-monitor .

المواضيع

tunisian revolution, tunisian economy, tourism in tunisia, investment, infrastructure, gulf states, beji caid essebsi, arab spring

نوف 28, 2016

يتيح المؤتمر الاستثماري الذي يُعقَد هذا الأسبوع لدعم تونس بمليارات الدولارات، فرصة نادرة أمام الاقتصاد التونسي المتعثّر لتجديد الثقة بمستقبله وسط التراجع في تصنيف السندات والتململ في صفوف العمّال.

من شأن نتائج المؤتمر أن تساهم أيضاً، خلف الكواليس، في تحديد ما إذا كانت قطر التي تملك سيولة نقدية طائلة، راهنت على الحصان المناسب في سعيها إلى توسيع تأثيرها في شمال أفريقيا بعد الربيع العربي. الإمارة "شريكة" في المؤتمر وأحد "عرّابيه"، بحسب ما جاء على لسان مراد فرادي الذي شارك في تنظيمه، في مقابلة مع إذاعة "إكسبرس إف إم" في 22 تشرين الثاني/نوفمبر.

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، هو رئيس الدولة الأجنبية الوحيد الذي يُتوقَّع أن يشارك في المؤتمر، وتنسب إليه وسائل الإعلام القطرية الفضل في اقتراح الخطة الهادفة إلى ضخ الاستثمارات التي تشكّل حاجة ماسّة جداً في الاقتصاد التونسي الذي يعاني من الركود، وذلك خلال زيارة قام بها الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي إلى قطر في أيار/مايو الماضي. يسعى مؤتمر "تونس 2020" المنعقد في 29-30 تشرين الثاني/نوفمبر، إلى دفع المستثمرين إلى الانخراط في تنفيذ 82 مشروعاً في 20 قطاعاً اقتصادياً، وتصل قيمتها مجتمعة إلى 18.9 مليار دولار أميركي.

لا يجب أن تشكّل رعاية قطر للمؤتمر مفاجأةً، فلطالما كانلدول الخليج حضورٌ في هذه البلاد الصغيرة في شمال أفريقيا. للكويت ارتباطات مالية في تونس منذ ستينيات القرن العشرين، في حين أن الإمارات العربية المتحدة وقطر تستثمران في البلاد منذ التسعينيات. وقد بلغ الاهتمام – والتنافس بين دول الخليج – ذروته بعد "ثورة الياسمين" في 2010-2011، التي أفضت في العام 2011 إلى إطاحة الديكتاتور التونسي زين العابدين بن علي الذي حكَم البلاد لفترة طويلة. في عهده، كان الاقتصاد التونسي يخضع لسيطرة الدولة، وكان مغلقاً إلى حد كبير في وجه المستثمرين المحليين والدوليين. وكانت الاستثمارات تركّز في معظمها على مشاريع البنى التحتية في قطاعَي الطاقة والمواصلات.

لكن حتى في تلك المرحلة، "شُيِّدت كلية الطب في جامعة تونس بواسطة منحة قطرية"، كما قال المحلل السياسي يوسف الشريف لموقع "المونيتور"، مضيفاً: "كانت هناك استثمارات قطرية في السياحة وفي المصفاة النفطية في الصخيرة [بلدة ساحلية]"، لكن "الفساد والخلافات السياسية تسبّبت بتعطيل تدفّق هذه الاستثمارات أو تبطيء وتيرته".

أطلق الفراغ المالي بعد الثورة مرحلة استثمارية جديدة فيما تجد تونس نفسها على ارتباط متزايد بدول الخليج، لا سيما قطر. وقد جاء انخراط قطر في القطاع المالي التونسي غداة تشكيل حكومة الترويكا وتزايد نفوذ إسلاميي "النهضة" بعد انتخابات المجلس التأسيسي في العام 2011، بحسب وزير المال والاستثمار السابق ياسين ابراهيم.

وفقاً لدراسة صادرة عن "المجلس الألماني للعلاقات الخارجية" في العام 2015، نظرت قطر بإيجابية إلى ثورة 2011 في تونس. لقد أراد القطريون "أن يرى الغرب في قطر جهةً محاوِرة وجسراً– مع النهضة في هذه الحالة – في إطار شبكة أوسع من التيارات الإسلامية التي كان يُتوقَّع أن تشكّل قوى المستقبل في الشرق الأوسط".

وقد لفت الشريف إلى أن "السياسة التونسية كانت منسجمة – أقلّه بين العامَين 2011 و2014 – مع الرؤية القطرية للمنطقة، ما دفع ببعض المراقبين إلى وصف تونس بأنها جزء من المحور التركي-القطري". وعلى هذا الأساس، "تسارعت وتيرة تقديم المنح والقروض بعد العام 2012، وأصبحت قطر المستثمِر العربي الأكبر في تونس، مع انهيار ليبيا وثني الإمارات مستثمريها [عن القدوم إلى تونس]"، بحسب الشريف.

يُقال إن الإمارات استاءت كثيراً من القرار الذي اتخذه السبسي بالتوصل إلى تسوية مع حركة "النهضة" باسم الوحدة الوطنية إبان تسلّمه سدّة الرئاسة في كانون الأول/ديسمبر 2014.

العام الماضي، أورد موقع "ميدل إيست آي" الإخباري أن المسؤولين الجزائريين حذّروا نظراءهم التونسيين من أن الإمارات تسعى إلى تقويض الانتقال الديمقراطي في تونس لمصلحة قيام نظام أوتوقراطي مناهض للإسلاميين مشابه للنظام في مصر.

بحسب إحصاءات تعود إلى أيلول/سبتمبر 2016 صادرة عن "الوكالة التونسية لتعزيز الاستثمارات الأجنبية"، تبلغ الاستثمارات القطرية في تونس أكثر من مليار دولار أميركي، ويُخصَّص الجزء الأكبر منها لقطاعَي الاتصالات السلكية واللاسلكية والخدمات. في حين أن المباحثات المالية مع الإمارات توقّفت "في الأشهر القليلة الماضية"، بحسب ابراهيم، استمرّت الاستثمارات القطرية، وخير دليل على ذلك الدعم القطري لمؤتمر الاستثمار في تونس. يُتوقَّع أن يتم الإعلان عن مشروعَين استثماريين كبيرين خلال المؤتمر: وديعة بقيمة 500 مليون دولار في البنك المركزي التونسي حتى العام 2018، وخط ائتماني بقيمة 500 مليون دولار في آذار/مارس 2017.

تُركّز قطر بصورة متزايدة أيضاً على السياحة، مع بلوغ استثماراتها في هذا القطاع 21.8 مليون دولار بحسب "الوكالة التونسية لتعزيز الاستثمارات الأجنبية". اشترى صندوق "الديار القطرية" للثروة السيادية فندقاً فخماً في مدينة طبرقة الساحلية قرب الحدود الجزائرية، والذي يضم مجمّعاً للتدريب على كرة القدم. وتنفق قطر عشرات ملايين الدولارات على الاستثمار في مشاريع إنشاءات سياحية في الجنوب، قرب دوز، وفي قمرت، وهي ضاحية ثرية من ضواحي العاصمة تونس.

وكذلك تبرّع القطريون بمبالغ صغيرة لوزارة الداخلية، ولتمويل عدد من المشاريع الأمنية. يقول ابراهيم: "لا يحبّذون كثيراً التبرعات، بل يفضّلون الاستثمارات".

يشير الشريف إلى أن "تلك الاستثمارات لم تحقّق عائدات مالية كبيرة للقطريين، خلافاً للأموال التي وظّفوها في فرنسا أو في المملكة المتحدة مثلاً. غير أنها أكسبتهم شعبية في أوساط عدد كبير من التونسيين وأتاحت لهم بناء تحالفات قوية. قطر هي حالياً لاعب أساسي في السياسة التونسية، وتتودّد إليها كل الحكومات التونسية منذ العام 2011 – حتى تلك الأكثر معارضة لسياساتها".

في حين أنه لقطر علاقات جيدة مع مختلف أفرقاء الطيف السياسي، من "النهضة" إلى "نداء تونس"، ثمة مخاوف بأن يؤدّي التأثير المفرط إلى "استحواذ خليجي" على البلاد. لكن في المرحلة الراهنة، لا تستطيع تونس أن تكون صعبة الإرضاء: فمشاريع البنى التحتية والاستثمارات الخارجية والوظائف تشكّل حاجة ماسّة جداً.

بودكاست

فيديو