نبض لبنان

رؤية ميشال عون للحكم في لبنان

p
بقلم
بإختصار
تحاول هذه المقالة رسم معالم رؤية الرئيس ميشال عون للحكم وخططه الإصلاحية السياسية والاقتصادية، وخاصة محاربة الفساد وإقرار قانون انتخابي حديث، وذلك من خلال تحليل خطابي عون الأخيرين، خطاب القسم أمام مجلس النوّاب، وخطابه أمام الجماهير في القصر الجمهوري.

بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية اللبنانية في 31 أكتوبر 2016، وتسمية سعد الحريري رئيساً للوزراء يوم 3 نوفمبر الجاري، سيواجه الرئيسان تحديات كثيرة، أولها تشكيل حكومة وفاق وطني. فثمة مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية كثيرة عليهما معالجتها، أبرزها تردي الوضع الاقتصادي وتصاعد نسب البطالة وأزمات النفايات والكهرباء والمياه، والحفاظ على الاستقرار الأمني والتصدي للشبكات الإرهابية، والاهتمام بحاجات أكثر من مليون لاجئ سوري في لبنان.

كان عون مدركاً لصعوبة مهمته في خطاب القسم في 31 تشرين الأول -أكتوبر، حين وصف نفسه بأنّه "رئيس أتى في زمن عسير، ويؤمل منه الكثير في تخطّي الصعاب...، وفي تأمين استقرار..."، مشيراً إلى أنّ الاستقرار السياسيّ لا يمكن أن يتأمّن إلّا باحترام الميثاق الوطني والدستور والقوانين، حيث أكّد "ضرورة تنفيذ وثيقة الوفاق الوطنيّ بكاملها، من دون انتقائيّة أو استنسابيّة، وتطويرها وفقاً للحاجة من خلال توافق وطنيّ"، أيّ اتّفاق الطائف الذي عارضه عون في عام 1989 ودفع ثمن معارضته له، بإخراجه من القصر الرئاسي ونفيه إلى فرنسا نتيجة التدخل العسكري السوري في 13 تشرين الأول – أكتوبر 1990.

ويشير كلام عون عن تنفيذ وثيقة الوفاق الوطنيّ بكاملها إلى تبنّيه سياسة واقعيّة وتوافقيّة إذ يرفض تيّار المستقبل بزعامة الحريري أي مسّ باتفاق الطائف. لكن عون ترك الباب مفتوحاً للمطالبة بتعديل هذا الاتفاق في المستقبل من خلال توافق وطني.

أوضح عون في خطابه أنه سيتبنّى نهجاً تغييريّاً لمعالجة الأزمات الداخلية، يبدأ بإصلاح اقتصاديّ يقوم على التخطيط والتنسيق بين الوزارات ووضع خطّة اقتصاديّة شاملة، معتبراً أنّ "هذا الإصلاح الاجتماعيّ–الاقتصاديّ، لا يمكن له أن ينجح إلّا بإرساء نظام الشفافية عبر إقرار منظومة القوانين التي تساعد على الوقاية من الفساد وتعيين هيئة لمكافحته، وتفعيل أجهزة الرقابة وتمكينها من القيام بكامل أدوارها".

كما أكّد عون، في خطاب لاحق في القصر الجمهوري يوم الأحد في 6 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري أمام الجماهير التي جاءت للاحتفال بفوزه بالرئاسة، أنّ هدفه بناء دولة قويّة تبنى على دستور يحترمه السياسيّون جميعهم، واعداً بأنه لن يسمح لأحد منهم بخرق الدستور. وشدّد على أنّ الفساد سيستأصل، وأنّ الشعب يحتاج إلى مشاريع بدائيّة من ماء وكهرباء وطرقات، وهو ما سيسعى إلى إنجازه في أسرع وقت.

الوزير السابق سليم جريصاتي، وهو مساعد لعون، اعتبر في حديث صحافيّ أنّ خطاب عون "يصلح لأن يكون برنامج عمل للعهد الجديد ليأخذ البلد في اتّجاه مشاريع عملانيّة".

المحلل السياسي أمين قمّوريّة قال للمونيتور إن عون "يتطلّع إلى تمييز عهده بتبنّي إصلاحات اجتماعيّة وسياسيّة وإنمائيّة، وسيرفع مكافحة الفساد شعاراً، لكنّ الصلاحيّات الحاليّة لرئيس الجمهورية لا تسمح له بتكرار تجربة الرئيس الأسبق فؤاد شهاب الذي تولى الرئاسة بين عامي 1958 و1962 وتميّز عهده بمحاربة الفساد ومأسسة الدولة. وأضاف "أن المرحلة الحالية لا تتميّز ببحبوحة ماليّة تسمح بمشاريع إنمائيّة وإصلاح المؤسّسات شبه المفكّكة. كما أنّه صار للفساد شبكات وصاية متجذّرة، وباتت من الصعب مكافحته، حتّى ولو توافق مع رئيس الحكومة".

الباحث ميشال أبو نجم، قال للمونيتور إن عون "سيضع بناء الدولة على السكة وستكون مواجهة الفساد في سلم أولوياته". وأوضح أنه "رغم أن اتفاق الطائف قد حدّ من صلاحيات الرئيس، لكنه منحه موقع الضامن للوحدة الوطنية وحارس الدستور وهذا أكثر من كافٍ لكي ينطلق الرئيس في عمله بالتعاون مع المؤسسات الدستورية الأخرى".

أما المحلل السياسي توفيق شومان فقال للمونيتور إن عون "بنى حاضنته الشعبية على صهوة شعارات الإصلاح ومكافحة الفساد، وبالتالي، نقد المشروع الإقتصادي لـ"الحريرية السياسية" الذي تم اتباعه منذ أوائل التسعينيات .غير أن التساؤل يكمن في قدرة عون على تنفيذ شعاراته ووعوده، في ظل تحول الفساد في لبنان إلى ثقافة عامة لها "محميات طائفية" وسياسية وحزبية، خاضعة لآليات نظام المحاصصة، الذي أنتج بدوره جماعات مصالح داخل الدولة وخارجها". كما أن صلاحيات رئيس الجمهورية تطرح تساؤلات حول قدرته على تطبيق برنامجه ورؤيته، خصوصاً أن الدستور ينص على أن رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول "عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء".

تشديد عون على "المناصفة الفعليّة" بين المسلمين والمسيحيّين، واعتبراه أن وأولى موجباتها إقرار قانون انتخابيّ يؤمّن عدالة التمثيل، قبل موعد الانتخابات القادمة"، يظهر أنّه يؤيّد قانون النسبيّة ويرفض القانون الانتخابيّ الحاليّ (الأكثريّ)، الذي يتيح للزعماء المسلمين اختيار بعض النوّاب المسيحيّين في المحافظات ذات الأغلبيّة المسلمة.

لا شك أن قانون الانتخاب سيكون مادّة خلافيّة بين الأطراف السياسية، إلّا في حال تمّ التوافق على تسوية تجمع بين النظامين الأكثريّ والنسبيّ.

ويرى أبو نجم "أن قانون الانتخاب سيخضع للتشاور بين الرئيس عون والمكونات السياسية الأخرى، لكنه سيعمل على تغيير قانون الستين الأكثري نحو قانون يحظى بقاعدة شعبية".

أما الاستقرار الأمنيّ فيكون - بحسب رؤية عون - بالوحدة الوطنيّة، ومنع انتقال النيران المشتعلة في المنطقة إلى لبنان، بابتعاده عن الصراعات الخارجيّة، والالتزام بميثاق جامعة الدول العربيّة، وخاصة المادة الثامنة منه، مع اعتماد سياسة خارجية مستقلة تقوم على مصلحة لبنان العليا واحترام القانون الدولي.

وتنص هذه المادة الثامنة على أن "تحترم كل دولة من الدول المشتركة في الجامعة نظام الحكم القائم في دول الجامعة الأخرى، وتعتبره حقاً من حقوق تلك الدول، وتتعهد بأن لا تقوم بعمل يرمي الى تغيير ذلك النظام فيها".

واضح أنّ هذه الفقرة تحاول أن توازن في الموقف من الأزمة السوريّة بين موقف "8 آذار" الداعم للحكومة السوريّة وموقف "14 آذار" الداعم للمعارضة المسلحة، من خلال عدم التدخل في شؤون دولة عربية واحترام نظامها القائم.

أمّا في مسألة الصراع مع إسرائيل، فقال عون في خطاب القسم: "فإنّنا لن نألو جهداً ولن نوفّر مقاومة، في سبيل تحرير ما تبقّى من أراضٍ لبنانيّة محتلّة، وحماية وطننا من عدوّ لا يزال يطمع بأرضنا ومياهنا وثرواتنا الطبيعيّة".

مصدر قريب من حزب الله، طلب عدم الكشف عن اسمه، قال لـ"المونيتور" إنّ كلام عون عن ضرورة المقاومة لتحرير بقية الأراضي اللبنانيّة التي تحتلّها إسرائيل، فيه تأكيد على شرعيّة المقاومة وسلاح حزب الله، موضحاً أنّ عون ذكر أيضاً مسألة حماية لبنان من أطماع إسرائيل، وفي ذلك إشارة إلى دور سلاح المقاومة الردعيّ لأيّ تدخّل إسرائيليّ.

أمّا قول عون إنّنا "سننتعامل مع الإرهاب استباقيّاً وردعيّاً وتصدّياً، حتّى القضاء عليه"، فهو، بحسب المصدر نفسه، "فيه تفهّم واضح لتدخّل حزب الله في سوريا لمحاربة الإرهاب بصورة ردعيّة واستباقيّة".

يقول قمّوريّة إنّ "خطاب القسم تميّز بالاعتدال والتوازن لا بل بتدوير زوايا الخلافات السياسيّة المحليّة"، مشيراً إلى أنّ سياسة النأي بالنفس غير ممكنة وأنّ عون سيحاول تجنّب مسألة سلاح حزب الله ودوره في سوريا.

صحيح أنّ صلاحيّات الرئيس محدودة والصلاحيّات الفعليّة هي في مجلس الوزراء مجتمعاً، لكنّ رئيساً قويّاً كعون يتمتّع بكتلة نيابيّة وازنة وبعدد كبير من الوزراء والحلفاء النافذين، قادر على إحداث تغيير ما وإصلاح ما في هذا النظام المهترئ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : saad hariri, michel aoun, lebanese sectarianism, lebanese presidental elections, lebanese politics, lebanese parliament, lebanese economy

هيثم مزاحم هو باحث ومحلّل سياسي لبناني متخصص في شؤون الشرق الأوسط والإسلاميات. وهو مساهم منتظم في صحيفة الحياة، وصحيفة البلد، وموقع اتلانتيك بوست الأميركي، فضلاً عن المجلات السياسية والأكاديمية العربية. وقد نشر مزاحم كتابين هما: حزب العمل الإسرائيلي( 1968-1999" (العربية) عام 2001، والصراع على الشرق الأوسط (2013)، وله كتابان تحت الطبع بعنوان "تطور المرجعية الشيعية: من الغيبة إلى ولاية الفقيه"، و"كيف تحدث الثورات؟". وقد ساهم في ستة كتب أخرى، اثنين عن التيارات السياسية والفكرية في إيران (2011)، وكتاب بعنوان: "ثورات قلقة" (2012)، وكتاب عن "إيران والإخوان المسلمين" (2013)، وكتاب السلفية المتحوّرة(2013)، وكتاب "الجهاديون في مصر"(2014).

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept