هل يمكن أن يُحدث مهرجان التصميم ثورة في المشهد المديني في عمان؟

يأمل الفنّانون الأردنيون بأن يُساهم "أسبوع التصميم"، الذي أقيم في أماكن مهمَلة منذ وقت طويل في عمان، في إنعاش المساحات الفارغة التي تحتاج إليها المدينة.

al-monitor .

المواضيع

syrian refugees, space, jordanian society, creative freedoms, artists, art, amman

سبت 23, 2016

عندما زارت رنا بيروتي لأول مرة مجمع رغدان السياحي في وسط عمان، أثارت قصته اهتمامها. بدا هذا المجمع الذي هو عبارة عن مركز تسوق ضخم ومحطة نقل، والذي أنشئ في العام 2006 مع ممرات فسيحة وباحات على مرمى حجر من المدرج الروماني القديم في المدينة – بدا إذاً وكأنه من نوع المساحات التي تحتاج إليها عمان. غير أن المجمع ظلّ فارغاً لسنوات، ويعزو السكّان المحليون السبب في هذه المشكلة إلى التخطيط السيئ.

قالت بيروتي لموقع "المونيتور": "إنه مكان رائع، ويجب استخدامه. لا يبارح تفكيري أبداً".

في الأسبوعَين الأولين من شهر أيلول/سبتمبر الجاري، تحقّقت آمال القيّمة الشابة بشأن هذا المكان المهمَل. فقد تحوّلت منطقة رغدان إلى مركز للحرَف اليدوية مع أكشاك محلية، ومطاعم، وتراكيب فنّية. في الفترة الممتدّة من الأول من أيلول/سبتمبر حتى التاسع منه، امتلأ المكان الذي كان فارغاً في السابق، بالزوّار وتزيَّن بالألوان والأصوات.

كان مجمع رغدان السياحي، الذي تولّت الفنانة الأردنية دينا حدادين الإشراف عليه، واحداً من ثلاث محطات أساسية في "أسبوع التصميم" في عمان، والذي شارك فيه أكثر من مئة فنان في ثلاث محطات أساسية وعشرات الأماكن الأخرى الأصغر حجماً. شكّل الحدث منبراً للإبداع في المملكة. لكنه أعاد أيضاً إحياء أماكن كانت قد أصبحت في غياهب النسيان، ما ساهم في إنعاش المساحة العامة وتحويل وسط عمان إلى ملتقى ثقافي.

المواقع الأساسية في "أسبوع التصميم" التي تصوّرها المنظّمون وكأنها "نقاط لقاء" في شبكة منتشرة على مستوى المدينة، كانت كلها حيّزات أساسية تعرّضت تاريخياً لقلّة الاستعمال أو الإهمال. على بعد نحو كيلومترَين (حوالي ميل واحد) من مجمع رغدان، يقع متحف الأردن، وهو مشروع طموح يضم معارض تسلّط الضوء على تاريخ البلاد – إلا أن حفنة قليلة من الأردنيين قامت بزيارته. وعلى مقربة منه مستودع شُيِّد في ثلاثينيات القرن العشرين لاحتواء المولّدات الكهربائية في عمان، وقد تحوّل مؤخراً إلى صالة عرض أشبه بالكهوف. حقّق "الهنغار"، كما يُسمّى، نجاحاً في هذا المجال، من خلال استضافة المؤتمرات والحفلات الموسيقية. وقد امتلأ خلال "أسبوع التصميم" بأعمال مصمّمين وفنانين من المنطقة.

قالت نيكول شاهين، 34 عاماً، وهي من سكّان المنطقة، لموقع "المونيتور" خلال اكتشافها للمعروضات: "أضفوا طابعاً مميّزاً على المواقع، وهذا أمرٌ جميل حقاً"، مضيفة: "لولا تنظيم فعاليات من هذا النوع، لا يأتي الناس إلى هذه الأماكن. إلا أن مثل هذه النشاطات تُظهر أنه يمكن استخدامها لأغراض مختلفة".

لدى المصممين والمخططين في الأردن سببٌ خاص للتنبّه إلى كيفية تفاعل الأحداث مع المشهد المديني. فعدد السكان في العاصمة عمان تضاعف في غضون عقد، بحسب الأرقام الحكومية لعام 2016، وبينهم عدد كبير من اللاجئين – نحو 174000 لاجئ سوري بحسب تقديرات الأمم المتحدة. ثمة انقسامٌ يكثر الحديث عنه بين غرب المدينة الأكثر ثراء وشرقها الأشد فقراً – واللذين يفصل بينهما وسط المدينة في وادٍ تحيط به منحدرات حادّة مع منازل مكتظّة تُسبّب الدوار. يقع معظم هذه الأحياء في الجزء الفقير من المدينة، بعيداً من المشاريع الفخمة والأحياء الديبلوماسية في غرب عمان.

على الرغم من أن وسط المدينة مكتظ بالسكان، لم تتحوّل مناطق أخرى – مثل رغدان – إلى مراكز مدينية كما كان البعض يأمل. تزخر المنطقة الواقعة بين "الهنغار" ومتحف الأردن بالإمكانات التي لم تتم الإفادة منها بعد: تحيط ممرات مرصوفة ممتعة للنظر، ومرزوعة بحدائق من الأزهار، بمركز ثقافي ومسجد. لكن خلال "أسبوع التصميم"، قال عدد كبير من الزوّار والمنظّمين لموقع "المونيتور" إنهم فوجئوا عندما علموا أن المنطقة، المعروفة برأس العين، قد خضعت للتطوير.

أراد فريق العمل الذي نظّم "أسبوع التصميم" معالجة الثغرة المعرفية. قالت بيروتي: "نعيد إحياء هذه الحيّزات التي أُهمِلت من قبل. أردنا أن نحتفي بالمدينة، وأن يشعر الأشخاص بتجديد الرابط مع مدينتهم".

اعتبر الفريق أن السبيل للقيام بذلك هو عن طريق تنظيم البرامج والفعاليات. طوال الأسبوع، استضاف مجمع رغدان ومنطقة رأس العين – فضلاً عن أماكن أخرى منها صالات عرض فنية ومتاجر ومقاهٍ في المدينة – ورش عمل ومحادثات وأنشطة. إلى جانب المعارض التي تضمّنت أعمالاً محلية ودولية، اكتشف أبناء عمان، من خلال التراكيب التفاعلية، الطباعة الثلاثية الأبعاد والحرَف اليدوية المحلية، وقُدِّمت عروض موسيقية في الأمسيات. وفي الممشى بين الحيّزات المختلفة، عرضت أكشاك المطاعم أطباقها وتحوّلت مكاناً للاسترخاء والاستمتاع بالوقت. فجأةً، أصبح لدى الأشخاص سبب لزيارة الأماكن والمكوث فيها لبعض الوقت.

قال أحمد حميد، وهو رئيس شركة تصميم محلية أدار محادثة في متحف الأردن، لموقع "المونيتور": "من أنجح الجوانب في أسبوع التصميم في عمان استقطاب الناس إلى هذه الأماكن، وجعلها متاحةً أمامهم من دون مقابل مادّي"، مضيفاً: "تُوجّه هذه الفعاليات رسالة: يجب أن تكون عمان مدينة للمشاة. لقد ابتكروا شيئاً جديداً ومميّزاً فعلاً في المدينة".

يولي حميد اهتماماً خاصاً للعلاقة بين التصميم والمشهد المديني. إنه أحد مصمّمي "الخريطة الشعبية لمواصلات عمان" التي تعرض الخطوط المتشابكة جداً التي تسلكها الحافلات وسيارات الأجرة. في مدينة تتمحور حول السيارات، تشكّل هذه الخريطة أداة أساسية لمستخدمي المواصلات العامة. لكن حميد يعتبر أن الخريطة هي أيضاً وسيلة من وسائل التحرك المباشر. وقد أظهرت للبلدية المحلية أنه من الممكن معالجة بعض المشكلات التي يعاني منها المشهد المديني في عمان منذ الأزل، وأرغمتها على التحرك بنفسها.

قد يمارس أسبوع التصميم التأثير نفسه. لقد تعاونت حكومة عمان المحلية في تنفيذ المهرجان، وعمِل فريق من الباحثين على استطلاع آراء السكان عن التغييرات التي يرغبون في رؤيتها تتحقق في مدينتهم. كانت الخطوات التي اتُّخِذت صغيرة في معظم الأحيان، مثل وضع حافلة بتصرف الأشخاص للتنقّل من دون مقابل مادي عبر مواقع المهرجان في وسط عمان، ورسم خطوط مخصّصة لعبور المشاة على الطرقات. غير أن المنظّمين يأملون بأن تساهم هذه التغييرات الطفيفة في إحداث فارق.

لكن مع انتهاء المهرجان، كان التحدّي لا يزال في بدايته. فالتصميم المديني في عمان مصيره التعثّر في معظم الأحيان، وخير شاهد على ذلك المباني غير المستعملة كما يجب مثل مجمع رغدان. يجب أن يستمر الزخم الذي أطلقه المهرجان كي لا تُهجَر تلك الأماكن وتدخل في دوامة الإهمال من جديد.

قال حميد: "النموذج الأولي الذي أطلقه هذا المهرجان أمرٌ إيجابي، غير أن المقلق في الأمر هو الاستدامة والقدرة على الاستمرار". واعتبر أن المطلوب هو تنظيم برامج على امتداد العام، واكتساب التصميم أهمية على المستوى الوطني، بدعم من المؤسسات الحكومية. هذا هو أيضاً رأي الزوّار الذين شاركوا في "أسبوع التصميم". فقد علّقت شاهين: "سيكون أمراً رائعاً لو يتم تنظيم فعاليات ثقافية من هذا القبيل على امتداد العام".

أما بيروتي فتدرك من جهتها أن تحويل مجمع رغدان إلى محطة دائمة في الحياة الثقافية في عمان، يحتاج إلى مزيد من الجهود والعمل. لكنها تأمل بأن يرسي "أسبوع التصميم" سابقة لا يمكن تجاهلها. وتختم قائلة: "إذا برهنتَ أن الإمكانات موجودة، لا بد من أن تشعر بفراغ ما حتى لو اختفت لاحقاً".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو