النظام السوريّ في محاولاته لتجميل صورة مناطق سيطرته

لم يعد يخفى على أي متابع للأخبار الوضع المخيف الذي وصلت إليه الحياة في سورية في السنوات الأخيرة جراء الحملات العسكرية التي يشنها النظام السوري وحلفائه الروس على أحياء المدن المعارضة، لكن إعلام النظام السوري يحاول خلق صورة مختلفة على شاشاته وتصديرها للعالم، تظهر فيها سورية آمنة ومزدهرة وجميلة ولا ينقصها إلا السائحون الأجانب، وذلك عبر سلسلة من الأنشطة والمقاطع الترويجية المصورة التي ينشرها على صفحة وزارة السياحة وبالتعاون مع بعض الجهات الخاصة التي تدعمه.

al-monitor .

المواضيع

syrian war, syrian regime, syrian opposition, social media, damascus, bashar al-assad, aleppo

أكت 21, 2016

دمشق - يسعى النظام السوريّ أخيراً إلى تصدير صورة برّاقة عن واقع الحياة في "سوريا النظام"، ويخال لمتابعي المقاطع المصوّرة التي تبثّها وكالة "سانا" وصفحة وزارة السياحة على موقع "فيسبوك" أنّ سوريا تعيش عصرها الذهبيّ، حيث الرخاء والهدوء والأنشطة الترفيهيّة، وهو ما يبدو واضحاً في آخر مقطع ترويجي مصور نشرته وزارة السياحة السورية على صفحتها فيس بوك يوم أمس 20 تشرين الأول، حيث تبدو مدينة دمشق من السماء مضاءة وهادئة وفي أبهى حلتها، وكأن لا حرب طرقت أبوابها على الإطلاق.

وفي سياق الترويج لهذه الصورة المشوهة عن واقع الحياة في دمشق كانت وزارة السياحة قد أطلقت أيضاً في 7 تشرين الأوّل/أكتوبر الجاري ماراتون ترفيهي تحت اسم "أحب دمشق"“I love Damascus”، وبإشراف فريق شباب دمشق التطوعيّ ، والذي سمي لاحقاً كنوع من التهكم "ماراتون تراشق الألوان". وجاء هذا النشاط بالتزامن مع "اليوم العالميّ للإبتسامة" وذكرى "حرب تشرين".

وتجمّع ما يقارب الألفي مشارك في حديقة "الجلاء" على أوتوستراد المزّة - وسط دمشق يرتدون ثياباً صنعت خصوصاً لهذا الحدث، كتبت عليها عبارة "أحبّ دمشق" باللّغة الإنكليزيّة، وانطلقوا على أصوات الأغاني التي تمجّد الجيش والرئيس بشّار الأسد، المنبعثة من مكبرّات الصوت الموضوعة على سيّارات "الهامر"، التي رافقت الماراتون، لتكون المحطّة النهائيّة لهم في ساحة الأمويّين، حيث تراشقوا بالألوان الجاّفة، في حضور وزير السياحة السوريّ بشر يازجي، بعد أن تمّ تدشين هيكل كبير في وسط الساحة يحمل عبارة I love Damascus.

واعتبر الحدث أنّه الأكثر استفزازاً بحسب ما تداوله نشطاء موالون ومعارضون للنظام على مواقع التّواصل الإجتماعيّ، حيث كتب أحدهم على صفحته: "احترموا دماء الشهداء ودموع أمّهاتهم، احترموا دماء المدنيّين الأبرياء، واحترموا جوع فقراء هذا الوطن"، في حين وصفه آخرون بالمهزلة بحسب موقع "آرا نيوز".

ويظهر الفيديو الترويجيّ للماراتون، الذي نشرته صفحة وزارة السياحة على "فيسبوك"، استخدام كاميرا مثبّتة على طائرة من دون طيّار لنقل صور جميلة للماراتون من السماء تمثّل وجه دمشق الحقيقيّ، في حين أنّها صور مقتطعة من واقع أسود غير ملوّن ومليء بالموت والدمار، وتمثّل هذه الصور فقط ما يمكن تسميته بـ"سوريا المفيدة"، التي تتضمّن بعض المناطق التي يسيطر عليها النظام، حسب نشطاء.

وبثّت صفحات موالية للنظام مثل صفحة "دمشق الآن" صوراً للماراتون أثارت سخط روّاد وسائل التّواصل الإجتماعيّ، الذين تساءلوا: من هم هؤلاء المترفون الذين خرجوا في الماراتون كأنّهم لا يعيشون في دولة مزّقتها الحرب؟.

وكتبت المعارضة السوريّة منى غانم نائب رئيس تيّار بناء الدولة السوريّة في صفحتها الشخصية على "فيسبوك": "ولاد الأغنياء بيتلوّنوا بألوان بتنزل من السما وولاد الفقراء بيتلوّنوا بالدم".

وقام نشطاء، ردّاً على ذلك، بنشر صور من ريف دمشق ومدينة حلب تظهر حجم التناقض بين صور الإعلام السوريّ والواقع. كما تناقلوا بكثافة صورة لأمّ وابنها يفترشان أحد الأرصفة في شوارع دمشق، ونشرتها وسائل إعلام عدّة. وللمفارقة، فإنّ مكان التقاط الصورة للأمّ وابنها هو نفسه أوتوستراد المزّة، الذي انطلق منه الماراتون، وكتب أحدهم على صفحته على "فيسبوك" في تعليق على صورة الأمّ وابنها، ساخراً من الماراتون: "هدول كانوا قراب كتير من "ماراتون الألوان" بس للأسف مالن نصيب إلاّ من اللون "الأسود" ع أوتستراد المزّة بس ما شافن المحافظ المصون ولا وزير السياحة وهالحباشات.. الكن الله يا روحي".

ولم يكن فيديو الماراتون الأوّل من نوعه لاستفزاز السوريّين، حيث سبق لوزارة السياحة أن نشرت فيديو ترويجيّاً لمدينة حلب، التي تعاني من قصف مستمرّ من قبل الطيران الروسيّ منذ 19 أيلول/سبتمبر، ثمّ حذفته من صفحتها بعد السخرية التي قوبل بها الفيديو من قبل قنوات إعلاميّة كموقع "العربيّة الحدث" و"الجزيرة". وكان الفيديو واحد من سلسلة مقاطع ترويجيّة نشرتها صفحة وزارة السياحة ووكالة "سانا" تحت شعار الحملة الإعلانيّة "إرادة الحياة"، دعماً للسياحة في سوريا.

ويظهر الفيديو القسم الغربيّ من مدينة حلب التي يسيطر عليها النظام، مهملاً القسم الشرقيّ من المدينة الذي وصفه موقع "نيويورك تايمز" بأنّه يشبه في دماره مدينة برلين الألمانيّة أثناء الحرب العالميّة الثانية.

ويعتمد الإعلام السوريّ في تلميع صورة النظام على عنصر الشباب المثقّف والعصريّ لخلق انطباع لدى الرأي العام الغربي بأنّ المناطق التي يسيطر عليها هي مناطق الحريّات والرفاهية والمساواة، مقابل التشدّد والإرهاب والتطرّف في مناطق سيطرة المعارضة. وبالتالي، فإنّ قصف هذه المناطق وتسويتها بالأرض فعل مبرّر للمحافظة على أمن واستقرار من يعيش في كنف النظام.

عقليّة النظام هذه بدت واضحة في فيديو ترويجيّ نشرته صفحة "عدستنا" في 14 تشرين الأوّل/أكتوبر الجاري تظهر فيه مجموعة من الفتيات "الحسناوات" يلعبن كرة السلّة، ويتمايلن أمام الكاميرا في حركات استعراضيّة كأنّها مقتطعة من فيلم هوليووديّ. وتظهر في الفيديو صالات الرياضة فخمة ونظيفة. كما تبدو الفتيات كأنهنّ عارضات أزياء أو وجه إعلانيّ للترويج لإحدى البطولات العالميّة في الصورة التي نشرتها "سانا".

المبالغة في إيصال صورة مختلفة عن سوريا أثار استغراب الصحافيّة الروسيّة، التي استضافها بشّار الأسد في قصره لإجراء مقابلة مصوّرة معه نشرتها وكالة "سانا" في 14 تشرين الأوّل/أكتوبر الجاري، حيث سألت الصحافيّة الأسد في شكل مباشر: "الصور التي يقدّمها الإعلام السوريّ تجعل المشاهد يتخيّل كأنّ لا حرب تجري في سوريا، وكأنكم تعيشون زمن السلم، الكثير من البرامج التلفزيونية عن الأطفال والمدارس والرياضة، والقليل جداً عن الحرب وهذا مبالغ فيه جداً، أشاهد وأفكر يا إلهي أنا في بلد أسمع فيه عن كيفية انفجار الألغام في المدن، ولكني لا أرى ذلك في التلفزيون السوري".

أضافت: "من الجيّد أن ترفعوا الروح المعنويّة للمواطنين، ولكن ليس على حساب أنّ هناك حرباً حقيقيّة، يجب أن تشرح لهم أن هناك حرباً حقيقية، لا تعجبني صورة السلام في التلفزيون، فهي غير موجودة هنا ؟". ليأتي جواب الرئيس بأن وسائل الإعلام ليست منفصلة عما يحدث ، ولكن علينا أن نحدث توازن مع ما يقربنا من الحياة الطبيعية.

وفي سياق متّصل، انتشر على موقع "فيسبوك" في 13 تشرين الأوّل/أكتوبر الجاري فيديو حفل زفاف لأبناء شخصيّات معروفة في النظام السوريّ، حيث وصف موقع "المدن" اللبنانيّ الزفاف بالأسطورة.

وكان المعارض السوريّ بسّام يوسف قد نشر في صفحته على "فيسبوك" معلومات تفيد بأنّ الحفل يعود إلى كلّ من ابنة مدير مكتب الأسد ورئيس قوّا الدفاع الوطنيّ بّسام أحمد حسن وابن رجل الأعمال الشهير بموالاته للنظام نعيم الجراح.

وأشار بسّام يوسف إلى أنّ الزفاف كان برعاية مفتي سوريا الشيخ أحمد حسّون، وأنّ الأسد قدّم هديّة إلى العروسين سيّارة تبلغ قيمتها 150 ألف دولار، وقال يوسف في منشوره: "كلّ نقطة دم من دماء أولادكم هي أموال تكدّس في حسابات هؤلاء القتلة... هل ما زلتم تصدّقون أنّ أولادكم يقتلون دفاعاً عن وطن؟؟؟ أيّة كذبة هذه!".

أضاف يوسف في منشور آخر في صفحته: إنّ كلفة العرس بلغت مليون دولار.

وتابع موجّهاً كلامه إلى الموالين للنظام: "أيّها السوريّون الموالون.. هؤلاء هم قتلتكم.. هؤلاء هم من دمّروا سوريا ونهبوها واستقدموا كلّ حثالات العالم والاحتلالات إليها بما فيها داعش... هؤلاء من يكذبون عليكم أنّهم يدافعون عن وطن".

ورغم الحملة الدعائية المكثفة التي يقوم بها النظام السوري عبر وسائله الإعلامية ليبعث للعالم الغربي صورة جميلة تظهر فيها سوريا آمنة وتنعم بالسلام، إلا أن هذه الصورة المجمّلة والمشوهة لن تستطيع تكذيب مئات الصور ومقاطع الفيديو التي تنشرها وسائل إعلام عربية وعالمية بشكل يومي ويظهر فيها الدمار الحقيقي الذي يخلفه قصف آلته العسكرية، كما يبدو أنها لم تبث الطمأنينة في نفوس مواليه الذين لم يترددوا في إظهار سخطهم تجاه هذه الصورة الغير حقيقية التي يحاول النظام رسمها لواقع الحياة في سورية.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو