نبض فلسطين

حريّات الإعلام والرأي والتعبير... حبر على ورق تنتظر التنفيذ

p
بقلم
بإختصار
رغم تأكيد الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس في أكثر من مناسبة أنّ حريّة الرأي والتعبير في فلسطين سقفها السماء، وتوقيعه على إعلان دعم حريّة الإعلام في العالم العربيّ باسم فلسطين كأوّل دولة عربيّة، إلاّ أنّ انتهاكات السلطات التنفيذيّة بحقّ الصحافيّين مستمرّة بأشكال مختلفة، ممّا يعزّز التناقض بين ما هو مصرّح به وما هو معمول به على الأرض.

رام الله، الضفّة الغربيّة — في إطار سعيها إلى سن وايجاد قوانين وتشريعات لوقاية الصحافيّين وحمايتهم من الإعتقال او التوقيف على يدّ الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة، تعدّ الهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان ونقابة الصحافيّين الفلسطينيين، مذكّرة رسميّة، لتقديمها إلى الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس، تطالبه بإصدار تشريع ينصّ على عدم توقيف او اعتقال صحافيّين من قبل الاجهزة الامنية الفلسطينية على خلفيّة عملهم الصحافيّ وقضايا الرأي والتعبير.

وفي هذا الإطار، قال المدير العام للهيئة المستقلّة عمّار دويك لـ"المونيتور": "مطلبنا في المذكّرة الّتي سنرفعها إلى الرئيس خلال الأسابيع المقبلة، إصدار تعديل تشريعيّ سريع، ينصّ على عدم توقيف صحافيّ واعتقاله على خلفيّة عمله الصحافيّ من قبل الأجهزة الأمنيّة، وإنّما تقديمه إلى القضاء في حال كانت هناك شكوى عليه".

وأعاد توقيع محمود عبّاس في 2 آب/أغسطس على إعلان دعم حريّة الإعلام في العالم العربيّ باسم فلسطين كأوّل دولة عربيّة توقّع عليه، واعتبار الأوّل من آب/أغسطس من كلّ عام يوماً لحريّة الرأي والتعبير في فلسطين، النقاش حول واقع الحريّات وأسباب التناقض بين التصريحات الّتي تؤكّد صون حريّة الرأي والتعبير، وبين ممارسات السلطات التنفيذيّة الّتي تنتهك تلك الحريّات من وقت إلى آخر.

وأطلقت نقابة الصحافييّن، بالتّعاون مع الإتّحاد الدوليّ للصحافيّين، حفل توقيع على الإعلان بمدينة رام الله في الأوّل من آب/أغسطس جمع توقيع ممثّلي 500 مؤسّسة صحافيّة ومنظّمات حقوقيّة ومجتمع مدنيّ ووزراء وقادة سياسيّين، ويتضمّن الإعلان إلتزاماً واضحاً بمبادىء حريّة الإعلام والحقّ في الحصول على المعلومات وسلامة الصحافيّين وإصلاح البيئة القانونيّة للإعلام.

وما يتضمّنه الإعلان من مبادئ أساسيّة تتنافى مع ما يجري على الأرض، اذ هناك غياب القوانين المتعلّقة بتطوير العمل الإعلاميّ، كقانون حقّ الحصول على المعلومات، وانتهاك المادّة 19 من القانون الأساسيّ الفلسطينيّ، الّتي تنصّ على أنّه: "لا مساس بحريّة الرأي، ولكلّ إنسان الحقّ في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفنّ مع مراعاة أحكام القانون"، في ظلّ استمرار الإنتهاكات بحقّ الصحافيّين من قبل الأجهزة الأمنيّة.

وبلغت الإنتهاكات الفلسطينيّة خلال حزيران/يونيو 27 انتهاكاً في الضفّة وغزّة ، تنوعت بين استدعاء الصحفيين والتحقيق معهم في المقرات الامنية واستخدام وسائل عنف لا يمكن تبريرها اثناء توقيف. فمثلاً الصحفي في صوت فلسطين في غزة جميل معمر تم استدعاءه واستجوابه وحجزه على مدار 13 يوما متتالية اثر نشره مقالا، في حين انخفضت إلى 7 انتهاكات في تمّوز/يوليو حسب "رصد المركز الفلسطينيّ للتنمية والحريّات الإعلاميّة – مدى"، أخطرها كان اعتقال الصحافيّ محمّد خبيصة، وهو المراسل الإقتصاديّ لوكالة "الأناضول" في 26 تمّوز/يوليو، بعد دهم منزله ليلاً من قبل جهاز الأمن الوقائيّ في رام الله، على خلفيّة نشره في صفحته الشخصيّة على موقع "فيسبوك" أرقاماً حول موازنة ومصاريف وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينيّة "وفا"، نقلها عن الصفحة الرسميّة لوزارة الماليّة الفلسطينيّة.

وسيضع توقيع عبّاس على إعلان دعم حريّة الإعلام في العالم العربيّ، السلطة أمام اختبار حول قدرتها على احترام مبادئه، اذ قال نقيب الصحافيّين ناصر أبو بكر لـ"المونيتور": "إنّ توقيع الرئيس عبّاس ورغبته في أن تكون فلسطين من أوائل الدول في الحريّات الإعلامية هما الضامن لتنفيذ الإعلان، الّذي تمّ التوقيع عليه".

أضاف: "هناك تعليمات صارمة من الرئيس عبّاس لكلّ الأجهزة التنفيذيّة باحترام حريّة الرأي والتعبير. ونحن كنقابة للصحافيّين نراقب مدى التزام الجهات التنفيذيّة بتلك التعهّدات. وإذا ما حصل أيّ انتهاك سنقف ضدّه".

وتابع: "هناك مشاريع قوانين من شأنها دعم الحريّات الإعلاميّة سيتمّ البدء بتقديمها إلى الرئيس عبّاس في الفترة المقبلة للتوقيع عليها، مثل قانون الحقّ في الحصول على المعلومات الموجودة على طاولة مجلس الوزراء".

ولطالما أكّدت السلطة على لسان عبّاس ورئيس الحكومة رامي الحمد الله أنّ حريّة التعبير والرأي في فلسطين سقفها السماء، وأنّ حريّة الصحافة مقدّسة، لكنّ ممارسات الأجهزة الأمنيّة أحياناً كانت تنافي تلك التصريحات، وهو ما حذّر منه مدير "المركز الفلسطينيّ للتنمية والحريّات الإعلاميّة – مدى" موسى الريماوي، قائلاً لـ"المونيتور": "نرحّب بتوقيع الرئيس على إعلان دعم حريّة الإعلام، ولكن ذلك يجب أن يقترن بإجراءات على الأرض وهذا يتطلّب توقّف إنتهاكات الأجهزة التنفيذيّة في هذا الشأن".

هذه الاجراءات تتضمن منع الاجهزة الامنية من الاعتقال وتوقيف الصحفيين والاعتداء عليهم بالضرب ومنع التغطية، وان لا يتم اصدار مذكرات باعتقالهم على خلفية عملهم الصحفي.

أضاف: "انتهاك حريّة الرأي والتعبير، هو انتهاك للقانون الأساسيّ الّذي ضمن ذلك الحقّ، ويجب أن تترجم المراسيم والتصريحات الّتي أكّد من خلالها الرئيس أنّ حريّة الرأي والتعبير سقفها السماء، على الأرض، ولا تبقى مجرّد تواقيع على الورق".

وتابع موسى الريماوي: "لا يمكن الحديث عن حريّة الرأي والتعبير من دون تطوير القوانين الّتي تضمن تلك الحريّات كقانون الحصول على المعلومات وقانون المطبوعات للنشر الّذي يحتاج إلى تعديلات كثيرة لكي يتواءم مع تطوّرات الإعلام الجديد". هذا القانون لا يزال على طاولة الحكومة ولم يتم تقديمه الى الرئيس محمود عباس من اجل الموافقة عليه.

وهو ما أكّده عمّار دويك، إذ قال: "إذا لم تتمّ ترجمة الإرادة السياسيّة حول حريّة الرأي والتعبير إلى قوانين وممارسات على الأرض، ستبقى مجرّد إعلانات وحسن نوايا لا فائدة منها".

بدورها، قالت مديرة مكتب صحيفة "العربيّ الجديد" في الضفّة الغربيّة نائلة خليل لـ"المونيتور": إنّ على السلطة أن تنتبّه إلى ما توقّع عليه من إتفاقيّات ومعاهدات ذات صلة بالحريّات الإعلاميّة مثل اعلان دعم حرية الاعلام، لأنّ بنود تلك الاتفاقيات تتناقض مع ما تقوم به الأجهزة التنفيذيّة من انتهاكات بحق الصحفيين ، الأمر الّذي قد يعرّضها للإحراج على المستوى الدوليّ، في ظل عدم وجود قوانين محلية تدعم الحريات الاعلامية.

أضافت نائلة خليل، الّتي أغلقت السلطة الفلسطينيّة في تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2015 مكتب صحيفتها في رام الله بحجّة عدم الترخيص واستدعت مراسل الصحيفة محمّد عبد ربّه في 8 حزيران/يونيو على خلفيّة تحقيق صحافيّ نشرته الصحيفة: "لا نريد تواقيع جديدة من قبل الرئيس، بل وقف انتهاكات الأجهزة التنفيذيّة وتغوّلها على الحريّات العامّة".

وأخيراً، ان الحديث عن حريّة الإعلام والرأي والتعبير من قبل الحكومة والجهات الرسمية الفلسطينية سيبقى حبراً على ورق، وتصريحات في الهواء، اذا لم تقترن تلك التصريحات بتطبيق على ارض الواقع، من خلال سنّ القوانين الحديثة، الّتي توفر مزيدا من حرية الرأي والتعبير والاعلام، والبيئة المناسبة في النشر والوصول إلى المعلومات، وإلزام الجهات التنفيذيّة بتطبيقها من دون السماح لها بالقيام بأيّ انتهاك او اعتقال.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : palestinian authority, news and media, media in the arab world, mahmoud abbas, journalists, human rights, freedom of the press

أحمد ملحم صحفيٌ ومصورٌ فلسطيني مقيم في رام الله، ويعمل لحساب صحيفة الوطن وعدد من وسائل الاعلام العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept