نبض تركية

تركيا غارقة في غضبها بعد 11 أيلول/سبتمبر التركي

p
بقلم
بإختصار
على غرار الولايات المتحدة بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر، لدى الدولة التركية الحق في الدفاع عن نفسها؛ لكن ربما تبالغ تركيا كثيراً في رد فعلها، تماماً مثل الحكومة الأميركية بعد 11 أيلول/سبتمبر.

عندما زار نائب الرئيس الأميركي جو بايدن العاصمة التركية أنقرة في 25 آب/أغسطس الجاري لرأب العلاقات التركية-الأميركية التي تعاني من التوتر منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة التي شهدتها تركيا في 15 تموز/يوليو الماضي، تحدّث عن وجه شبه لافت. فبعد معاينة أنقاض مبنى البرلمان التركي الذي قصفه الانقلابيون، شبّه التروما التركية بالتجربة الأميركية بعد 11 أيلول/سبتمبر طالباً من المراسلين أن "يتخيلّوا ما كان يمكن أن يحدث لو أن الطائرة التي تحطمت في بنسلفانيا في 11 أيلول/سبتمبر 2001 تمكّنت من الوصول إلى مبنى الكابيتول". أضاف: "تخيّلوا التأثير النفسي على الشعب الأميركي".

لم ترق هذه المقارنة لبعض الأميركيين الذين ألقوا اللوم على بايدن "لاستخدامه ضحايا 11 أيلول/سبتمبر من أجل تسجيل نقاط سياسية". لكن في الواقع، كان بايدن محقّاً؛ المقارنة مع أحداث 11 أيلول/سبتمبر جيدة لفهم تأثير الانقلاب الفاشل على المجتمع التركي. لا شك في أن حصيلة الضحايا مختلفة بين الهجومَين: فعدد الذين سقطوا في 11 أيلول/سبتمبر أكبر بعشرة أضعاف من عدد ضحايا الانقلاب في تركيا. لكن على غرار هجمات 11 أيلول/سبتمبر، تشكّل المحاولة الانقلابية الهجوم الأكبر الذي تتعرض له تركيا منذ عقود. فضلاً عن ذلك، وكما حدث بعد 11 أيلول/سبتمبر، لدى الدولة التركية الآن الحق في الدفاع عن نفسها والقضاء على تهديد فوري.

لكن مجدداً، وكما حصل بعد 11 أيلول/سبتمبر، ثمة خطر جدّي بالمبالغة في رد الفعل.

لماذا شكّل الانقلاب الفاشل في تركيا تجربة مثيرة للصدمة إلى هذه الدرجة؟ شهد الأتراك على أربعة انقلابات عسكرية على الأقل في السابق، لكنهم لم يشهدوا قبلاً على قصف مبنى البرلمان، ونجاة رئيسهم بصعوبة من فرقة اغتيالات، وسقوط أبناء وطنهم قتلى بعد إطلاق النار عليهم من الضباط أو سحقهم بواسطة الدبابات. كانت المحاولة الانقلابية الأخيرة محنة كبيرة، على الرغم من تجاهلها من المشكّكين الذين يلمّحون – على غرار أنصار نظرية المؤامرة في أحداث 11 أيلول/سبتمبر – إلى أن الدوائر الداخلية للنظام ضالعة حكماً في المخطط.

ثمة نقاط تشابه أخرى بين المحاولة الانقلابية في تركيا وهجمات 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة. في الحالتَين، أعلنت الحكومة في كل من البلدَين أن المهاجمين ليسوا مجرد مجرمين اجتمعوا بصورة مؤقتة لتنفيذ جريمة معينة. فبعد التدقيق في روابط المهاجمين وعلاقاتهم، جرى تحديد الجهة المتورّطة بأنها تنظيم إرهابي أوسع نطاقاً. في حالة الولايات المتحدة، كانت الجهة المتورطة تنظيم "القاعدة". أما في حالة تركيا، فهي ما تسمّيه الحكومة وعدد كبير من خصومها الآن "تنظيم فتح الله غولن الإرهابي" – الجناح السرّي لمجموعة إسلامية يقودها الداعية التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن.

تذكّروا أنه لم تتبنَّ أي جهة هجمات 11 أيلول/سبتمبر، وأن الحكومة الأميركية لم تنتظر صدور قرار عن المحكمة للانقضاض على تنظيم "القاعدة". بل اعتمدت على "المعلومات الاستخباراتية الموجِبة للتحرّك"، ودعت حلفاءها إلى الانضمام إليها في "الحرب على الإرهاب". لم يكن الهدف فقط معاقبة مَن هاجموا الولايات المتحدة، بل أيضاً تجنّب التهديدات في المستقبل. هذا بالضبط ما تفعله الحكومة التركية الآن.

لكنْ ثمة فارق كبير بين "القاعدة" والغولنيين، ما يجعل الوضع بغاية التعقيد. "القاعدة" تنظيم عنيف وفخور بذلك، وقد أعلن الحرب على الولايات المتحدة. أما الغولنيون فيبدو أنهم النقيض تماماً. ينفي غولن نفسه جميع التهم المنسوبة إليه، ولا توحي المجموعة سوى أنها حركة معتدلة تبشّر بالسلام والحب والتسامح.

لكن القسم المرئي من أمبراطورية غولن ليس سوى جزء واحد منها، كما كتب صحافيون استقصائيون أتراك – معظمهم هم أيضاً من أشدّ المنتقدين للرئيس رجب طيب أردوغان – وبحسب ما جاء على لسان غولنيين سابقين انشقّوا عن المجموعة. الجزء الثاني عبارة عن تسلّل متأنٍّ، على امتداد أربعة عقود، إلى مؤسسات الدولة على غرار الجيش والقضاء والشرطة. لقد أنشأ الغولنيون، عبر إخفاء ولاءاتهم واستخدام العديد من التكتيكات غير المشروعة، "دولة داخل الدولة" تتحمل مسؤولية المطاردات الهمجية الشبيهة بمطاردات الساحرات التي يتعرّض لها أعداء المجموعة، ويبدو أنها مسؤولة مؤخراً عن المحاولة الانقلابية في 15 تموز/يوليو الماضي.

لذلك لا تشنّ تركيا الآن "حربها على الإرهاب" في جبال أفغانستان العالية بل في الزوايا المظلمة للبيروقراطية التركية. لهذا جرى، بعد الانقلاب، التعجيل في عملية تطهير الدولة من الغولنيين والتي كانت قد انطلقت في مرحلة سابقة. كما كتبتُ قبلاً عبر موقع "المونيتور"، إنه مجرد رد مشروع على كادر إجرامي داخل الدولة.

لكن هناك بعض المبالغات المقلقة التي يمكن أن تُحوِّل هذا الرد المشروع إلى مطاردة ساحرات همجية تخوضها الحكومة بنفسها. منذ الانقلاب، خسر أكثر من 80000 موظف في الخدمة المدنية وظائفهم، بما في ذلك أكثر من 2500 قاضٍ ومدّعٍ عام. علاوةً على ذلك، جرى اعتقال ما يزيد عن 20000 شخص. ثمة احتمال كبير بأن بعضهم أبرياء انضموا إلى مجموعة غولن أو دعموها فقط من أجل الانخراط في أنشطتها القانونية مثل الأعمال الخيرية أو التعليم أو التدريب الديني. جرى أيضاً اعتقال القضاة والمدّعين العامين الموقوفين عن العمل وتجميد أصولهم المادّية، - مع حرمانهم من فرصة توكيل محامين، فما بالكم بكسب معيشتهم. من الممكن تماماً أن يُزَجّ عدد كبير من الأبرياء في السجن لشهور عدة، لا بل سنوات، بالاستناد إلى مجرد شكوك – كما حصل في مراكز الاعتقال التي أنشأتها الولايات المتحدة في خليج غوانتانامو بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر.

وما يثير القلق أكثر هو المزاعم عن سوء المعاملة التي يتعرض لها بعض أبرز المشتبه بهم، بما في ذلك التعذيب بحسب منظمة العفو الدولية. يتجاهل عدد كبير من الأتراك التحذيرات الصادرة عن المدافعين عن حقوق الإنسان في هذه الأيام – تماماً كما تعامَل بعض الأميركيين مع الأخبار عن التعذيب في غوانتانامو والسجون السرّية التي تديرها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أيه)، ما ترك وصمةً دائمة على سجل حقوق الإنسان في بلادهم.

في العلاقات الخارجية، يبدو أيضاً أن أردوغان يطلق استراتيجية شبيهة بتلك التي اعتمدتها الولايات المتحدة بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر: إما معنا وإما علينا. فقد أعلن: "على الولايات المتحدة أن تختار بين جماعة غولن الإرهابية وتركيا". من الأجدى إجراء حوار بنّاء بين أنقرة وواشنطن. لهذه الغاية، على أنقرة أن تُقدِّم حججاً أكثر إقناعاً دعماً لقضيتها القانونية ضد غولن، في حين أنه ينبغي على السلطات الأميركية توخّي الحذر إنما أيضاً التعاطف مع محنة تركيا، الدولة الحليفة. يؤمَل أن تكون زيارة بايدن خطوة نحو الأمام في هذا الإطار.

أخيراً، العامل الذي سيحدّد فعلاً مستقبل تركيا هو سؤال أساسي: هل الحكومة مستعدة فقط للقضاء على خطر واضح يهدّد الديمقراطية التركية راهناً، أم أنها تميل إلى استعمال هذا التهديد ذريعة لتنفيذ مخطط سياسي أوسع نطاقاً؟ يعتقد كثرُ أنه بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر، اعتمدت الولايات المتحدة الخيار الثاني فلم تكتفِ باحتلال أفغانستان – التي كانت تقوم بإيواء تنظيم "القاعدة" – بل احتلت أيضاً العراق من دون أن يتم العثور على "أسلحة الدمار الشامل".

في الحالة التركية، السؤال المشابه المطروح هو إذا كان أردوغان وأنصاره سيركّزون فقط على التهديد الحقيقي الذي يشكّله تسلّل أتباع غولن إلى الدولة، أو سيستغلّون هذه الأزمة لقمع جميع المعارضين السياسيين. السيناريوان ممكنان، ففي حين يبذل أردوغان مجهوداً إيجابياً منذ الانقلاب لمدّ يده إلى المعارضة، هناك أيضاً تعصّب شديد في الولاء لأردوغان يسعى من يحملون لواءه إلى إظهار الرئيس في صورة المنقذ الأكيد للبلاد الذي لا لبس فيه – أي أشبه بأتاتورك ثانٍ. ينبغي على أصدقاء تركيا الانخراط معها الآن كي تؤدّي الدينامية الأولى، أي مد اليد إلى المعارضة، دوراً أكثر جزماً في مستقبل البلاد الملتبس.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : recep tayyip erdogan, joe biden, gulen movement, guantanamo, fethullah gulen, coup, al-qaeda
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept