نبض فلسطين

السعوديّة توقف تمويل السلطة الفلسطينيّة

p
بقلم
بإختصار
لا تخفي السلطة الفلسطينيّة أنّها تمرّ في أزمات ماليّة، بسبب تأخّر الدعم الدوليّ أو حجز أموال الضرائب من الحكومة الإسرائيليّة، لكنّ الجديد أنّ السعوديّة أوقفت إرسال نصيبها الشهريّ من مساعدات السلطة منذ أشهر، من دون إبداء الأسباب... السطور الآتية تنشغل بالإجابة عن هذا الإجراء السعوديّ غير المسبوق وأسبابه، وأين يكمن الجانب السياسيّ في هذه الخطوة الإقتصاديّة، وما أثر ذلك على الموازنة الفلسطينيّة المترنّحة أصلاً؟

دأبت الحكومة الفلسطينيّة على إعلان عجزها الماليّ وتشكيكها بقدرتها على الإيفاء بمتطلّباتها الإقتصاديّة تجاه الفلسطينيّين، آخرها في 24 تشرين الأوّل/أكتوبر، حين أكّد رئيس الوزراء الفلسطينيّ رامي الحمدلله أنّ السلطة الفلسطينيّة تواجه أزمة ماليّة خانقة، داعياً الدول والجهات المانحة إلى الوفاء بالتزاماتها تجاه الفلسطينيّين، بناء على اتفاق أوسلو الموقع عام 1993 بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

والجديد في أزمة الفلسطينيّين الماليّة، ما أعلنه مدير دائرة الميزانيّة في وزارة الماليّة الفلسطينيّة فريد غنّام بـ30 تشرين الأوّل/أكتوبر عن امتناع السعوديّة عن سداد التزاماتها الماليّة للسلطة منذ سبعة أشهر، في نيسان/إبريل من عام 2016، وتقدّر قيمتها بـ140 مليون دولار، حيث تبلغ قيمة مساهمات الرياض الشهريّة لميزانيّة السلطة 20 مليون دولار.

وحرصت السعوديّة منذ كانون الثاني/يناير من عام 2013 على زيادة حصّتها في ميزانيّة السلطة من 14 مليون دولار إلى 20 مليون دولار شهريّاً دعماً لها.

وأكّد عضو اللّجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير أحمد مجدلاني في 26 تشرين الأوّل/أكتوبر عدم وصول الدعم السعوديّ إلى السلطة، لكنّه عزا سبب ذلك إلى عوامل إقتصاديّة، لما تعانيه الخزينة السعوديّة من مشاكل ماليّة، ارتباطاً بحربها في اليمن التي استنزفتها وانخفاض أسعار النفط.

وحاول "المونيتور" التواصل مع فريد غنّام مرّات عدّة من دون جدوى، لكنّ وزيراً فلسطينيّاً سابقاً للاقتصاد مطّلعاً على الوضع الماليّ للسلطة الفلسطينيّة قال لـ"المونيتور"، رافضاً كشف هويّته: "إنّ السلطة أرادت إبقاء موضوع وقف الدعم السعوديّ بعيداً عن تداول الإعلام لعدم إثارة أزمة في علاقات الجانبين، وحاولت عبر مسؤوليها التواصل مع نظرائهم السعوديّين للاستفسار عن سبب تأخير صرف المساعدات، من دون تلقّي ردّ منهم".

يبدو صعباً الحديث عن توقّف الدعم السعوديّ للسلطة الفلسطينيّة من دون إلقاء نظرة على تراجع واضح في العلاقات بين الجانبين، سواء على خلفيّة عدم مصالحة رئيس السلطة الفلسطينيّة محمود عبّاس مع "حماس" أو عدم استجابته لمطالب دول الرباعيّة العربيّة، ومنها السعوديّة، بإعادة محمّد دحلان إلى صفوف "فتح"، حيث فصله محمود عبّاس منها في أيّار/مايو من عام 2011، وهي أزمة تضاف إلى أزمات تراجع علاقات السلطة الفلسطينيّة مع الأردن ومصر والإمارات العربيّة المتّحدة.

وأكّد رئيس لجنة الموازنة في المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ جمال نصّار لـ"المونيتور" أنّ "امتناع السعوديّة عن تسديد حصّتها من دعم السلطة الفلسطينيّة يعود في الأساس إلى أسباب سياسيّة، في ظلّ فتور العلاقات السياسيّة بين الجانبين، ووقف الدعم السعوديّ سيؤثّر بالضرورة على موازنة السلطة الفلسطينيّة، وسيتّضح ذلك لاحقاً في بعض المؤشّرات مثل تقليص النفقات الحكوميّة في الجوانب الحيويّة، مثل رواتب الموظفين والمصاريف التشغيلية، بالطريقة التي يحدّدها وزير الماليّة".

ويتزامن قرار السعوديّة بوقف تحويل مساعداتها للسلطة الفلسطينيّة بقرارات مماثلة من دول أخرى مانحة للفلسطينيّين، كان آخرها بريطانيا، التي قرّرت في 7 تشرين الأوّل/أكتوبر تجميد دعم ماليّ للسلطة الفلسطينيّة بقيمة 25 مليون جنيه إسترلينيّ، وهو ثلث المساعدات التي تقدّمها بريطانيا إلى السلطة سنويّاً، خوفاً من دفعها كمخصّصات لمنفّذي العمليّات الفلسطينيّة المسلّحة ضدّ إسرائيليّين وعائلاتهم، فيما قال تقرير للبنك الدوليّ في 15 أيلول/سبتمبر إنّ الإقتصاد الفلسطينيّ يواجه أزمة في الميزانيّة لأنّ المساعدات الأجنبيّة للسلطة الفلسطينيّة هبطت بنحو 50 في المئة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ممّا يفرض ضغوطاً شديدة على الميزانيّة ويضعها على شفا الانهيار.

كما أعلن وزير الخارجيّة الفلسطينيّ رياض المالكي في 9 أيلول/سبتمبر أنّ تراجعاً كبيراً طرأ على الدعم الخارجيّ المقدّم إلى السلطة الفلسطينيّة، بنسبة 70 في المئة مقارنة بالعام الماضي، أو الذي سبقه، وإنّ الوضع الماليّ للسلطة يستوجب البحث عن مداخيل جديدة، ومنها طلب الدعم من الدول العربيّة لتجاوز الظروف الفلسطينيّة الصعبة، مطالباً بتوفير شبكة أمان عربيّة بمئة مليون دولار شهريّاً للسلطة، لتواجه الضغوط والأزمات الماليّة.

ومن جهته، قال أستاذ الإقتصاد في جامعة بيرزيت نصر عبد الكريم لـ"المونيتور": "إنّ وقف الدعم السعوديّ قد لا يكون له تأثير سلبيّ كبير على الموازنة الفلسطينيّة، والدليل أنّ السلطة تدفع رواتب موظّفيها بصورة طبيعيّة، رغم توقّف المساعدات السعوديّة منذ أشهر عدّة، في ظلّ الاعتماد المتزايد من السلطة على الموارد الماليّة التي تحصّلها من الضرائب والجمارك والرسوم والمقاصّة، وهذه في مجموعها قرابة 250 مليون دولار شهريّاً، ممّا يعني أنّ الـ20 مليون دولار القادمة من السعوديّة أقلّ من 10 في المئة من الأموال المحليّة الفلسطينيّة. ولذلك، لن يؤثر كثيراً القرار السعوديّ. ومع ذلك، فإنّ القرار رغم عدم تأثيره الكثير، لكنّه قد يدفع بالسلطة إلى إجراء تقشّفات وتقليصات في نفقاتها حتّى تحافظ على استقرارها الماليّ".

يعلم الفلسطينيّون أنّ الدعم الماليّ الذي تقدّمه دول الخليج، ومنها السعوديّة، مشروط، ولو بشكل غير مباشر، بالتزام السلطة الفلسطينيّة بالخطّ السياسيّ العام للمملكة، وفي اللحظة التي خرج الفلسطينيّون عن هذا الخطّ، توقّف الدعم الخليجيّ والسعوديّ، فعندما أيّد الرئيس الفلسطينيّ الراحل ياسر عرفات غزو العراق للكويت عام 1990، قرّرت دول الخليج طرد الفلسطينيّين من هذه الدول التي يقيمون فيها، ووقف تمويلهم لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة، في مرحلة ما قبل إنشاء السلطة الفلسطينية عام 1993.

وفي هذا الإطار، قال مدير البحوث في المركز الفلسطينيّ لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجيّة – مسارات خليل شاهين لـ"المونيتور": "إنّ توقّف الدعم السعوديّ للسلطة الفلسطينيّة تعبير واضح عن فتور وتراجع في علاقاتهما، تجلّى بصورة واضحة في بعض تصريحات المسؤولين الفلسطينيّين أوائل أيلول/سبتمبر، والتي هاجمت مواقف بعض العواصم العربيّة، دون أن تذكرها، لتدخّلاتها في الموضوع الفلسطينيّ، واعتبارها هذه التدخّلات رغبة عربيّة بفرض الوصاية على الفلسطينيّين، وربّما كان لهذه التصريحات وقع سلبيّ في الرياض، فجاء قرار وقف الدعم الماليّ للسلطة".

وأخيراً، رغم خروج السلطة الفلسطينيّة عن صمتها وإعلانها عن توقف الدعم السعوديّ لها، لكن السعودية ما زالت تلتزم الصمت، لا تأكيداً ولا نفياً لوقف المساعدات عن السلطة الفلسطينية، ولذلك يبدو صعباً التنبؤ بالخطوة اللاّحقة للرياض تجاه رام الله، فهل يستمرّ توقّف الدعم أم تتراجع السعوديّة عن قرارها، وتستأنف إيصال مساعداتها للفلسطينيّين؟ وهو ما قد يكون مرهوناً بمدى استجابة السلطة الفلسطينيّة لمطالب السعوديّة في الملفّات الفلسطينيّة الداخليّة، سواء باتّجاه مصالحة عبّاس لـ"حماس" أو دحلان.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : saudi-palestinian relations, rami hamdallah, palestinian economy, palestinian authority, plo, mohammed dahlan, mahmoud abbas, financial assistance

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept