خزف الخليل وزجاجها... رسالة تعريفيّة من فلسطين إلى كلّ العالم

في ما تبقّى من مصانع وورش الخزف والزجاج، يحاول أهالي مدينة الخليل في جنوب الضفّة الغربيّة الحفاظ على ما تبقّى من هذه الحرفة اليدويّة التي يمتدّ عمرها إلى 500 عام، وشكّلت عنواناً وإرثاً تاريخيّاً للمدينة وعائلاتها ومصدر رزق لعشرات العائلات فيها.

al-monitor .

المواضيع

west bank, ottoman empire, industry, hebron, exports

أكت 16, 2016

الخليل، الضفّة الغربيّة - "هذه البضاعة نصدّرها إلى كلّ العالم، كلّ قطعة يكتب عليها صنع في الخليل، وكلّ قطعة تحكي قصّة عمرها مئات السنين"، بهذه الكلمات تحدّث الحاج عبد الجواد عبد الحميد النتشة، 86 عاماً، عن بضاعته التي تبدعها أيدي الحرفيّين في مصنعه الذي يتجاوز عمره الـ150 عاماً في مدينة الخليل.

إنّ مصنع "النتشة" لصناعة الزجاج والخزف واحد من المصانع القليلة، التي بقيت تعمل على صناعة الخزف والزجاج في مدينة الخليل بجنوب الضفّة الغربيّة، رغم شهرة المدينة بهذه الحرفة، التي كانت إحدى الحرف التي صنّفت على أساسها المدينة بالمدينة الحرفيّة العالميّة لعام 2016.

وقال النتشة، الذي بدأ العمل في المصنع مع والده منذ بلغ الـ12 عاماً، لـ"المونيتور": "هذه الصناعة هي عنوان المدينة، ونحن نحرص على الحفاظ عليها كإرث للعائلة، التي عملت فيها من جيل إلى آخر عبر مئات السنين".

ويشكّل مصنع "النتشة" أحد المصانع، التي حالفها الحظّ وواجهت كلّ المصاعب التي خلّفها احتلال المدينة في عام 1967، وبقيت تعمل بالطريقة نفسها، منذ أن كانت هذه الورش في منازل العائلة، كما أشار النتشة، الذي قال أيضاً: "في البداية كنّا نعمل داخل المنزل. وبعدها، فتح جدّي مصنعاً بالقرب من الحرم الإبراهيميّ. وفي عام 1967، انتقلنا إلى مقرّ المصنع الحاليّ".

ويعود أصل حرفة الخزف إلى دخول العثمانيّين المدينة، كما روى أهالي المدينة، خلال جولة المونيتور في المدينة حيث انتشرت في حارات البلدة القديمة منها مصانع الخزف في بيوت العائلات هناك، وأصبحت مصدر رزقهم الأوّل، فيما يزعم أهالي المدينة أنّ صناعة الزجاج بدأت في الخليل، حينما قام مجموعة من الرحّالة في منطقة جنوب الخليل بإشعال نار قويّة جدّاً على الرمل هناك. وفي الصباح، وجدت على الرمل أشكال زجاجيّة. ومن هنا، عرفت صناعة الزجاج في الخليل، ومنها انتقلت إلى بقيّة العالم.

ويصدّر مصنع "النتشة" بضاعته في معظمها إلى الخارج، وتحديداً إلى أوروبا، فيما لا تحظى السوق المحليّة سوى بـ20 في المئة من إنتاج مصنعه، كما أكد الحاج النتشة، وذلك نظراً لارتفاع تكلفة هذه الصناعة التي تعتمد على العمل اليدويّ لحرفيّين ورثوا هذه الصناعة عن آبائهم.

ويتمّ استيراد المواد الخامّ لصناعة الخزف "الطين" من أوروبا ويصار إلى تشكيلها في المصانع، فيما يصنّع الزجاج من الرمل والصودا، وبعض الأحيان من صهر الزجاج المكسور والقديم.

وفي هذا السياق، قال حسام الفاخوري (42 عاماً)، وهو يعمل في أحد هذه المصانع منذ 20 عاماً، لـ"المونيتور": "نقوم بتشكيل طين الخزف بالشكل الذي نريده، ونضعه في فرن على درجة حرارة تصل ل1200 مئوي، ثمّ نرسم عليه وندخل الألوان إليه وندهنه بماء الزجاج، ونعيده إلى الفرن مرّة أخرى ليصبح جاهزاً للتسويق".

وأكّد أنّ ما يميّز هذه الصناعة هو أنّها تصنّع في شكل كامل بطريقة يدويّة.

وكان الفاخوري يعمل في مصنع خزف لعائلته يقع في البلدة القديمة من الخليل، بالقرب من الحرم الإبراهيميّ، ولكن بعد إحتلال المدينة في عام 1967 وتركّز الاستيطان فيها وإغلاقها، قامت العائلة بإغلاق المصنع، فانتقل للعمل في مصنع الخزف، وقال: "عملت مع والدي منذ كنت في الثانية عشرة من عمري في مصنعنا الخاص. وبعد إغلاقه بسبب الظروف الأمنيّة والإقتصاديّة السيّئة، انتقلت للعمل هنا في مصنع الخليل للخزف".

ورغم قدم هذه الصناعة، إلاّ أنّ القائمين عليها يراعون الحداثة في صناعة الأشكال منها، كما أشار الفاخوري، الذي قال أيضاً: هناك اهتمام بمراعاة ذوق الزبون في كلّ العالم.

الشاب منصور النتشة، أحد أبناء العائلة التي تملك المصنع يعمل في مصنع عائلته منذ خمس سنوات، ورغم حداثة عمره، إذ يبلغ 25 عاماً، إلاّ أنّه يحرص على تعلّم مهنة تشكيل الزجاج بالكامل، كما أشار لـ"المونيتور"، وقال: "والدي وأعمامي ورثوا هذه الحرفة عن جدّي، وأنا تعلّمت منهم".

وتحدّث لـ"المونيتور" عن ضرورة أن يكون الحرفيّ العامل في هذه المهنة يحبّها، ولديه الصبر لتعلّمها وإتقانها بالكامل، فهو وبعد خمس سنوات من التعلّم والعمل فيها لا يزال لا يتقن صناعة كلّ أشكال الزجاج، إذ يحتاج الأمر إلى سنوات طويلة من العمل والتعلّم لإتقانها.

ويسعى ما تبقّى من القائمين على هذه الصناعة إلى الحفاظ عليها من الاندثار، إذ إنّها من وجهة نظرهم لا تشكّل فقط مصدر رزق لهم، وإنّما تاريخاً ورواية عن هذه العائلات وارتباطها في المكان من جهة، وتشكّل من جهة أخرى رواية تاريخيّة لأكثر المدن استهدافاً بالإستيطان بعد القدس المحتلّة، كما لفت رئيس تجمّع الحرف التراثية السياحيّة في الخليل بدر التميمي، الذي أشار لـ"المونيتور" أيضاً إلى أنّ هذه الحرفة "صناعة الخزف والزجاج" من أهمّ الحرف التي شكّلت عنواناً للمدينة، فهي إرث يمتدّ إلى مئات السنين، ويشكّل نسبة كبيرة من الدخل الماديّ للعائلات وإقتصاد المدينة"، وقال: "نحن نقدّم رواية تاريخيّة من خلال هذه الصناعة، فالنقوش التي تنقش على هذه الأواني والأشكال كلّها لها علاقة بإرث الفلسطينيّين في المدينة، وهو ما يوثّق الرواية الفلسطينيّة مقابل الرواية الإسرائيليّة التي يحاول المستوطنون تسويقها لسرقة المكان".

وبحسب إحصائيّة لتجمّع الحرف التراثيّة، فإنّ عدد مصانع وورش الزجاج المتبقّية في المدينة يبلغ 28 مصنعاً وورشة، ويعمل فيها قرابة الـ96 حرفيّاً، فيما لم يتبق من مصانع الخزف سوى ثلاثة يعمل فيها 17 حرفيّاً فقط.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020